حليب العصافير (لإسرائيل) والقرار الحر المستقل للبنان

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيل على النقيض تماما مما يقوله الأمريكيون والأوروبيون الغربيون و(الإسرائيليون) بإيعاز من الإيباك، لاشك ان لبنان لم يُثبت قط (على الأقل منذ اغتيال الزعيم الكبير الشهيد رفيق الحريري العام 2005) أنه بلد مستقل وذو سيادة وحر في اتخاذ قراراته، وفي من يستضيف على أرضه، كما فعل عندما استقبل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الأسبوع الماضي. كون لبنان بقيادته الصلدة التي يمثلها العربي اللبناني القومي الشهم ميشيل سليمان ضرب بعُرض الحائط الدعوات التهديدية الأمريكية والأوروبية الغربية و(الإسرائيلية) والتي أدارتها وأملتها الإيباك بأن لا يوجه لبنان الدعوة للرئيس نجاد لزيارته، فإن في ذلك موقفا رمزيا برفض التبعية وإعلان التحرر من الخوف. يا حبذا لو أن دولا كبيرة في المنطقة تقتدي بلبنان وتقول للإيباك التي ترسم السياسات الغربية في الشرق الأوسط ومن خلالها للغرب و(إسرائيل) لا (لخفض الإنتاج وزيادة الأسعار في الأوبك مثلا) ولو لمرة واحدة. لقد تجاوز لبنان الاختبار ليس بالكلام الأجوف، بل بالفعل قام بالرد على الأمريكيين الذين زعموا أن زيارة نجاد للبنان استفزازية وكأن لبنان ولاية أمريكية تنفق عليها الخزينة الفيدرالية في واشنطن. ورد على الصهاينة الذين ادعوا محرضين ومتوعدين في آن معا بأن لبنان يتراجع في استقلاله باستقبال الرئيس الإيراني. فاللبنانيون سواء الذين استقبلوا الرئيس نجاد أو اللبنانيون الذين أبدوا تحفظاتهم على زيارته (بعضهم كان ينفذ أجندة خارجية) يدركون جيدا أن لا صدقية للولايات المتحدة الأمريكية يُعتد بها، وكذلك دول الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وما يسمى (الرباعية) ووممثلها توني بلير (وهم جميعا وكلاء للإيباك). لأنها تكيل بمكيالين ومكيافيلية الإتااه وتضع قانونا للعرب والمسلمين وآخر (لإسرائيل) يُنَصِّبُها فوق القانون الدولي. وإنها تعاقب إيران ـ نجاد فقط لأنها لا تتساوق مع مصالحها أو لأن إيران تلعب معها سياسة حسب مصالحها هي كما فعلت في العراق وليس لخدمة مصالح الغرب، وهذا من حق إيران ولأن إيران تسعى لامتلاك السلاح النووي ولامتلاك قرارها الحر وهذا هو الأهم. في حين أن إسرائيل بحكم أنها القاعدة المتقدمة للغرب (وبمساعدات الغرب اللامحدودة) في الشرق الأوسط وفي العالم العربي والإسلامي تحديدا فمن حقها إذن أن تمتلك السلاح النووي وكل أنواع اسلحة الدمار الشامل وتستعمله وتجربه في لحم الفلسطيني واللبناني والعربي والمسلم (من خلال دول الناتو الأمريكية والإيساف ووجود الموساد في العراق وأفغانستان وباكستان وإن كان غير معلن) ومن حقها أن تفرض شروط التفاوض وتعربد كيفما تشاء وتتمرد على رعاتِها الأمريكيين والأوروبيين وتحرجهم وتبين للعالم (وهو واقع) أنها هي التي تحكم وتوجه سياسات الغرب بفضل تَشَريُنِ الإيباك في الغرب أمريكيا وأوروبيا، كما أثبت الكثيرون أمثال جون ميرشيمار وستيفن وُلت في كتابهما المشترك ‘اللوبي الإسرائيلي في توجيه السياسة الخارجية ‘ (2006). ولقد وصل انقياد الولايات المتحدة الأمريكية للإيباك و(لإسرائيل) حد أنَّ الرئيس الأمريكي المغلوب على أمره كسابقيه عرض على (إسرائيل) عروضا غير مسبوقة عسكرية ومالية واقتصادية وكل ما تشاء (على غرار لبيك سعديك عبدك بين إيديك) فقط لتوافق على تمديد فترة تجميد الاستيطان شهرا. وتقريبا كاد أوباما أن يعِدها أو يجلب لها حليب العصافير إن هي تكرمت وفعلت ذلك. لعل الكثيرين واهمون بالديمقراطية وصناديق الاقتراع في الولايات المتحدة الأمريكية. إن كل رئيس أمريكي، منذ فرانكلين روزفلت أربع فترات رئاسية متتالية، وحتى باراك أوباما، مدينٌ للإيباك واللوبيات الصهيونية. يقول Lenni Bernner :’ما من رئيس أمريكي أو عمدة مدينة أو مسؤول مجلس بلدي أو قاضٍ يمكن أن يُعين الا بعد أن يحصل على موافقة الإيباك Jews In meric Tody, p. 9. إذن في ضوء ما تقدم وعى اللبنانيون أو ربما أنهم واعون منذ زمن بعيد (ولا أحد يشك في ذلك نظرا للمستوى العلمي العالي للشعب اللبناني) غير أنهم الآن جاهروا بوعيهم بهذه المسلَّمات عن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بنسب متفاوتة والمؤسسات الدولية المرتهنة جميعا بالإيباك. ولعلها الظروف الدولية الحالية المتغيرة لصالح العرب والمسلمين وإن بدا للمتشائمين غير ذلك أحيانا، (فإسرائيل) خسرت الحرب في لبنان العام 2006 وفي غزة 2009. بصرف النظر عن مخرجات الحربين فإن فشل (إسرائيل) في تحقيق هدفي الحرب في كلتا الحربين، وهما وقف الصواريخ وفك أسر جنودها يعنيان أنها هُزمت باعتراف قادتها وقضاتها ومحلليها العسكريين. وهذا هو معيار النصر في الحروب الحديثة.

أضف إلى ذلك السمعة العالمية السيئة التي تلاحق (إسرائيل) نتيجة اغتيال المبحوح والجوازات الأوروبية المزورة المستعملة في ذلك، وما أدت إليه أحداث الحادي والثلاثين من أيار (مايو) وقافلة الحرية وموقعة (مرمرة) وما ترتب عليها من نأي تركي عن (إسرائيل)، وهو خسارة لها أكبر في الميزان الإستراتيجي من خسارتها في حربي تموز (يوليو) 2006 في لبنان وكانون الثاني (يناير) 2009 في غزة، والتقارب السعودي السوري (س- س) ثم التقارب الإيراني التركي السوري وأخيرا ونرجو أن يتطور ويستمر التقارب السعودي الإيراني السوري التركي (ساسَتْ) ليتحول إلى (ساسة) لحماية المنطقة وعزلها عن السرطان (الإسرائيلي) وصون وحدة واستقرار لبنان. فهذه الدول وغيرها هي الدول الأصيلة في الشرق الأوسط العربي الإسلامي وأمَّا (إسرائيل) فهي دخيلة ومتطفلة على جغرافية وديمغرافية المنطقة ومتمددة بشكل غير قانوني جيو سياسيا وعسكريا واقتصاديا (من خلال اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة). وطبعا لا يغيب عن البال ونحن نتحدث عن الاستثمار اللبناني للأجواء والحسابات الدولية وتجييرها لصالح قرارها الحر المستقل، وعي اللبنانيين بضعف الولايات المتحدة الامريكية ودول الناتو والاتحاد الأوروبي المتزايد بشكل ملحوظ في المنطقة، والمتمثل في النزيف المتواصل للقوة الأمريكية والناتو في العراق وتعاظم المقاومة، وكذلك في أفغانستان ومعوقات الإمداد اللوجستي لهم من باكستان، نتيجة تربص طالبان باكستان لصهاريجهم وشاحناتهم نصرة لإخوانهم طالبان أفغانستان، وتورط فرنسا العضو الأهم في الاتحاد الأوروبي مع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والقرن الافريقي وفي اليمن، وفشلها الذريع في الإفراج عن مواطنيها المختطفين، وانشغال بريطانيا بخفض النفقات العسكرية وتوفيرها للبحث العلمي والأزمات الإقتصادية والمالية المتوالية لهذه الدول، وإحساس الرأي العام فيها بأن (إسرائيل) باتت عبئا ثقيلا عليها وتأثير كل ذلك سلباً على دور هذه الدول الكبرى في الشرق الأوسط. نخلص للقول إن لبنان قارئ بارع في خريطة التغيرات الدولية والإقليمية وعليه اتخذوا القرار باستقبال نجاد رغم الضغوط الأمريكية الغربية الصهيونية الموجهة من الإيباك ومن بعض دول المنطقة، وثمة تسريبات أن مصر قادت تلك الضغوط (العربية) نزولا عند رغبة (إسرائيل) كما أغلقت استجابة لإسرائيل أيضاً (معبر رفح) الحدودي أثناء حرب غزة، وأغلقت الأنفاق وتلكأت وتتلكأ في السماح للمساعدات الدولية والعربية والإسلامية بدخول غزة، كما شيدت السياج الحديدي حول غزة لإحكام الخناق على أهل غزة من أجل (إسرائيل) ومن أجل ترضية الإيباك والغرب كله من خلالها فقط لأن غزة مصممة على المقاومة. ‘ كاتب قطري [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية