لم يخطر ببال من ألّف أغنية البندورة الحمراء لقناة طيور الجنة لتشجيع الأطفال على تناول الخضراوات حتى الشبع لما فيها من فائدة لخصتها الطقطوقة حسب أفهامهم باحمرار الخدود دلالة على الصحة والعافية. ان شراء البندورة سيصبح ذات يوم متعذرا بسبب ارتفاع أسعارها، وأن الأطفال لن يستطيعوا فتح درج الثلاجة لتناول الطماطم كوجبة سريعة مفيدة تطمئن الأم أن الطفل قد حصل على حصة غذائية مليئة بالأملاح والمعادن والفيتامينات الطبيعية في حال تأخرت الوجبات أو بينها. لم يخطر ببال من يعدون وينشرون الايميلات الصحية والتي تروج أن البندورة مفيدة لصحة القلب بالذات لأن شكلها الداخلي يشبه تجاويف وغرف القلب أن انتاج البندورة سيصبح من الرداءة بمكان بحيث لا يشبه المنتج لون البندورة ولا شكلها ولا طعمها وقد غيرته الحشرات حتى أصبح بلا معالم! لم يخطر ببالنا يوما أن تصنيف كولومبوس للبندورة عندما نزل بسواحل أمريكا لأول مرة فوضعها ضمن قائمة الفواكه سيصدق وتصبح البندورة عنصرا برجوازيا كالتفاح والموز والمانجا، ويتحول صحن السلطة الى طبق أساسي يكلف إعداده ثمن طبق رئيسي ويصبح من علامات الكرم والضيافة أن يعزمك الصديق على صحن سلطة بدل سدر منسف مثلا! لم نتوقع من بني جلدتنا من التجار والمزارعين وهم يرون الشعب يسف روح الخل من الفقر أن يصدروا معظم إنتاج الأردن من النخب الأول من البندورة للدول المجاورة ليعود آخرون لاستيراد كميات أخرى بارتفاع في سعرها بنسبة ثلاثمائة في المائة سعيا وراء المصلحة الشخصية والربح المادي بالرغم من أن ‘ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع’ كما يقول المثل فكيف به وهو يخرج خارج البلد كله؟! لم نتوقع أن تنتكس فطرتنا البشرية ونحن ورثة حضارة اخترعت فكرة قوائم الطعام وتقسيم الوجبة الى مقبلات وطبق رئيسي وحلوى، واخترعت ثمانية أنواع من المهلبية الى الحد الذي أصبحنا نقبل بل ونتقاتل على شراء بندورة مريضة تنخرها الآفات على أمل استصلاح ولو ربعها! و التجار والمزارعون يرون التهافت على كل الأحوال فلا مبرر إذن للمعالجة والتسميد والسقاية وإحسان الزرع ما دامت النتيجة واحدة والزبائن لا يعلنون التذمر والإضراب ومقاطعة الانتاج المحلي الرديء!
ولكن أليس المزارعون مساكين كالشعب والاصلاح الزراعي بحاجة الى سياسة ودعم حكومي لا يضرب الانتاج المحلي بفتح الباب أمام المستورد فيزيده مواتا فوق ركوده هذا غير توفير احتياجات الزراعة والوقاية والسقاية؟! هناك أمور أهم من البندورة وجودتها وتوفرها، ومن التجار والمزارعين وأخلاقهم أو جشعهم، ومن تكافل المجتمع أو تصارعه، إنها السلطة التي تملك مقاليد حياة البشر فتحييهم أو تميتهم. إن من يحلم بحبة البندورة لن يحلم بنواة الذرّة، ولا أن يحكم المجرة، ولا أن يقول كلمة حق في وجه سلطان جائر! ألم يأن للشعوب أن تفهم الأسباب وتحاسب المسؤولين بدل أن تبقى دائما ضحية النتائج والتعامل معها؟ ذكر الإمام أحمد في مسنده أنه كان في خزائن بني أمية حبوب حنطة، الحبة بقدر نواة التمر موضوعة في صُرة كتب عليها: كان ينبت هذا في زمن العدل! ذاك بيت القصيد لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
د. ديمة طارق طهبوب