مؤتمر للثقافات الأفريقية يستضيفه المجلس الأعلى للثقافة: القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني شهد افتتاح مؤتمر ‘تفاعل الثقافات الأفريقية فى عصر العولمة’، في المسرح الصغير في دار الأوبرا، والذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة، في الفترة من 10 وحتى 13 من الشهر الجاري، حضورا جماهيرا كثيفا، حيث امتلأت مقاعد المسرح الصغير عن آخرها، وقدم السيد البروفيسور ‘أبريما سيل’ السكرتير التنفيذي لمجلس تطوير بحوث العلوم الاجتماعية في أفريقيا، كلمة المشاركين في المؤتمر واستغرق أكثر من عشرين دقيقة.
وناقش المؤتمر الذي يشارك فيه أكثر من 50 باحثا على مدى أربعة أيام قضايا منها (العولمة والثقافات الافريقية) و(افريقيا أصل الحضارة) و(الثقافة والهوية) و(الدين والهوية.. دروس التاريخ المنسيــــة) و(مأزق شعوب افريقيا بين ثقافتهم المحلية والثقافات الوافدة) و(الاديان وتفاعلها مع المجتمع في افريقيا) و(الحكاية الشعبية ودورها في عملية الضبط الاجتماعي بافريقيا) و(الثقافة الشعبية ودورها في تلاقي الثقافات). وفي كلمته عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر قال حلمي شعراوي في افتتاح مؤتمر (تفاعل الثقافات الافريقية في عصر العولمة) إن دعوة الشاعر والرئيس السنغالي الاسبق ليوبولد سيدار سنغور الى الاهتمام بالحوار الثقافي الافريقي يلخصها مصطلح ‘الافريقانية’. وقال شعراوي وهو مدير مركز البحوث العربية والافريقية في القاهرة ان سنغور الذي كان أول رئيس لبلاده (1960- 1980) وتنازل عن السلطة بإرادته زار جامعة القاهرة عام 1967 وتحدث عن ‘الافريقانية والعروبة… مما أدهش الخاصة والعامة… وكان موضع جدل واثارة’ في ظل المد القومي العروبي آنذاك، وأكمل قائلا: ‘أعترف أننا لم نول ِ بعد الاهتمام المناسب بدور الفضائيات والترجمات في التفاعل أو طمس التفاعل على المستوى الأفريقي بوجه خاص، ولكني أذكركم فقط بأن حركة التوحيد الأفريقية شرعت قلاعها أساسا انطلاقا من حركة مجموعات مثقفة مهمومة بشعوبها، فتحولت لحركات تحرير، وحركات اجتماعية لا تخفى عليكم ثمارها’. وأكد شعراوي أن حركة الفكر والثقافة بعامة تعرف الكثير من أشكال هذا القلق منذ اجتمع مثقفون في باريس وروما 1956، و1959، وظهرت حدة التمايز بينهم منذ هذا الوقت المبكر حتى اجتمعوا في مؤتمرات للمثقفين في داكار وأكرا ونيروبي، وأديس أبابا، ودار السلام، وجوهانسبرغ والقاهرة، وتحت شعارات امتدت من الزنوجة للنهضة الأفريقية وحتى علاقة العروبة بالثقافات الأفريقية. وأضاف أن مجرد الاكتفاء بما يسمى العلاقات التاريخية والتقليدية بين الدول الافريقية لم يعد يكفي بعد أن أصبح ‘اطار العولمة كاسحا للثقافات الوطنية’ مشددا على أهمية التفاعل الثقافي المعبر عن الهوية الافريقية.
وقال الدكتور ‘عماد أبو غازي’ الامين العام للمجلس الاعلى للثقافة منظم المؤتمر في الافتتاح ان ‘افريقيا منبع الحضارة الانسانية بل منبع الانسانية نفسها فمنها خرج الانسان الاول وعلى أرضها ظهرت أقدم الحضارات… انها لا تستطيع أن تعيش منعزلة عن غيرها من الحضارات’ نظرا لثراء الثقافات الافريقية التي تمثل مدخلا لفرص من التقدم للقارة السمراء.
وقد أعلن عماد أبو غازي الامين العام للمجلس الأعلى للثقافة، منظم المؤتمر، في بيان ان المؤتمر ناقش على مدى أربعة أيام قضايا القارة السمراء الثقافية، ومنها العولمة والثقافات الافريقية وافريقيا أصل الحضارة و الثقافة والهوية والدين والهوية.. دروس التاريخ المنسية، وأزمة الانتماء الوطني وأثرها في بناء الدولة في الصومال ومأزق شعوب افريقيا بين ثقافتهم المحلية والثقافات الوافدة والسخرية من الاثيوبيين في الولايات المتحدة والاديان وتفاعلها مع المجتمع في افريقيا. وأشار الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في كلمته إلى تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، والذي يؤكد أن الثقافة والقيم هما روح التنمية، وتشكلان معا موقفا لتعزيز وسائل التنمية الإنسانية. وأوضح أبو غازي أن مفهوم التنمية لم يعد قاصرا على محاولة اللحاق اقتصاديا بالدول الأكثر تقدما بقدر ما يهتم بالكشف عن قدرات الشعوب وإمكان استغلالها، الأمر الذي يعني ضرورة التعرف على ثقافات الشعوب ودراستها دراسة عميقة لفهمها والاسترشاد بها، من أجل صياغة سياسات ثقافية تسهم في رقى شعوبنا، مشيرا بعد ذلك إلى أنه إذا كانت العولمة تشكل تحديا جديدا يُضاف إلى تحديات كثيرة واجهناها، فيجب أن نجعل من معطيات العولمة فرصة جديدة تتيح لثقافتنا في القارة الأفريقية المزيد من الحضور العالمي والإسهام في رقى الإنسانية.
