في ‘بالصدفة، نثر الفصول’ لاحساين بنزبير: عبداللّطيف الورارينُصغي، هنا، إلى تجربة شعريّة من تجارب الشعر المغربي، كانت فتحت شُرْفتها على هواء البلد في بداية التسعينيّات، قبل أن تعصف بها رياح الهجرة إلى جنوب فرنسا في أواخرها، حيث يُقيم ويرى ويكتب، يمكن لنا أن نكتشف نصوص هذه التجربة، ورؤاها، وأعمالها اليدوية وأساليب صوغها للعالم الشعري في مجموعة ‘بالصدفة، نثر الفصول’1. يتعلّق الأمر بتجربة احساين بنزبير ( 1968م ـ الدارالبيضاء). الكتابة بالسّلْب: في مجموعة ‘بالصدفة، نثر الفصول’، نجد لدى الشاعر المغربي احساين بنزبير كتابةً تعمل على السلب، على نقض العقل الدلالي للصورة، وإحلال اللّعب الصدفوي محلّه. ويتأتّى ذلك من الأولويّة التي تُعطى للدالّ الشعري الذي يصير شرْطاً أساسيّاً لا تُحقّق الكتابة به تصوُّرها للذّات والعالم فحسب، بل كذلك تُعيد هي نفسها التصوُّر الخاص بها، وبالنتيجة تتأثّر محمولاتها وقيم المعاني التي تفترضها. كتابة تحت كتابة، في مسارٍ مفتوح وبلّوري به يتغيّا الشاعر ـ عن غفلةٍ منه ـ تشكيل محتوى الصورة بعد إنهاك محتوى دلالتها الأصلي، ومن ثمّة يكون مسعى مغامرته، من ملفوظٍ إلى آخر، هو تحريك الأثر الذي تخلقه الكلمات فيما بينها من علاقات وتداعيات، ولذلك من غير المُجْدي أن نبقى خارج الكلمات، ننتظر ما تُحيل عليه، وتُمليه علينا، بل علينا أن ندخل عليها ونفكّر في داخلها أوّلاً، ثُمّ في العلاقات التي تستدعيها وتترتّب عنها.
يُتيح لنا احساين بنزبير إمكاناً كهذا في التفكير. يقول:’حين تَصيرُ الكتابة مرجعاً، أرمي كلّ الكتب وأحرق حوار العارفين تحت إمرة قطّتي الجميلة. بعد ذلك، آخذ رماد الصّمْت وأسوّيه مَلِكاً على الجمل والفواصل والنقط والرجوع إلى السطر. آه يُضحكني وهو يتكلّم عن صوفية اللحظات، وصعوبة البياض… إلخ’ ( ص 14- 15). لا مرجع للكتابة، مرجعها هو نفسها مُقيمةً في الصّمت، تتسلّى مع رماد الذاكرة، وتعبث به. ولنقل هي لعبة الدالّ الذي يفتتن بين أيقونات الشكل وعلاماته. عدا هذا لا يجلب إلا السخرية. وهكذا، يترسّخ لدينا، مع الوقت، الاعتقاد بأنّ للصورة وظيفة سلبية ـ غير إحاليّة. من مجموع ما تتشكّل به، وهو غريب بالتأكيد، يتناتج وينتسج طيَّ متواليات الكتابة فضاءٌ ثانٍ يقذف بنا في معانٍ وتخييلات غير تلك التي ألفناها داخل منطق العلاقة بين الدالّ والمدلول، فالعلاقة بين دَلَّ وفَهِمَ لا تُرْجع الأدلّة إلى مرجع، بل دائماً إلى أدلّة فحسب. عبر الكلمات لا نعثر على شيْءٍ ما كدلالة. فقط ننتقل في سلسلة من الدوال لا تنتهي. يقول:’ألمي. ذكراها، يوم استتر الخريف وراء الباب. كلامه الماكر. سدَّة النشيد الذي حرقتُ يوما. توأمة التبشير والخط. لألأة الفهود. رقة الجوارب لما تكون لينة. هدأة العزلة وعقوبة الصباح بعد ليل مخمور. حكاية شيخ بين أزقة بلدٍ رفيعٍ. وألمي’ ( ص32). لا تُقيم الكتابة في صوت الذّات، بل في صوت الأثر الذي يترتّب عنه دالّ أجوف، فضفاض ومِرْنان من ملفوظ إلى ملفوظ رَخْو وكسير الإيقاع. صوت المعنى الغائب ( ذكراها) ـ الحاضر ( ألمي)، الذي يستدعي متنافرات الصورة من مصادر مختلفة، ولكن الاستعارات التي تُقيمها تبدو شيئاً ميئوساً منه. ثرثرة الصورة. كأنّه ذلك الدالّ ـ دالّ الدايزن الهايدغري.
وبسببٍ من ذلك، تقلّ السنتمنتالية في محتوى العمل، فلا حزن أو عاطفة أو نوستالجيا من الحالات الشعورية التي تفترضها ذاتٌ لا صوت لها أصلاً، إلا ما كان تجديفاً بالماضي وسخريّةً من اللسان: ‘صفقات الشاعر تتجسّد في تهريب ( الأنا) من صدى قصيدة. وغالباً ما تكون ـ الأنا ـ مريضة، سلبيّاً’ ( ص28). وبالنتيجة، نحن أمام كتابة بالسّلب، في الداخل والخارج. وإذا كنّا نجد متواليات العمل تحتشد بكثيرٍ من حالات الذّات، فليس لأجل الدلالة على ما تُلقيه في مساحة النصّ من شعورٍ تأثُّري ونقيضه، بل بالأحرى أن تستحيل تلك الحالات، المتناقضة طبعاً. إلى أن تكون شكلاً في الحيّز يسلب اللغة قيم محتواها، ويتسلّى باللّعب معها. حشد فحسب، ثرثرة مرّة أخرى. فلا شيء أكثر أو أقلّ تأثيراً من شيء آخر. يقول الشاعر في ملفوظ ‘قصيدة غنائية’: ‘كم أحلم بواقعية الصوت واللغة / وأتخيّل الغناء يموت منتحرا / ثم على سبورة قديمة أكتب:/ ‘دع الغناء بعيداً عن أنفي/ كلما جاءني/ رميته بعصا الفتور وحزن الدانوب / خريفا’ ( ص34). نحو إنهاك محتوى الصُّورة:
لا يتسلّى الدالُّ باللعب مع الأثر، بل يسخر منه، وممّا يُحيل عليه أيضاً. كل المعاني التي يُحيل عليها الملفوظ لا علاقة لها بـ ‘الغنائي’ أو’ الغنائية’ التي تفترض زخماً عاطفيّاً، إنّها تصبح علَفاً للدالّ، يلوكها ويجترّها ثم يبصقها من ثقب الكتابة كصَوْت. الكتابة تمتمة، تقول ما لا يتوقّعه أحد ينتظره. وهناك، دائماً نداء للذّكريات والأحلام، له طعم الصّعْق، بما يرسّخ الكتابة كفعل مُقـاومة: ‘تتلعثم الذّكريات في رأسه، وهشيم الأحلام يتعارك ضد صوفية الوعي. آه، أيّتها الأشياء والطرق الخفيضة، كم يثيرني رقصك وهندسة شيخوختنا’ ( ص15). خليط أفكار، ذكريات وأحلام. وهي تتضامّ فيما بينها وتتلاسن، لا تُبرِّر وعياً، بقدرما توحي بفجوة سحيقة وفادحة في لاوعي المتواليات الشعرية: صوفيّة الوعي، صمت، هذيان، سهو وغيبوبة مُدمِّرة. في مسارٍ من جُمّاع هذا كلّه، يكتب الشاعر قصائد الفصول بالترتيب: الربيع، الصيف، الخريف، والشتاء. لكن، لماذا الربيع أوّلاً، والشتاء انتهاءً؟ هل لهذا الترتيب علاقة بمنطق الكتابة؟. إذا تأمّلْنا العنوان، والمناصّات التي يُتيحها لنا الشاعر من حينٍ لآخر، أدركنا أن الفصول مقذوفٌ في سيرورة تأويل جديدة لها تحرّكها قشرات الوعي الحادّة والغامضة، من قرية ‘أوريل'( ص18) إلى ‘مدينة فرسان عاطلين’ ( ص38)، وأن لا ترتيب أكثر مناسبةً من هذا، يستطيع أن يعزّز اعتقاداً بأنّ كلَّ شيء صائرٌ إلى بيات، ورهن الصّدْفة، وأنّ أنا الشاعر تقيم في كتابته إقامة مجروحة، بلا هويّة. تشفُّ عن تصدُّع الذات بقدر ما عن بؤس العالم وعمائه: ‘وأنا أحمل الكتاب الأحمق في جيب الأوقات… لأفهم سرَّ الفصول وغموض بِشْرة غائبة’ ( ص16) أمام تشذيرات المعنى وأشكاله التي تجترحها الذّات الشاعرة، يلتقي كمصدرين أساسيّيْن للكتابة في العمل الشعري، شكل الهايكو مع السوريالية. وإذا كان الأوّل يلقي على مساحة النصّ مَسْحةً من هدوء اللّحظة وإشراقيّتها، فإنّ المصدر الثاني سرعان ما يُرْبك أثر المساحة ويُطوّح به في إقامة الاختلاف المجروحة، بلا مرجع: ‘ببطء / يتسلّل الضوء بين شعيرات العشب / والغيم الحالم ينحني لأنخاب الشتاء’ ( ص10). وفي موضع ثانٍ: ‘شيلم الحقول / عتبة ظلال خفيفة / وفي اللغة / صبيحة ثلْجٍ نيّر..’ ( ص25). إنّ الشعر، كما يفهمه احساين بنزبير، ليس تعبيراً عن إحساس أو ترجمة للواقع، بل الشعر لديه يبحث، من درجة في الوعي متوتّرة، عن الشعر الذي يحرث اللغة ليعيد تكوينها، ويُحدث في جدار الكتابة، أكثر من لغتها، ثُقْباً ـ شرْخاً يضع كلَّ تَصوُّرٍ مسبق لفعل الكتابة مدعاة للضحك. الشعر هو ما لا يقاس، وهو دوْماً في حالة طوارئ. إنّه منجم اللّسان، والهجرة في الأمكنة ببلاغة يتيمة. يقول: ‘اليوم / سألتزم بنفسي/ بواقع الجَمَل والذُّبابة / سأكتب / ما لا نعتبره شعراً/ وأشتقّ النُّحاس من فضّةٍ مغلوطة’ ( ص44). يعتقد احساين بنزبير أنّ الكتابة، في نهاية المطاف، صندوق أدوات يدوية، وأنَّه من الممكن أن يكتب الشعر بالعربية دون الصورة التي تخنق أيضاً إيقاع الكتابة. يقول: ‘أحتاط كثيراً من الصورة. لذلك ألجأ إلى الفن التشكيلي لأكتب الصورة بالممحاة كما الفنان ماتيس رسم بها. شخصيّاً أجد أن الشعر مكتظٌّ ببلاغة ما زلنا نعتبرها تنميقاً. الفن المعاصر يمنحني حريّةً لا أجدها في بعض الكتابات’2. في كلّ مرَّة، أو ضربة نرد كيفما اتّفق، يتجدّد إحساس الشاعر بحرمان اللسان، لسانه هو، من جنسيته الأصلية. لا مرجع، لا إرث. لا يعنيه أحمد شوقي ومن تلاه، ويستحضر شعراء فرنسيين ( فيليب جاكوتيه، ميشيل دوغي، إيف كولويير)، سرعان ما ينساهم، في عبور الهجرة التي ليست، في نظره، أدباً بل تشكّل حائطاً للخروج من قدسية الهجرة نفسها. في كتابه ‘أسمدة تليها حالات’، الذي تلا بكورته الشعرية، سوف ينتقل بنزبير من أسمدة لسانية تكتب ضدّ شيء ما إلى كتابة الجملة في حالات وفقرات أيضاً. اللسان هنا يصير مُسطّحاً، ويُسائل ما يراه فقط، غير مهتمِّ لا بالشعر ولا بقصيدة النثر. أضحت الكتابة، بالنسبة إليه، تأخذ أشكالاً ضدّ ما يسود حولنا من شعر. لن يجيء حسب توقيت غرينتش. شاعر وناقد مغربيهامش: 1 ـ احساين بنزبير،’ بالصدفة، نثر الفصول’، منشورات وزارة الثقافة ـ 2009 م.2 ـ استفدنا هنا من تأمّلات الشاعر التي ينشرها من حين لآخر. ومن حوارنا معه، المنشور في جريدة ‘القدس العربي’، العدد 6571، 24/25 تموز ( يوليو) 2010 م.