عناية جابر
تبدو لي وفرة حب الجمهور اللبناني، والعربي، لفيروز عجيبة بعض الشيء. الآلاف الذين تقاطروا، لبنانيين وعربا الى حفل فيروز في الـ’بيال’ وسط البلد، يهيمون بها، ليس لأنها ذاكرة ولأنه حنين، بل لأنها ضرورة حياتية، وهي تاريخ مع الرحابنة الكبار، ومستقبل مع زياد الرحباني الذي لايقّل كبراً.
عن فيروز، في تعاونها الفني مع زياد، نرى عن كثب قلبها الحنون، قلبها الحنون والمجنون. فيروز في جديدها مع ابنها:’فيه أمل، أيه فيه أمل، أوقات بيطلع من ملل’ مجنونة وعاقلة. حيوية بجنون ومرحة، وأيضاً مراراً وتكراراًهي وزياد مجنونان. الوقع بالفرنسية هو الأكثر شاعرية في هاتين الكلمتين منه في اللغات الأخرى:Fou et folleأشدّد على الجنون الذي يُمجّد العاطفة المتحررة من كل رقابة (لهذا يحبها جمهورها بشكل عجيب) والمشاعر الساخنة والهذيانات النشيطة للوله. إسم فيروز يلفظه جمهورها بإعجاب متأثر من خلال دواخلهم العاطفية. في حفلها منذ أيام أهدت فيروز إبنها زياد ‘أغنيته’. غنّت له في غيابه القسري عن الحفل الذي هو صانعه:’سلّملي عليه/ وقوللو أنيّ بسّلم عليه/ بوّسلي عينيه/ وقوللو أنيّ ببوّس عينيه/ انت يللي بتفهم عليه/ سلّملي عليه… سلّم’. أغنية تفصل بين المذهب والكوبليه لوازم موسيقية من الصنف الذي طبع أعمال زياد، ويتفوّق بقوته وحسن سبكه. أغنية هي مشهد، توصي فيه إمرأة عاشقة، أحدا يلاقي حبيبها حيث هو ذاهب، ان يُسّلم عليه (يعني يحط عا عينو باللبناني)، ونستشف من الأغنية أن ‘سوء فهم’ كبيرا واقع بينها وبين حبيبها البعيد، وعليه هي توصي أحــــدا ذاهب لعنده و’يفهم عليه’: انت ياللي بتفهم عليه!! أن يُسلم سلاماً كثيراً، لأنها مشتاقة اليه، ولأنها خصوصاً، لن تقصده وتُسلّم عليه بنفسها، ذلك امر لن تفعله، كما نستشف أن سحب سوء الفهم مازالت متراكمة، وهي في حركة تمرّد لذيذ، توصي طرفاً ثالثاً بإيصال السلامات.
كيف أمكن للحب أن يُترجم بهذه الكلمات البسيطة؟ وكيف تمّ تحويل مشهد عادي الى لوحة مجازية تمرّر فيها امرأة عاشقة كلمتين بسيطتين: سلمّلي عليه، هما عقوبة عادلة لكل كلمات الحب التي تحمل غطرسة ثقافية، وتهاجم بهاتين الكلمتين جيشا من الشعراء المثقفين في أبياتهم المتشاوفة وقصائدهم ذات الأحكام العلوية التي تزيد الحب تعقيداً وإبهاماً.
ليست إستعارة مجازية من نوع:’سلّملي عليه’ الأغنية الرعوية في تأليفها الموسيقي، أكثر جنوناً من أغنيات شبيهة، غنّتها فيروز في تعاونها مع زياد:’الله كبير’ ‘قال قايل’ ‘قصة زغيري كتير’ ‘كبيرة هالمزحة هاي’ مُتوّجة بـ’ أيه فيه أمل’ و.. سواها.
لماذا فضّل زياد، ووافقتهُ فيروز، اغنيات مجنونة على غيرها من كلاسيكيات الريبرتوار الرحباني العاقل؟ أيّ تفضيل الراهن على الماضي؟ ببساطة، المسألة هي فيروز دون أدنى شك. لقد شاءت الخروج من إطار الأيقونة، انها هي فيروز وليس زياد من حرّضها على الإطلالة على واقع الحب وراهنه، بل هو قلبها الفاتن، قلب الصبية العاشقة التي انتصرت للغة الحب الدارجة الآن. ليس ما يدفع مطربة بذكاء فيروز ووزن فيروز الى غناء مثل الكلمات المجنونة التي سمعناها، وسمعها جمهورها في الـ’بيال’، سوى روحها التي تضخمت كثيراً، وتحتاج الى الإسترخاء و’النمردة’ والكلمات البسيطة التي تنفذ فوراً وسريعاً الى القلوب. في ‘الله كبير’ ذات المزاج الحزين بترجيعات مقام الحجاز، يتدرّج اللحن في تسلسل مقامي ظاهرهُ بسيط، وداخلهُ مُعقّد يبلغ نغمة العجم المهيبة في بدايته، لينتهي بالحجاز في ختام صوت فيروز الذي شاءه التأليف الموسيقي هنا أوبرالياً (إعتمدت فيروز الإكثار من غناء ‘القرار’ الذي أثبت فعالية صوتها الدائمة مازالت، جماله الذي بقي بمنأى عن العمر والسنوات) نموذجياً للأغنية. أغنيات زياد، كلماتها أكثر، هي تعبير عن مجمل عادات الشعب اللبناني وثقافته ومزاجه الخاص. المراهنة في البداية، كانت على أن تتفاعل مع هذا النتاج الفني، شعوب عربية أحرى، إذ لاشك أن عند المصريين والمغاربة وباقي العالم العربي، موسيقاهم العريقة الخاصة، النابعة من ثقافاتهم وأمزجتهم. مع ذلك قدر زياد، ومعه قدرت فيروز على استقطابهم (كما رأينا في الحفل) الى أغنياتها من تأليفات زياد الموسيقية، ، لأن الجيل العربي الجديد يريد التخفف من ثقل تركة الكبار، ووحده زياد حتى اللحظة عرف كيف يشيلها عن أكتافهم عبر السخرية منها كلاماً ولحناً، وبصوت قادر على الإقناع.
الحب عند فيروز وزياد وفي أغنياتهما، غادر الكليشيه المعروفة والعامّة، وامتلك خصوصية مفردة، خصوصية محببة فيها ابتكار ونكهة جميلة وفيها ‘الأنا’ العالية الحساسة. فيروز وزياد في حفلهما (وإن غاب عنه زياد جسدياً) عرفا كيف يوجهان التحية الى عاصي على طريقتهما، ونُحدس أن الراحل الكبير، يرفل بغبطة كبيرة من هذه التحية، ومُستلة من أعماله ومتناسلة منها لتناسب الوقت.