مؤكدا على أنه بالتعاون بين الدول والمؤسسات الأهلية والمؤسسات الاقتصادية في مجال الصناعات الثقافية، وباحترام مبادرات المجتمع المدني، وإشاعة ثقافة التسامح وتقبل الآخر، والاعتراف بالتنوع الثقافي الذي يعتبر من خصائص قارتنا الأفريقية، والتعددية نستطيع أن نجعل منها عنصرا هاما لوقتنا وثرائنا، وأضاف أن العولمة اذا كانت ‘تشكل تحديا… فيجب أن نجعل من معطياتها فرصة جديدة تتيح لثقافتنا في القارة الافريقية المزيد من الحضور العالمي والاسهام في رقي الانسانية… أصبحت الثقافة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الجديدة رهانا ينبغي كسبه’ بعد أن أصبح للثقافة بعد اقتصادي يفوق أحيانا عائد الصناعات التقليدية، وتابع أن الاستعمار الاوروبي ترك للدول الافريقية ميراثا من المشكلات ولكن مثقفي القارة قادرون على تجاوزها. ولكن الباحث الموزامبيقي سوزينهو فرانشيسكو شدد في الجلسة الاولى على أن ‘معركة الثقافات هي السمة البارزة في المشهد الثقافي الافريقي جنوب الصحراء’ نظرا لوجود بقايا من ثقافات تعد من ميراث الاستعمار وتداخل اللغات المحلية مع لغات المستعمر السابق ومنها الانكليزية والفرنسية والاسبانية والبرتغالية ‘التي ظلت هي اللغات الرسمية رغم اقتصار متحدثيها على أقلية نخبوية حضرية’. وهذه إحدى المشكلات التي تجعل ‘الزواج عسيرا’ بين ثقافتين في الدولة الواحدة كما تؤثر سلبا على عملية بناء الدولة.
قال الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب، إن قارة أفريقيا تدفع ثمن اهتمام عبد الناصر بالقومية العربية، وتغافله عن وحدة وادي النيل، وعلى الرغم من قيادته لحركة التنوير في القارة الأفريقية، وإيمانه بأننا كيان واحد، لا يمكنني أن أغفر له ما ارتكبه من أخطاء.
جاء ذلك خلال الجلسة الأولى التي عقدت في قاعة المجلس الأعلى للثقافة، ضمن فعاليات مؤتمر تفاعل الثقافات الأفريقية في عصر العولمة، وأكد الفقي في كلمته أننا نفتقر إلى التبادل الثقافي، مشيرا إلى ما يحدث في السودان من صراعات سوف تؤدي إلى انقسامها، سواء رضينا أم رفضنا، موضحا أن السودانيين لديهم قدرة على استيعاب ما يقدم لهم، وأضاف أنه رغم الاختلافات الواضحة في القارة الأفريقية، إلا أن للقارة الأفريقية هوية لا يمكن نكرانها، وهذه الاختلافات بمثابة صورة ملونة تعرض لنا هذه الاختلافات، مؤكدا أن الأقليات في المجتمعات تعد ميزة إذا أحسنت الحكومات التعامل معها.
وأوضح د.
عبدة الشريف في كلمته، أنه في مقابل العولمة الحديثة، القائمة على التسوية السريعة للحدود بين الاقتصادات والثقافات المختلفة، كان يقوم العالم الكوني للمحيط الهندي قبل مجيء الأوروبيين على الحوار بين الحضارات التي كانت تحترم الحوار المتبادل مع الآخر، مشيرا إلى أنه قد أقيم على التجارة التي كانت بالضرورة تنتعش عندما يكون هناك اختلاف بين مناطق الموارد والثقافات المختلفة، وعلى الرغم من العمليات الاجتماعية طويلة المدى من الاستيعاب والتكامل، وكانت السمة البارزة لهذا الكل المتصل هي التسامح الديني الذي تمارسه الأديان المتجاورة في المحيط الهندي.
وتنظم على هامش المؤتمر أمسيات للحكي وقراءات للشعر الافريقي وعروض فنية تقدم فيها فرق للفنون الشعبية من مصر والسودان جانبا من الفنون التراثية الافريقية.