صحافيو الدستور… يؤسسون لجيل جديد يعيد مجد الصحافة المصرية

حجم الخط
0

أحمد القاعود ما يمكن أن نتوقف عنده في الأزمة المشتعلة بين صحافيي جريدة ‘الدستور’ المصرية الخاصة وملاكها الجدد لا يمكن حصره في مطالب مادية، أو ايجاد لوائح مؤسسية لواحدة من ابرز الصحف المعارضة في مصر، أو حتى الحفاظ على السياسة التحريرية للجريدة، بعد اقالة رئيس تحريرها ومؤسسها ابراهيم عيسى، وانما ما يستحق الالتفات اليه هو ذلك الجيل الشاب الصاعد بقوة، والذي ربما لم يضعه الملاك الجدد في الحسبان، واعتقادهم أن الجريدة بمجرد الاستحواذ عليها ستعتبر كغيرها من الأعمال التي تضمها مؤسساتهم وشركاتهم التجارية، لكن الوضع لم يكن كذلك على المطلق، فالوسط الصحافي المصري حاليا يتصدره مدعون للشرف والأخلاق والمبادئ ويعمل غالبيتهم أولا وأخيرا لحساب السلطة الفاسدة، وحسابهم الشخصي لتحقيق أكبر قدر ممكن من الربح المادي على حساب الشرف والأخلاق، وأمانة الكلمة التي ارتضوا أن يحملوها. ورغم أن مثل هذا الاحتجاج حدث منذ سنوات في احدى الصحف الحزبية، الا أن الوضع في ‘الدستور’، كان مختلفا برمته، فالصحافيون الشباب الذين أسهموا في ثاني أوسع الصحف الخاصة انتشارا ـ رغم الضعف الشديد في امكاناتها المادية ورواتبهم القليلة ـ لم يرضوا بما جاء به الملاك الجدد من مضاعفة الرواتب، وزيادة بعض الامكانات للقيام بواجباتهم اليومية، وهو ما غاب عن هؤلاء الملاك، وفي مقدمتهم السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد، الذي لوث سمعته السياسية بذبح جريدة معارضة وهروبه بجريمته ببيع اسهمه بعد حدوث الازمة. فالصحافيون لم يكونوا كغيرهم من الصحافيين المنتشرين حاليا في عدة مؤسسات ويسعون للوصول الى أماكن النفوذ والسلطة بأي طريقة وبأي ثمن حتى لو على حساب الضمير والقيم، وانما صحافيو ‘الدستور’ تحركهم المبادئ وتنتشر بينهم القيم. وكمشارك في الأزمة الأخيرة، يمكن رواية ما حدث بصورة ربما تساعد في خلق جيل جديد من الصحافيين الذين قد ينهضون بالوطن الضائع بسبب فساد نخبته المثقفة، والمثير أن من قاموا بالاعتراض والاعتصام ضد الملاك الجدد، بسبب اقالة رئيس التحرير هم أنفسهم من كانوا يعترضون على رئيس التحرير قبل أيام وشهور، بسبب خلل ما في الرواتب أو سلوك من الادارة الحالية او السابقة في شأن اداري، واللافت أن ‘الدستور’ ليست كغيرها من المؤسسات الصحافية، التي يسودها الرعب من رئيس التحرير أو رئيس القسم، ويخشى فيها المحررون التحدث بين بعضهم البعض في ما يخص رئيسهم أو انتقاد تصرف له، وانما كانت الدعوة لطرح القضايا تتم علانية، وتحت مرأى ومسمع من الجميع، ويشارك فيها الجميع معين وغير معين، نقابي وغير نقابي، وكثيرا ما ناقش الصحافيون أمورا لرئيس التحرير ووجهوا له انتقادات بين بعضهم البعض، سواء في سياسة التحرير أو علاقات العمل.

كانت العلاقة بين الزملاء مذهلة، أساسها الحفاظ على حقوق الجميع، والدفاع عن القيم المشتركة، والاعتراض على ما يمس المجموع، كان الجميع يلتزم بقرارات الزملاء التي كانت تتخذ بالاغلبية. وبذلك فاننا أمام نموذج نادر لعلاقات العمل في أي مؤسسة عربية سواء أكانت مؤسسة فكر أو تجارة.

وفي الأزمة الأخيرة، تخوف الصحافيون من عملية البيع، رغم انها كانت ستجلب لهم زيادة في الرواتب، وتخرج بالجريدة من نطاق ‘الورشة’ الى نطاق المؤسسة، فرجل الأعمال الذي عرض الشراء هو رئيس حزب معارض، قرر المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، رغم أن الجريدة كانت تؤيد الدعوة لمقاطعتها، وبالاضافة الى مصالحه التجارية والاقتصادية، فان هناك اشكالية كانت لا بد أن تحدث، وهي كيفية استمرار الجريدة بسياستها التحريرية في ظل التشابك والتعارض مع مصالح مالكها الجديد. بعد عملية الشراء بايام ليست بالطويلة، اعترض الصحافيون على تقدير خاطئ من قبل الادارة الجديدة على تحديد قيمة الضرائب على الرواتب، وقرروا الاعتصام، وبكل غباء سياسي استغل السيد البدوي التحرك، الذي كان معتادا مع الادارة القديمة، للاطاحة برئيس التحرير والتعجيل بتنفيذ الأوامر التي جاءت له من السلطة لتدمير الجريدة قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية، واتمام الصفقة التي اتفق مع النظام عليها، لكن حساباته كانت خاطئة. انتشر خبر الاقالة التعسفي ليل الاثنين بين الصحافيين بعضهم توجه الى المقر فجرا، للوقوف على الوضع وحماية مقر الجريدة، وفي الصباح كان المشهد غير متوقع اجتماعا طارئا لجميع العاملين بالجريدة، وسائل اعلام جاءت للتغطية، لا عمل بالجريدة، لا رئيس تحرير ولا رئيس تحرير تنفيذي، كيف ستخرج الجريدة اذن، كان الوضع اشبه بانهيار العراق أمام قوات التحالف الاجرامي، وغياب مؤسسات الدولة بين عشية وضحاها، لم يتوقع البدوي ما حدث، فاضطر الى استقطاب صحافيين بالاجر حتى يتمكن من الاستمرار في اصدار الجريدة، وكان له ما اراد فخرجت صحيفة صفراء ليست ‘الدستور’ الحقيقية، بل ‘الدستور’ المزيفة، توالت الايام في الجريدة المختطفة، كان تطور الاحتجاج فيها يستحق التأمل وجدير بالاحترام، الاستمرار في مقر العمل بدون عمل، تفاوض مع البدوي، نقل التفاوض الى نقابة الصحافيين واعتبارها طرفا اصيلا في عملية اعادة اعمار الجريدة، ثم البقاء في مقر العمل، وتحديد جلسة اخرى للتفاوض مع المالك في النقابة، لكنه لم يحضر فتم اعلان الاعتصام.

كانت الصورة غريبة نوعا ما في الوسط الصحافي المصري، لم يسبق لها مثيل، شغلت حيزا كبيرا من اهتمام وسائل الاعلام، لدرجة استغرب فيها البعض أن يحدث كل ذلك بسبب اقالة رئيس تحرير، كان احتجاج الصحافيين مبهرا، وتماسكهم رائعا، وتفاوضهم يستحق التقدير. فالقضية ستذكر دوما في تاريخ الصحافة المصرية، وستؤسس لعلاقة جديدة بين ملاك الصحف الخاصة والصحافيين، تمنع التدخل السافر لرأس المال في الصحافة بصورة فجة، وتعطي درسا لجيل جديد من الصحافيين، في الدفاع عن حقوقهم والالتزام بواجباتهم تجاه المجتمع، لا تجاه المالك، واذا كنا نريد أن نردد شعار ‘عاش كفاح الصحافيين’ فاننا أيضا يمكن أن نقول ‘المجد لصحافيي الدستور’. ‘ صحافي مصري [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية