‘الرئيس’ والطباخ وطلعت زكريا: ثلاثي أضواء السينما

حجم الخط
0

محاولة للاقتراب والتصوير وكسر التابوالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: الأفلام التي تجسد سير الرؤساء والزعماء تتسم عادة بالنمط التسجيلي، حتى إن كانت روائية طويلة، حيث يرتطم الخط الدرامي فيها بقصة حياة رئيس الدولة، لذا فإن ما يرد بها يؤخذ من قبل الجمهور على انه جزء من السيرة الذاتية ولا يتم الاعتراف بمساحة الخيال التي قد يضيفها السيناريست الى الموضوع الأصلي، من هنا تستوجب العملية الإبداعية في هذا الخصوص الحذر الشديد كي لا يكون الخروج مخلا ومشوها للشخصية أو الأحداث، لأن المتلقي يسقط ما يراه من صورة وحوار على الشخصية الواقعية، فإن كان البطل قريب الشبه من الرئيس عبدالناصر فما يقال ويحكى هو بالطبع يخص عبدالناصر، وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للرئيس السادات، فكل ما هو وارد على لسان البطل له علاقة مباشرة بالسادات، وقد حدث هذا بالفعل في فيلم ‘طباخ الرئيس’ الذي قام ببطولته خالد زكي وطلعت زكريا، إذ لم يصرح أحدا من صناع الفيلم كاتبا أو مخرجا أو بطلا بأن الشخصية الرئيسية تمت للرئيس مبارك بصلة، ومع ذلك اعتبر النقاد والجمهور أن المعني هو بالفعل الرئيس مبارك متأثرين بالشبه القريب بين الفنان خالد زكي والرئيس، لاسيما أن الأول حاول أن يتقمص الشخصية ويقترب بأدائه منها باعتبارها النموذج الأوضح بالنسبة للجمهور، بالإضافة إلى الإشارة السريعة التي جاءت بالفيلم في مشهد الفرح البلدي، حيث حذر طباخ ‘الريس’ طلعت زكريا العريس سامح حسين والعروسة أمينة من إحداث أي هرج أو مرج وأوصاهما بضرورة الالتزام بحدود اللياقة والذوق لوجود شخصية كبيرة رمز إليها ‘بالعبور’، وكان يقصد بالطبع عبور قناة السويس في حرب اكتوبر، كانت الإشارة دالة وواضحة كل الوضوح وقد التزم الجميع بالرسالة الموجهة ورسخ في الأذهان المعنى كاملا، حتى أن الرئيس مبارك نفسه التقى بالفنان طلعت زكريا وحياه على الدور وتبادل معه حديثاً مطولا استغرق 130 دقيقة بالتمام والكمال، خرج بعده زكريا ليؤكد أن هناك فيلما آخر من الممكن اعتباره جزءا ثانيا لفيلم ‘طباخ الريس’ يجري الإعداد له، وهو ما يوحي بأن الرئيس مبارك قد أثنى ثناء جميلا على أداء طلعت زكريا وأبدى إعجابه بالتجربة الدرامية كلها، لكن يظل هناك سؤال مطروح، لماذا لم يكن للفنان خالد زكي نصيب من هذا التقدير الرئاسي؟ خاصة أنه جسد شخصية الرئيس وليس طلعت زكريا، الإجابة التي يمكن الاجتهاد فيها هي أن مبارك لم يكن مشغولا بنفسه وصورته أو صورة الرئيس في الفيلم، بقدر ما كان مشغولا بصورة طباخه وخادمه المخلص الأمين، فهذا الرجل البسيط كان بمثابة العين التي يرى بها الأحداث والأشخاص على حقيقتها، لذا كان حرياً به أن يدقق فيها ويتجاوب معها وينفعل بها، وهذا في تقديرنا ما حدث بالضبط وجعل الضوء كله يسلط على طلعت زكريا دون خالد زكي، الرئيس مبارك سبق أن أشير له صراحة في فيلم ‘جواز بقرار جمهوري’ للمخرج خالد يوسف، حيث تم استخدام صورة أرشيفية للرئيس في واحدة من جولاته الميدانية لتظهر في الكادر كأنها صورة واقعية، وربما تكون هذه المرة الأولى التي يسمح فيها بظهور شخص الرئيس في فيلم سينمائي ليس تسجيليا لأن الرؤساء والملوك ظهروا كثيرا في أفلام وثائقية وتسجيلية، ويمكن تفسير إنفراد الرئيس مبارك بالظهور سينمائياً على أنه نوع من التقدير لدور الفن والسينما وهذا هو التفسير الأقرب للحقيقة، أما التفسير الثاني فيرجع إلى تواضع الرئيس مبارك وعدم استنكافه من عملية الظهور على الشاشة مقرونا بحدوتة درامية تمت أو لا تمت له بصلة، ويرجح ان يكون هذا التواضع هو الذي شجع المنتجين والمخرجين على تكرار التجربة اكثر من مرة، وبعيدا عن القراءات والتكهنات والاحتمالات يبقى السؤال، هل فيلما عبدالناصر والسادات جعلا لدى الرئيس مبارك رغبة في أن يرى حياته مجسدة في شريط سينمائي وموثقة توثيقا دقيقا اسوة بالرئيسين السابقين؟ وهل لو تم هذا سيكون التناول بالفعل دقيقا وحياديا؟ أم أن الاعتبارات السياسية ستكون لها الغلبة في ظهور صورة رئيس الجمهورية بالشكل المثالي؟

أسئلة وتداعيات تطرح نفسها حول الفرق بين تناول حياة الرؤساء والملوك والسلاطين في حياتهم وبعد رحيلهم، وموقع الإبداع وأمانة التوثيق في كل مرحلة قبل الرحيل وبعده، ولماذا تظهر الأخطاء وتتجلى فقط بعد موت أصحابها وانتهاء مسيرتهم، وهل لو تناول فيلم مثالب رئيس جمهورية أو ملك وهو على قيد الحياة واعترضت الأجهزة الرقابية والسيادية سيتدخل الرئيس أو الملك للإفراج عن الفيلم، كما حدث مع فيلم ‘شيء من الخوف’ الذي صرح الرئيس جمال عبدالناصر شخصيا بعرضه بعد أن صادرته الرقابة على المصنفات الفنية بدعوى أنه يسيء لعبدالناصر ويصوره كرجل طاغية مستبد يؤول مصيره إلى الموت حرقا بعد قيام ثورة الجياع والعوام من أهل قرية الدهاشنة الفقيرة المعدمة، هل ستتكرر المعجزة ويتحلى رئيس أو ملك أو أمير بالشجاعة فيسمح بانتقاده على مرأى ومسمع من العالم كله؟

السؤال سيظل قائماً إلى أن تأتي التجربة التي تخيب الظنون وتشهد من خلالها السينما عصرا جديدا من الديمقراطية فنكف عن إثارة السؤال ونعترف بحرية الإبداع والفكر ونصدق ما يتردد عن أننا نعيش زمنا مختلفا لم يقص فيه فيلم ولم يسجن فيه صاحب رأي، ونقول بدورنا أن العبرة دائما بالخواتيم والممارسة الديمقراطية هي الشاهد الوحيد على وجودها فليس بالشعارات وحدها تحيا الشعوب ويتنفس الإبداع حريته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية