لم يحصل في تاريخ البشرية أن حاكمت محكمة وطنية لشعب تحت الاحتلال أفراد مقاومة هذا الشعب للاحتلال. لم يحصل ذلك إلا في إطار حكومات معينة من قبل الاحتلال نفسه، مثل الحكومة الفرنسية إبان الاحتلال النازي. لذا فليس من المستغرب أن تقوم حكومة التبعية الصهيونية في الضفة بملاحقة وتعذيب ومحاكمة المجاهدين، ونسائهم أيضا، لكن المستغرب أن يتم ذلك أثناء حراك المصالحة التي يأمل الشعب الفلسطيني أن تتم، وأثناء ما يوصف بالأجواء الايجابية لمباحثات تلك المصالحة.
بكل أسف ومرارة، لقد أصبحت المصالحة غير قابلة للتحقيق في ظل الظروف والمعطيات الموجودة على أرض الواقع، وهذا الوصف لن يتغير إلا بتغير مواصفات أحد طرفيها، فإما أن يتخلى الطرف المقاوم عن جديته ومبادئه، وإما أن يتخلى الطرف المساوم والمتمثل بالسلطة عن عبثيته وتفريطه، وملاحقته للمقاومين، ويبتعد عن الهزلية والاستجداء في ما يخص مصير شعب بأكمله. ومن الواضح أن احتمال حدوث هذا التغيير في المواقف غير ظاهر في الآفاق، وذلك لأسباب يمكن تبيانها كالتالي: أولاً: أسباب ذاتية: 1- الالتزام العقائدي والمبدئي، والمنهاج الشرعي الذي يحكم تصرفات المقاومة ومعظم فصائلها رأسها، والذي لا يجيز التنازل عن مقدرات المسلمين والعبث بها، أو الاعتراف بالمحتل. 2- صمود المقاومة وتثبيت أركانها ودعائمها على أرض الواقع، ونمو قدراتها في التصدي ودحر العدوان وتنمية وتطوير العمل المقاوم لضمان استمراره في كل الظروف.3- التجربة الرائدة للمقاومة وقدرتها على تحرير الأرض بالقوة وإجبار العدو على الانهزام بدون أي مساومة أو تقديم أي تنازل، رغم التضحيات الجمة التي قدمتها. 4- إثبات المقاومة لجديتها في إدارة الصراع بدون تعريض الوطن للمخاطر الكبرى، أو الشلل التام الذي كان البعض يتوقعه أو يتمناه ليقف ويقول ها قد رأيتم ما فعلت المقاومة من خراب للوطن. 5- عدم قدرة السلطة على انتهاج طريق المقاومة من جديد بسبب التخلي الكامل عن أي إستراتيجية تعتمد غير نهج المساومة، وبالتالي إلغاء كل القدرات الخاصة بالمقاومة من بنيته.6- عدم اعتراف السلطة بجدوى المقاومة أو انجازاتها، واعتبار تلك الانجازات كرما صهيونيا خالصا.7- هيمنة الأشخاص ذوي النزعة الاستسلامية والمصالح الشخصية على قرار السلطة، وقدرته على شراء الذمم والأقلام الرخيصة المستعدة للدفاع عن أي شيء في مقابل انتفاخ جيوبها.
ثانياً: أسباب خارجية: 1- قوة المحور المقاوم في المنطقة وانتقاله من حالة الدفاع إلى حالة قوية من الردع الذي يستطيع أن يمنع العدو من التغول في أي من جبهات المنطقة.2- الهيمنة الصهيوأمريكية على قرار السلطة سواء عن طريق نفوذ الرجالات المفروضين من الإدارة الأمريكية والإسرائيلية، أو عن طريق سطوة المال القادم من ذلك الاتجاه. تلك الهيمنة التي تضع فيتو على أي نوع من المصالحة مع قوى المقاومة على أساس وطني شريف.3- تبعية القرار العربي في أغلبه للهيمنة الأمريكية، مما يشكل داعما للسلطة، وغطاء للتنازلات المتواصلة التي أدت إلى وضعٍ أصبحت معه السلطة غائصة في مستنقع عميق يصعب عليها التحرر منه حتى لو أرادت العودة إلى حضن الوطنية والوحدة، وان هذه الوحدة لن تكون إلا بتغيير جذري في قيادة السلطة.
بناء على ما سبق من أسباب يبدو جليا أن إنهاء الانقسام بين نهج المقاومة وطريق المساومة لا يمكن أن يتم في ظل الوضع والمؤشرات الحالية، لكن ما يقلق البال ويدعو للغضب أن يخرج البعض في كتاباته أو على وسائل الإعلام ليحمل جميع الأطراف، وعلى حد سواء مسؤولية الانقسام الحاصل، وليتهم كل القيادات ببيع مصالح الشعب في سبيل مصالح فئوية وحزبية ضيقة. إن تلك الآراء والمواقف لا تشكل سوى نوع من الهروب السهل من المسؤولية الواجبة في قول كلمة الحق، وتعتبر تشجيعا للسلطة على التمادي في نهجها. وكل ذلك يدخل في إطار عدم الأمانة على تسجيل الحقيقة المطلوبة من اجل الوطن والتاريخ والأجيال القادمة. إنه لظلم كبير أن نساوي من يبذل الدم رخيصا على درب العقيدة والتحرير، ويسهر الليالي مرابطا على حدود وبوابات الوطن، ويعد العدة ويدرب الرجال لساحات الوغى القادمة، وبين من يسلب الأموال ويعيش حياة الترف في فنادق تل الربيع، ويرقص طربا على آهات عذابات الأطفال تحت وطأة الحصار. لهذا لا يمكن تحميل المقاومة وزر المنفذين لرغبات العدو بدوام الانقسام والتفريط وملاحقة المجاهدين. ولا يمكن لومها لأنها لم ترهن قرارها مقابل المال والمنافع الشخصية، أو لأنها حافظت على الثوابت، وبذلت في سبيلها دماء القادة والكوادر. إن التزاوج المطلوب بين محور المقاومة ومحور المساومة في طل المواقف الحالية لا يلبي شروط القبول، وسيكون منافيا للمنطق والفطرة، ولن يكتسب الشرعية، إلا إذا تاب العابثون بمصير الشعب، وعادوا إلى حضن الوطنية فالشمل لا يلتم على عبـث، والجرح لا يلتئم على خبـث.
د. حسن محمد موسى