رامي أبو جبارة كم هي بحاجة هذه الأمة إلى فيلسوف يتجاوز تشاؤم الفيلسوف شوبنهور صاحب الفكرة القائلة ‘ان الحياة شر، لأن الألم دافعها الأساسي وحقيقتها، وليست اللذة سوى مجرد امتناع سلبي للألم’، متجاوزا بذلك أرسطو الذي قال ‘إن الرجل الحكيم لا يبحث عن اللذة، ولكن عن التحرر من الألم والهم’. وحاجة الأمة في هذه المرحلة إلى مثل هذا النوع من الفلاسفة مثل حاجتها إلى الهواء والماء ومخادع النساء، لأن كل ما باتت تطلبه الأمة العربية من ركام هذه الدنيا هو تأجيل متوالية العقاب والعذاب وليس ايقافها أو التحرر منها. لا أدري إن كان ما أصاب هذه الأمة في خريف عمرها مجرد حالة مرضية مزمنة تمر بها الأمم وسلمت بها أمتنا وفقا للآية الكريمة، ‘وتلك الأيام نداولها بين الناس’، أم أن المرض اصبح الأصل والراحة هي الحالة العابرة والاستثناء. وما يستحق التساؤل أيضا هو ما الذي فعله أبناء هذه الأمة لينالوا هذه الجرعات الزائدة من الذل والعذاب، رغم تماوتهم مرارا وتكرار أمام الصيادلة المسؤولين عن تركيبة هذه الجرعات، وكأن الأسلاف والأجداد قضوا معظم وقتهم في الدعاء عليهم وكيل اللعنات لا لذنب إلا لأنهم جاءوا في زمن الجزر وفي عز التعب، وما زاد من مأساتهم فوات قطار الوقاية، لأنهم لم يجدوا نوستردامس عربي يتنبأ بما سيحصل لهم مستقبلا، ربما لهول الأحداث أو ربما لأن القيامة الامبريالية كانت بحاجة إلى نوستردامس وجورج أورويل والمتنبي والأخطبوط بول مجتمعين إلى التنبوء بأحداثها.
ما دفعني إلى كل هذا التشاؤم والسخط ثلاث مفارقات لا يجمعها أي رابط سوى خيط دم، وأوشك الشك من جرائها أن يودي بإيماني، على حد تعبير أحد الشعراء الصعاليك. أولى هذه المفارقات كانت وثائق تم تسريبها من محضر اجتماع سري جرى بين محمود عباس وشارون في منزل الأخير، واعتذر فيه عباس عن عدم قيام أجهزته بواجباتها الأمنية اللازمة لحماية ‘إسرائيل’، وذلك عقب تنفيذ مجموعة من العمليات الاستشهادية ضد ‘إسرائيل’ بقيادة الشهيد حسن المدهون، وقد طالب شارون أثناء الاجتماع أن يأتي له عباس برأس المدهون وكان له ما أراد وفوقه اعتذار من الضحية لجلادها لمجرد محاولتها إعاقته أثناء تعذيبها. أما ثاني هذه المفارقات فكانت الـ 400 مليون دولار التي دفعها العراق لأسر أمريكية كتعويضات، وذلك لتأثرهم نفسيا بسبب إساءة معاملتهم أثناء حرب الخليج الأولى، أما تجاوز عدد الأرامل في العراق الخمسة مليون أرملة ووفاة أكثر من مليون طفل عراقي جراء الحصار ومقتل أكثر من نصف مليون مدني عراقي بعد الاحتلال الأمريكي، فهؤلاء لا يستحقون تعويضات ولا حتى اعتذارا، لأن أمتهم باتت كما وصفها الشاعر عمر أبو ريشة تسمع نوح الحزانى وتطرب وتنظر دمع اليتامى وتبسم. آخر المفارقات الثلاثة ـ وهو ما دفعني إلى كتابة هذه السطور – كان خبرا مفاده أن قوات الاحتلال الصهيوني لم تكتف بإطلاق سراح المستوطن الذي دهس الأطفال الفلسطينيين على مرآى ومسمع العالم، ولكنها اعتقلت أحد الأطفال، من دون إبداء أسباب اعتقاله، ولكن ربما يكون السبب أن ذلك الطفل تسبب بكسر مصباح السيارة حين دهسه السائق، وإذا ما ثبتت هذه التهمة سيكون مطالبا هو الآخر بدفع تعويض للمستوطن والاعتذار عن ذنبه وعن طفولته في آن واحد. يبدو أننا نقف أمام ثقافة اعتذار عصرية تلزم العصافير أن لا تزعج التمساح بصراخها أثناء التهامه لها بعد صفقتها الخاسرة معه، وتفترض بالضحية أن يطلب المغفرة من جلاده، لا بل وأن يتبنى وجهة نظره، حتى تصبح الجريمة مبررة ويتماشى الضمير الغربي مع استغلاله للشعوب وحتى لا تتهاوى أخلاقياته المزعومة، أما الأمم المغلوبة ومنها أمتنا فقد تقزمت قضاياها إلى أن أصبحت قضيتها الرئيسية إدخال الطعام إلى شعب يذبح فداء لها، وأضحت لا تملك أي خيارات في مواجهة نيرون ونيرانه، وكل ما بوسعها فعله اختيار الدواء اللازم لتهدئة وتأجيل الألم، سواء كان ذلك عبر فلاسفة أو شعراء أو متنبئين. كاتب اردني مقيم في لندن