واشنطن ـ ا ف ب: يعتبر الخلل الاقتصادي ما بين العجز الامريكي المزمن حيال باقي العالم والفائض الذي كدسته قوى اقتصادية اخرى مشكلة قديمة طبعت الدبلوماسية الاقتصادية خلال الثمانينات بدون ان تلقى حلا قابلا للاستدامة.
وصرح وزير الخزانة الامريكي تيموثي غايتنر يوم الاحد ‘بالنسبة الى الاقتصادات الكبرى، من الولايات المتحدة الى الصين، من المانيا الى اليابان، اعتقد انه تم الاقرار اننا اذا اجزنا في المستقبل تفاقم انعدام التوازن الكبير فسيضر ذلك بالنمو العالمي’. غير ان حكومات الثمانينات كان تقول الشيء نفسه. فكما يحدث الآن، ظلت الولايات المتحدة ولسنين طويلة اكثر استهلاكا من الاخرين فضاعفت شهريا عجزها التجاري. وكانت تعوضه باجتذاب رؤوس الاموال الاجنبية والاستدانة من باقي انحاء العالم. اما المانيا واليابان، الدولتان المصدرتان، فشهدتا دخول عملات اجنبية اعادتا استثمارها للمحافظة على قدرتهما على المنافسة. وحذت الصين حذوهما مع انها لم تكن من بين الاقتصادات الخمسة الكبرى في العالم آنذاك. وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي فانه يتوقع ان تكون الولايات المتحدة فاقمت عام 2010 عجزا في الحسابات الجارية (عجزها التجاري الى جانب مساعداتها للدول الاجنبية، ناقص فائضها في عائدات عوامل الانتاج) بقيمة 467 ملياردولار. ويمثل هذا العجز اجمالي قيمة الفائض الدولي الكبير حيث سجلت الصين 267 مليار والمانيا 200 مليار. واتت اليابان خلفهما لتسجل فائضا من 166 مليارا. وتسعى الولايات المتحدة اليوم الى الحد من فوائض الدول الاكثر تصديرا الامر الذي يزعج الدول التي تتغذى به. بين العامين 1985 و1987 اثار انعدام التوازن نفسه التوترات السياسية عينها. فاميركا رونالد ريغن سئمت تغذية نمو دول صناعية اخرى مشتكية من ضعف الاستهلاك لدى الاخرين. وتضاعفت الصدامات بين واشنطن (التي ظل عجزها يتفاقم فيما حثت على انعاش الاقتصادات الاخرى) والبنك المركزي الالماني المتخوف من التضخم. في تشرين الاول/اكتوبر 1987 هدد وزير الخزانة الامريكي جيمس بيكر بالقول ‘لن تقف بلادنا مكتوفة الايدي امام رفع الدول ذات الفوائض اسعار فائدتها واضرارها بالنمو في العالم اجمع آملة ان تحذو الولايات المتحدة حذوها بطريقة ما وترفع اسعارفائدتها’. واتى هذا التصريح عشية ‘الاثنين الاسود’ الذي شهد انهيار مؤشر داو جونز في وول ستريت بنسبة 22.61′. ويحلل بعض من عاشوا تلك الحقبة ان المشاكل التي اثارها التوتر الامريكي الالماني في اسواق الاسهم والخوف من انهيار الدولار شكلت عناصر ادت الى الانهيار. لكن هذا التوتر ما زال قائما. فعلى هامش اجتماع وزراء المالية ورؤساء المصارف المركزية في مجموعة العشرين في كوريا الجنوبية انتقد وزير الاقتصاد الالماني رينر بروديرلي السبت السياسة النقدية الامريكية. وقال ‘ان الزيادة المفرطة والدائمة للكتلة النقدية برأيي هي تلاعب غير مباشر’ لسعر الصرف.
وسقطت ملفات انعدام التوازن العالمي تدريجيا من جداول اعمال اجتماعات مجموعة السبع في السنوات التالية لانهيار 1987. لكن التاريخ لا يحدد كيفية التخلص منها، حيث تحول الانتباه عنها الى انهيار الشيوعية وتحديات اعادة توحيد الالمانيتين وانهيار النموذج الياباني والازدهار في التسعينات والالفين.