إن نوع الثقافة السائد في أي مجتمع لا شك أنه يؤثر على أفراد هذا المجتمع وعلى فاعلية أو عدم فاعلية الأدوار التي عليهم القيام بها تجاه هذا المجتمع، وبالتالي في دفعه نحو التغيير الإيجابي أو نحو التغيير السلبي. وهذا ما يجعلنا نتساءل عن فاعلية الإنسان في مجتمعه هل هي نتيجة لثقافته المكتسبة أم أنها نتيجة لمنطلقات ومبادئ واختيارات إيديولوجية وسياسية؟ وإذا أردنا أن يقتصر حديثنا عن مجتمعاتنا العربية في مختلف بلادنا العربية التي سادها الجمود والثبات منذ حصولها على الاستقلال إلى يومنا هذا. وتتسم بعدم قدرتها على استيعاب جميع مكونات المجتمع نحو أهداف مشتركة تصبو الخروج النهائي من واقع التخلف في مختلف المجالات والتحول إلى مجتمعات مبدعة فاعلة. إذا أردنا إذن أن يقتصر حديثنا على هذا الجانب والذي يمكن تلخيصه في علاقة الأحزاب السياسية المعارضة وحزب السلطة الحاكمة بالمجتمع وببعضهم البعض فإن السؤال المركزي الذي يهمنا في هذا السياق هو نوعية ثقافة الواجب ونوعية ثقافة الحق لدى هذه الأحزاب رغم اختلاف مواقعها؟ وتأثير هذا النوع من الثقافة في تكريس واقع المراوحة في المكان وعدم القدرة على الانطلاق والتجاوز البناء؟ إذا ألقينا نظرة عامة على مختلف الأحزاب السياسية المعارضة في الوطن العربي فإننا نلاحظ نوعين من المعارضة عموما: معارضة راديكالية ومعارضة تابعة أو ما يطلق عليها في بعض الأقطار العربية بأحزاب الموالاة. فنجد أدبيات الأولى تتسم بالنقد الدائم وعدم الرضا على أداء السلطة الحاكمة. وفي كثير من الأحيان يصل هذا النقد إلى نوع من الشتم المبطن أو الصريح ببعض الأقطار. أما أدبيات الثانية أي أحزاب الموالاة، فتتسم عموما بالرضا على أداء السلطة الحاكمة والمدح المبطن أو الصريح في كثير من الأحيان. والنتيجة أننا أمام نوعين من الخطاب: خطاب مختص في ‘الشتم’ وآخر مختص في ‘المدح’. و ليس هناك أسهل ولا أيسر من الشتم والمدح. وفي المقابل فإن السلطة الحاكمة عموما لا تعير لهذين النوعين من المعارضة أي نوع من الاعتبار الذي يؤدي إلى التلاقي على مشترك المصلحة الوطنية إذ أن كليهما خارج دائرة الفعل أي خارج دائرة البناء وبالتالي تكون علاقة السلطة بهما علاقة مصلحة شخصية لا علاقة مصلحة وطنية إذ كلاهما عناصر ضرورية لاستكمال المشهد السياسي لا غير. وهذا ما يجعل نوعية السلطة لا تختلف عن نوعية الأحزاب في سهولة ويسر الدور الذي تقوم به تجاه المعارضين وهو منع أي معارضة تتمتع واقعيا بكل ما يتطلبه المسار الديمقراطي من واجبات وحقوق. ولهذا فإن الشتم والمدح والمنع ثقافة واحدة تمثل القاسم المشترك بين المعارضة والسلطة الحاكمة وأنسب وصف يمكن أن نصف به هذا النوع من الثقافة هو السلبية. وإذا ربطنا هذه السمة بثقافة الواجب وثقافة الحق وعلاقة هؤلاء بهما تتضح لنا الصورة أكثر. هناك قول يتداول بطرق متعددة وسياقات مختلفة وهو ضرورة التأكد ليس فقط من أنك تقوم بعملك بشكل صحيح بل التأكد من أنك تقوم بالعمل الصحيح أولا. و انطلاقا من هذا القول نتساءل ما مدى قيام هذه الفئات الثلاث بواجباتها تجاه بعضها البعض وتجاه مجتمعاتها؟ أي هل أنها في المقام الأول تحرص على القيام بواجباتها أم أنها تحرص على حقوقها بالأساس وبالدرجة الأولى؟ وبصيغة أخرى هل أن همها هو المساهمة في البناء أم أن همها هو الهدم أولا؟ وباختصار هل أن هناك وعي لدى هؤلاء بالتمييز بين القيام بالعمل بشكل صحيح والقيام بالعمل الصحيح فعلا؟ نستطيع أن نقرر بكل اطمئنان وانطلاقا من استقراء تاريخ الشعوب أن الناس الفعالين هم قادة الرأي الذين يشعون إيجابية والذين تتوازن لديهم ثقافة الواجبات وثقافة الحقوق وأشدد هنا على كلمة تتوازن…. لأن الغائب الأكبر في حياتنا نحن المجتمعات العربية هو التوازن. فبعد نصف قرن أو يزيد من الدولة الحديثة لا زالت النخبة السياسية تتقلص لديها ثقافة الواجب مقابل ثقافة الحقوق. فلا نكاد نسمع قائد رأي أو مثقف أو مسؤول سياسي أو مسؤول نقابي أو رجل أعمال أو صحافي يتكلم على واجبه. فالحديث الذي نسمعه والتحليل الذي نقرأه يقوم على مقاربة الحق بالأساس. فالمطالبة بالحقوق متقدمة على القيام بالواجبات. ولا بد من التأكيد هنا على عدم نكران أهمية الحق أو الحقوق ولكن في إطار مقاربة قائمة على (الواجب/ الحق). ليس هناك أسهل من المطالبة بالحقوق، ولكنه طريق، في غياب المناخ الديمقراطي، طويل وطويل جدا، ربما ينتهي إلى سراب… بينما القيام بالواجبات، وهو أمر يتطلب تضحيات كبرى ومجهودات جسيمة، تؤدي إلى المساهمة في بناء الواقع وفي تغييره وبالتالي ربما يكون أقصر طريق إلى نيل الحقوق. وهذا ما يجعلنا نقول بأن مجتمعاتنا لن تتحول من دائرة السلبية إلى دائرة الإيجابية إلا إذا أصبح الحديث عن الواجب في قداسة الحديث عن الحق. فواجب أحدنا يمكن أن يكون حق غيرنا وحق أحدنا يمكن أن يكون واجب غيرنا. فإن انتظرنا حقوقنا دون أن نبادر إلى تأدية واجباتنا، فعلينا الانتظار إلى ما لا نهاية له إذ لن يحصل أحد على حقه. فنحن في أمس الحاجة الآن أمام التحديات المستقبلية إلى أن يكون الإنسان في دائرة التفكير الإيجابي والفعل الإيجابي ولا يكون ذلك بضمان ملزومية الحقوق وتحقيق مكاسبها فقط بل بالحفاظ على كرامة الإنسان من خلال تعليمه كيف يكتسب شخصية فعالة وكيف يؤدي واجبه بحب واقتدار وبذلك يمكن أن نصل إلى مجتمع متميز تخدم فيه الدولة المجتمع ويختار المجتمع ممثليه بفاعلية وكفاءة. وهكذا ينتقل كل منا من التمترس وراء اختياراته الإيديولوجية أو الشخصية إلى التمترس وراء مصلحة الأوطان فيغيب الشتم والمدح والمنع وهي سلوكيات بين أعداء متخاصمين ويحضر الفعل أو الإنجاز الذي يوسع من دائرة البناء وهو سلوك متجه نحو مصلحة الأوطان فتتوازن الواجبات والحقوق وتسود ثقافة إنجاز الواجبات المؤدية إلى التمتع بالحقوق.
عبد المنعم إدريس – تونس