اللحية على منصة القضاء

حجم الخط
0

السيد زرد للشكل في القانون أهمية بالغة لا تقل ـ بحال ـ عن المضون. ففي مضمار تطبيق العدالة، يستحيل التوصل إلي العدل وإقراره بغير قواعد شكلية أو إجرائية تضبطه وتؤطره وتحدد مساراته وصولاً إلى الحقيقة. فقانون المرافعات المدنية والتجارية، هو القانون الإجرائي بالنسبة للمسائل المدنية والتجارية. وقانون الإجراءات الجنائية، هو القانون الإجرائي بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات والقوانين العقابية الأخرى. ولا يمكن الموازنة بين المراكز القانونية، والمفاضلة بين ما يدعيه كل خصم تجاه الآخر، وصون حريات الناس وحقوقهم الأساسية إلا من خلال إعمال القواعد الإجرائية، فبدون هذه القواعد تُستباح الحريات وتنتهك الحقوق وتختلط المراكز القانونية وتتخبط المحاكم عند تطبيقها للقانون والتصدي لإصدار الأحكام. إن القوانين الإجرائية ـ حسبما يتعلم طلاب القانون – هي التي تُفعّل كافة فروع القانون الأخرى. ومن هنا كان الحرص ـ صوناً للعدالة ولحسن سيرها – على الإلتزام بالشكل والإجراءات، ليس تمسكاً بالشكل على وجه الإطلاق وبصورة مجردة، وإنما للغايات التي يحققها هذا الشكل ويفضي إليها. وكان للقضاة دوماً ـ عبر الحقب التاريخية المختلفة وفي سائر البلدان ـ أزياء محددة يلتزمون بارتدائها حال تأديتهم لوظائفهم القضائية، تتوارثها الأجيال باعتبارها تقليداً قضائياً وموروثاً ثقافياً وتنطوي غالباً على إشارات ودلالات رمزية ترتبط بمفهوم العدالة. وقد امتد الإلتزام ـ والإلزام – بارتداء زي محدد لكل المتصلين بالعملية القضائية من محامين وسكرتارية الجلسات، فصار روب المحاماة شعاراً لمهنة المحاماة يلتزم بارتدائه المحامون والمحاميات، وورد النص عليه باعتباره واجبا مفروضا على كل من يعمل بالمحاماة. ابتكارات فردية ولأننا في مصر ننفرد دائماً بالسماح للأفراد بالخروج على النظام والقواعد، وكثيراً ما نغض الطرف عن هذا الخروج بوصفه أمراً لا يعنينا، بل وكثيرا ما نتسامح معه بمبررات وذرائع شتى. فالباعة يفترشون الأرصفة ويعوقون حركة المارة، لكن لا بأس فهم بؤساء يفتقرون إلى موارد الرزق ويسعون إلى كسب القوت بوسائل شريفة.. وأصحاب السيارات ينتظرون في نهر الطريق ويصنعون صفاً ثانياً وثالثاً، ولا تثريب عليهم فالشوارع مزدحمة ولا توجد أماكن كافة للانتظار. ومع مرور الوقت يتحول الإستثناء إلى قاعدة، ويصبح الخروج على النظام والقواعد هو الأصل، بحيث لا يعود الشذوذ والخروج على القواعد يستلفت نظرنا أو يثير فينا استهجانا أو اندهاشا. ومنذ سنوات قريبة بدأ يظهر ـ على استحياء ـ على منصات المحاكم قضاة يجاهرون بهويتهم العقائدية وما يتبنونه من تصورات عن الدين والحياة، وذلك عبر مظهر معبر لا تخطئه الأعين. فبدأنا نشهد في ساحات المحاكم قضاة يلبسون ما يُعرف بالزي الباكستاني، تعبيراً عن انتمائهم إلى فصيل إسلامي محدد، وأخذ نفر قليل من القضاة يترك لحيته لتنمو قليلا.. غير أن هذه المشاهد ما كان ممكناً ملاحظتها إلا في المحاكم العليا: الاستئناف العالي ومحكمة النقض.

ولأن ‘الحبل على الجرار’ كما يقولون، وجريا على عادتنا الوطنية: ‘دعه يعمل، دعه يعك’.. فقد أخذ الاستثناء ينتشر، والخروج على القواعد والتقاليد يجاهر بخروجه وشذوذه، بلا خشية من استهجان أو نقد.. حتى أتانا الموسم القضائي الجديد الذي بدأ في أول تشرين الاول/أكتوبر، لنجد عدداً لا يُستهان به من القضاة قد ربت لحاهم واستطالت وحفوا شواربهم في إعلان صخّاب عن هويتهم ومعتقداتهم بما لا يترك مجالا للبس أو تأويل أو حسن ظن. ولم يعد الأمر قاصرا على قضاة المحاكم العليا ممن تقدموا في العمر، بل أصبحنا نجابه قضاة ملتحين في المحاكم الإبتدائية والجزئية ممن في مطالع السلم القضائي. ليست حرية شخصيةلا يجوز الارتكان للحرية الشخصية في معرض تبرير مخالفة القضاة لتقاليد المظهر الذي يتعين عليهم التقيد به، فكثيرة هي القيود المفروضة على القضاة في مسلكهم الشخصي، والمستهدف من ورائها الحفاظ على هيبتهم ومنع التأثير فيهم، ومن ذلك حظر ارتيادهم للمقاهي، ومنع اشتغالهم بالسياسة.. فكلها قيود تحد من حريتهم الشخصية، غير أنها لازمة لمباشرتهم لعملهم الجليل بحياد ونزاهة. والمظهر المفروض على القضاة هو الآخر يشكل قيدا على حريتهم الشخصية، بيد أنه أيضا من لوازم الحفاظ على مالهم من هيبة وحياد مفترض، لا يجوز الاخلال به أو النزول عنه، وعلى من يستشعر منه حرجاً دينياً ممارسة عمل آخر يتيح له التمتع بمجمل حقوقه وحرياته الشخصية طليقا من كل قيد، اللهم إلا القيود الى يفرضها القانون على عامة المواطنين. احذروااليوم ما تزال ظــــاهرة القضاة الملتحين في بدايــــتها.. نعم تتــــزايد الرقعة، وتتسع قاعدتها وتتشعب، لكن الظن أنها ـ حتى الآن ـ يمكن علاجها ودرء مخاطرها وفتنتها. إن لم يتحرك من يملكون ‘الحل والعقد’ الآن للعلاج، فغداً باليقين لن يستطيعوا، إذ سيتسع الخرق على الراتق، وستتحول محاولات العلاج إلى صدام عنيف وبتر تسيل معه دماء العدالة. . فهل من مجيب؟ ‘ محام بالنقض ـ عضو اتحاد كتاب مصر مدير مركز مساواة لحقوق الإنسان[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية