من يركب ظهرالسلطة يملك رقاب الناس!

حجم الخط
0

فيصل عبد الحسن

ليس غريبا أن تشعر بالوحشة والإحساس بأنك فقدت صديقا عزيزا اعتدت مسامرته حين تفرغ من قراءة آخر صفحة من كتاب أحببته، فيتملكك الأسى، وتبدأ بتصفح الكتاب من جديد، وهذا بالضبط ما شعرت به، وأنا أفرغ من قراءة كتاب ‘القانون الدستوري والنظم السياسية’ للدكتور جواد الهنداوي.

صحيح أن الكتاب عالج مسائل شديدة الحساسية، والأهمية في مجتمعاتنا العربية، لكنها أيضا من المسائل الفكرية الممتعة، التي من الضروري مناقشتها دائما ومن قبل الجميع، للوصول إلى قناعات بشأنها، وهي مسائل الحكم والديمقراطية، وأنواع الديمقراطيات، وأسس بناء الدول العصرية، وتناول تاريخ الدول الأوروبية، الليبرالية والاشتراكية، وفهمها القانوني والدستوري لمفاهيم الدولة، والمجتمع والحرية، والديمقراطية، واحتكار السلطة من قبل طبقة محددة، أو من قبل جميع فئات المجتمع. لقد أضاف الكاتب إلى كتابه خبرته القانونية، كأستاذ في القانون، إضافة إلى ثقافته الموسوعية، وتجربته الحياتية الغزيرة. وعند الحديث عن فصول الكتاب، ينبغي أن نذكر أن مؤلفه أمضى أكثر من عقد ونصف العـقد أستاذا لمادة القانون في الجامعات الفرنسية، وقد استطاع أن يوضح لقرائه في هذا الكتاب، الكثير من الأفكار المتعارضة، والفلسفات المتصارعة، لصياغة قوانينها الخاصة بها، وأوضح أفكار كل واحدة بآليات مبسطة، من دون أن يحيد عن موضوع بحثه الرئيسي، ودون أن يشغـله ذلك عن متابعة موضوع شائك: كموضوع بناء آليات دولة عربية ديمقراطية، متحضرة، على أعتاب أنظمة دكتاتورية استمرت لعقود، وأعقبها احتلال عسكري أجنبي، كما حصل للكثير من الدول العربية التي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، وتهديم شبه كلي لمؤسساتها السابقة، وفي ظل مجتمعات قبلية، لا يزال قسم كبير منها ينظر بعين الريبة للتعامل مع كيان الدولة الجديد عليها، وينتظر أن تضعف ليسلبها بنيتها التحتية، وكل ما جهدت لترتيبه وتهيئته عبر عقود لتسهيل إدارة أعمال مؤسساتها، من أثاث ولوازم، وبنايات، ومرافق، وإلى عقود قليلة كان الناس في الكثير من الدول العربية والإسلامية، يحرمون العمل في وظائف الدولة الرسمية بل ويحرمون حتى الاستفادة من مؤسساتها التعليمية أو الصحية، معللين ذلك الجفاء بكون شكل الدولة جاء مستوردا من العالم الغربي، أو في الأقل أنهم كانوا ينظرون إليه كنظام غريب على البيئة العربية، المسلمة، وانه جاء في عقب انهيار الخلافة العثمانية الإسلامية، وقد وضع شكل الدولة الغربي لهم، ليماثل ما لدى الغرب من مؤسسات، ولغاية أساسية هي إطالة زمن استعمارنا أو، في أحسن الأحوال، تبعيتنا الثقافية والفكرية والمؤسساتية للغرب.

لقد تناول الكاتب موضوعه عبر ثلاثة أبواب، وقد ورد في الباب الأول منه: قواعد القانون الدستوري، حيث عالج فيهما موضوع الدولة والدستور، وأضاف إليه، موضوعة ثالثة هي الديمقراطية، وجعلها كقاعدة من قواعد القانون الدستوري، عكست حاجة مجتمعاتنا، لهذا المحور، وحلمنا بتغيير نمط السلطات السياسية الغاشمة، التي كانت ولا زالت تحكمنا لعقود كثيرة، وتغييرها بفكر قانوني ودستوري ينظم شكل وآليات التمثيل النيابي وطريقة الانتخاب، ليخلص بعد ذلك إلى شكل ديمقراطي قانوني ودستوري، تناوبي لحكم البلاد من قبل قواه السياسية، وفعالياته الجماهيرية، وقواه الاجتماعية، ووجوه المجتمع الجماهيرية المؤثرة. ويناقش المؤلف صعوبات تفسير بعض المصطلحات كمصطلح الأمة، حيث تواجه دول ككندا وبلجيكا تتحدث شعوبها بعدة لغات هذه الصعوبة، وكذلك ما حدث في يوغسلافيا السابقة، ومن هذا يستنتج الكاتب، إن الوحدة الوطنية ليس من السهولة تحقيقها ‘عندما يكون الشعب مؤلفا من عدة قوميات وعنصريات متعددة’ ( ص 18). وفي الفصل الثاني يتناول المؤلف الدستور، وتعريفه وتأسيسه وطرق صياغته، ومراجعته، أو تعديله، وطرق حماية الدستور، ورقابة تنفيذه. وفي الفصل الثالث تناول المؤلف مفهوم الديمقراطية تعريفا، وتناولها كمبدأ وممارسة وربطها بإرثنا الإسلامي من خلال ما أنزل الله تعالى في محكم كتابه من آيات محكمات كقوله تعالى: ( وأمرهم شورى بينهم) الشورى آية 38 ، وقوله تعالى: ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة 2، وقوله تعالى: ( ولقد كرمنا بني آدم) الإسراء آية 70 ، وقوله تعالى: ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة آية 256 ( ص 69). ويعرف النظام الديمقراطي للدولة ووفق ما جاء في المادة الثانية من الدستور الفرنسي، ووفقا لتعريف الرئيس الأمريكي السابق أبراهام لنكولن بقوله: ‘يكون نظام الدولة ديمقراطيا، عندما يكون الشعب صاحب السيادة، وعندما يكون المحكومون ـ أو الرعية ـ أحرارا في اختيار حكامهم’ ( ص71). وينقل لنا المؤلف رأي المدرسة الفرنسية بمصطلح الأمة فهي ترى: ان قيام الأمة لا يتم من خلال جمع وإضافة بعض العناصر المتعلقة بالمجتمع، كالتأريخ المشترك ورابطة اللغة ورابطة الدم أو العنصر والروابط الأخرى، وإنما يعتمد أساسا على إرادة أفراد المجتمع بالعيش سوية، وهذه الإرادة المشتركة جاءت بسبب التاريخ المشترك من خلال المشاركة في الحروب، وفترات السلم والازدهار’ حيث تتولد لديهم مشاعر قوية بالانتماء إلى الجماعة والى هوية مشتركة’ ( ص19). ويطرح المؤلف رؤيته القانونية وبموسوعية وفهم عميقين للتنافس الحزبي في الأنظمة الديمقراطية، والحلول لبعض المشاكل التي تقع فيها الأنظمة الديمقراطية، من حيث تمويل الدولة للأحزاب لمنعها، أو لتحدّ من التمويل السري للأحزاب، من قبل شركات وأفراد لديهم رأس المال، ولديهم القدرة المالية، لشراء قرار بعض هذه الأحزاب، لتصب في مصلحته أو مصلحتها الاستثمارية. وتناول المؤلف في الباب الثاني فصل السلطات والأنظمة السياسية، وتناول في الفصل الرابع ‘النظام السياسي الأمريكي’ وفي الفصل الخامس تناول ‘النظام السياسي البريطاني’ وفي الفصل السادس ‘النظام السياسي الفرنسي’ وفي الفصل السابع تناول ‘النظام السياسي الألماني’ وتناول في الباب الثالث ‘الدستور والنظام السياسي في العراق بعد 9/4/2003’، وتضمن هذا الباب الفصل الثامن ‘قانون إدارة الدولة العراقية أو الدستور المؤقت’ الذي سبق العمل به حتى 9/4/2003، وتناول المؤلف الموضوع في مبحثين المبحث الأول: يتعلق بالشكل والصياغة والثاني: يتعلق بالمضمون والمحتوى’ ( ص307). وتناول في الفصل التاسع ‘الدستور الاتحادي العراقي عام 2005’ ـ واعتبر مبحثه مراجعة تصحيحية ـ ( ص338) وتناول في الفصل العاشر ‘المؤسسات الدستورية’وفي المبحث الثالث ‘طبيعة الحكم الصادر على الدستورية’ ( ص431) والمبحث الرابع ‘تحريك الرقابة على الدستورية’. يقول الكاتب واصفا شكل النظام السياسي في محور آخر’ عندما تكون هناك مشاركة للشعب أو المرؤوسين في ممارسة السلطة، واختيار حكامهم بطريقة الانتخابات، يمكن وصف النظام السياسي للمجتمع بأنه نظام ديمقراطي، ووصف دولة ذلك المجتمع بكونها دولة قانون، كما أن طريقة تنظيم واستقلالية السلطات الواحدة عن الأخرى هي أيضا معيار لتقييم ديمقراطية النظام السياسي للمجتمع: فكلما كانت هذه العلاقات واضحة وشفافة ابتعدنا عن خطر الرضوخ تحت نظام دكتاتوري'( ص12). وتناول المؤلف في الفصل الأول تعريف الدولة، والعناصر المكونة للدولة وشكل الدولة، وتناول نظريتين تفسران أصل إنشاء الدولة كفكرة، وتطبيق الأولى، هي نظرية الأصل الطبيعي للدولة، وهذه النظرية تتوخى الدولة كنتيجة، للحركة الطبيعية للمجتمع، وحسب هذه النظرية، فإن بناء الدولة غير مبني على إرادة إفراد المجتمع، وإنما متأتيا من سلسلة من التطورات والتغيرات الاجتماعية، إذ تنشأ الدولة بعمل غير إرادي، ويكون إنشاؤها بطيئا أو سريعا، ويمكن أن يكون سلميا أو عنيفا، ويستشهد أصحاب هذه النظرية بتفكك إمبراطوريات تضم عدة مجتمعات، ‘ويحدثنا التاريخ الحديث ويشهد لنا بتكوين دول عديدة في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، مثل جمهوريات: سلوفاك، روسيا البيضاء.. وغيرها ‘( ص14)، أما النظرية الثانية فتسمى نظرية العقد الاجتماعي للدولة والتي هي قائمة على فكرة إرادة أفراد المجتمع، أي أن الدولة ـ كمفهوم – ما هي إلا عقد يعبر فيه المواطنون عن إرادتهم بتكوين الدولة، وهي إرادة هادفة وواعية ومنيرة ( أي خالية من الالتباس والخطأ) وتجد هذه النظرية جذورها في مقالات، وكتب، وأطروحات الفيلسوف جان لوك ( 1690م) وجان جاك روسو ( 1762م) ومن آراء روسو التي ينقلها لنا المؤلف في هذا السياق قوله: ‘أفراد المجتمع اتحدوا بصورة إرادية وواعية على إنشاء الدولة رغم عدم وجود اتفاق مسبق فيما بينهم في الوقت نفسه لا يوجد ما يمنع أو يعيق هذا الاتفاق الضمني فيما بينهم’ ( ص15 ). وتناول الكاتب في الباب الثاني الأنظمة السياسية انطلاقا من قاعدة فصل السلطات في الدولة وهي ( السلطة التشريعية) و( السلطة التنفيذية) و( السلطة القضائية)، وبحث تفصيليا في شكل الأنظمة السياسية الغربية في دول كالولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، ألمانيا، وفرنسا التي أخذت حصة كبيرة من بحثه كون الكاتب درس فيها وتعلم في معاهدها وجامعاتها وعمل في إحدى جامعاتها أستاذا، وأحب مفكريها وعلماءها، وقد بدأ البحث في هذا الباب من فرضية أن ‘من يمتلك السلطة يتجه نحو استغلالها’. وكما قالت العرب قديما من يركب ظهر السلطة يملك رقاب الناس، ومن هذه الفرضية، وغيرها فيما أورده مونتسيكو، وما عرض من أفكار في كتابه ‘روح القانون’ الصادر عام 1748 والذي لخص فيه ليس فقط موضوع فصل السلطات، وإنما أيضا كيفية عمل هذه السلطات، ويرى مونتسيكو ان ظاهرة تمركز السلطات بيد شخص واحد أو هيئة واحدة تشكل خطرا، وتهديدا لحريات المواطنين ‘( ص 140) ويصل من كل هذا إلى نتائج وجوب فصل السلطات الثلاث.

وقد تناول الكاتب في الباب الثالث الدستور والنظام السياسي في العراق بعد 9/4/2003 وكذلك قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية، وقد درس أيضا الدستور العراقي لعام 2005 بنظرة نقدية دقيقة، وفاحصة تثير الكثير من الإعجاب كما أشار إلى هذا د.

رياض عزيز هادي في تقديمه للكتاب. ان كتاب ‘القانون الدستوري والنظم السياسية’ للدكتور جواد الهنداوي يعد أحد أهم المراجع القانونية التي كتبت في مجال الحكم والسلطة والسياسة في الوطن العربي والحكم بالقانون والدستور، وقد يسر الكاتب للقراء فهم وظائف كل جهة من جهات اتخاذ القرار في السلطة السياسية المعاصرة، وكذلك فالكتاب يعد مرشدا ضروريا للعاملين في القانون الدولي، أو في صياغة الدساتير، أو للعاملين في مجالاتهما، وكذلك فهو حجة قانونية في فض النزاعات في هذه الموضوعات التي تعتبر من لبنات البناء الفوقي لأي مجتمع، كما أنه مرجع مهم لرجال الفكر والثقافة والصحافة وأهل الرأي الصحيح المعتمدين لدى أهل الحكم في وطننا العربي كمستشارين أو مساعدين. الناشر: دار العارف للمطبوعات / شركة العارف للإعمال ش م م / بيروت ـ لبنان ـ الطبعة الأولى كانون الثاني ( يناير) 2010 عدد صفحاته 502 من القطع الكبير.

كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية