دولة الفضائح

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرولقد تفنًّنت الولايات المتحدة الامريكية في إلصاق الأوصاف المعيبة بالدول التي تقاوم الرُّكوع أمام جبروتها. وهكذا انتشرت في وسائل الإعلام العالمية وعلى ألسنة المسؤولين الامريكيين عبارات من مثل ‘الدولة الفاشلة’ أو ‘معسكر الشر’ أو ‘الدولة المارقة’ لوصف الأعداء، ومقابل ذلك عبارات من مثل ‘المعسكر الحر’ أو ‘الدولة الديمقراطية’ لوصف الأصدقاء والخلاًّن المستسلمين للقدر الامريكي.لكن، ومقابل ما تصف به امريكا نفسها من أنها ‘دولة الحرية وفرص السًّمن والعسل’، هل يمكن إضافة وصف موضوعي حقيقي للدولة الامريكية؟ والجواب هو نعم، إذ أنها بدون مبالغة أو تجنٍّ أصبحت ‘دولة الفضائح’. دعنا من الفضائح الموغلة في القدم، بدءاً بإبادة الملايين من الهنود الحمر بالنَّار وبنشر الأوبئة بينهم، مروراً بالاستيلاء على أراضى شاسعة من خلال حروب طاحنة مع المكسيك والفرنسيين والأسبان، مروراً باصطياد الأفارقة السٌّود وشحنهم في سفن كالأنعام لتسخيرهم كالعبيد في مشاريع الزراعة وماكنات الإنتاج والخدمة.. دعنا من كل ذلك التاريخ الدموي المشين ولنتوقًّف عند عناوين المحطًّات الرئيسيَّة في القرن العشرين لنذكٍّر أنفسنا بسلسلة الفضائح الامريكية الرسمية المحزنة التي لا تنتهي، إذ هي في الأساس فضائح الأنظمة السياسية الحاكمة المتعاقبة، تحدث من وراء الشعب الامريكي أو بالرًّغم عنه أو بغسل عقله وإماتة ضميره.هل نذكٍّر بالفصل العنصري للأفارقة الامريكيين في المدرسة والمستشفى والسكن والمطعم والباص؟ بمنظًّمة الكوكلكس كلان العنصرية في الجنوب الامريكي وهي تختطف السُّود وتعلٍّقهم بالمشانق على أغصان الأشجار؟ بالتواطؤ مع الانكليز في وأد محاولة محمد مصًّدق رئيس الوزراء الإيراني لتأميم البترول في الخمسينات؟ بالاعتراف بالكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة بعد دقيقة واحدة من قيامه ومن ثمًّ حمايته ودعمه لاجتثاث العربي الفلسطيني من أرضه ومدًّ الكيان بالسٍّلاح والمال والتكنولوجيا ليتفوق على كل العرب في كل ميدان؟ بحرب فيتنام وفضائح استعمال النًّابالم في حرق الزًّرع والبشر؟ بإلقاء القنبلتين النوويتين على شعب اليابان وقتل الألوف الأبرياء مع معرفة حكومتها التامة بقرب استسلام القوات المسلًّحة اليابانية؟ بتواطؤ وكالة المخابرات الامريكية مع أعداء الرئيس الوطني الاندونيسي سوكارنو والانتهاء بموت أكثر من مليون اندونيسي في حرب تطهير قذرة؟ بتمويل الوكالة إيًّاها إنقلاباً ظالماً على رئيس منتخب انتخاباً ديمقراطياَ هو الرئيس الوطني التشيلي أليندي ثمَّ قتله؟ بدعم كل دكتاتور دموي فاسد عبر امريكا الجنوبية كلٍّها طيلة القرن العشرين طالما أنهم يسمحون للشركات الامريكية بنهب شعوب تلك البلدان الفقيرة؟ بالتخلٍّي عن كل حليف يخدمها حالما تقتضي مصلحتها ذلك، كما فعلت بشاه إيران وبرئيس الفلبٍّين؟ وفي المدة الأخيرة تفجًّرت الفضائح تلو الفضائح في معتقل غوانتلا مو سِّيئ السٌّمعة وفي سجن أبو غريب المشين وفي معتقلات وكالة الأمن الامريكية المنتشرة في بلدان العالم حيث يمارس التعذيب والفحش والإذلال. وها ان فضائح وثائق ويكيليكس تفضح المشهد العراقي المفجوع من جديد بعد أن فضحت المشهد الأفغاني منذ أسابيع. وها أن مشهد السًّاحة الباكستانية ينذر بقرب ظهور فضائح الرّشوة وقتل المدنيين وتدمير المساكن على رؤوس أصحابها.هل غطًّينا كل فضائح القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشـرين؟ أبداَ، إذ أن القدرة الهائلة للإفساد والقتل والإخضاع والتعذيب والكذب التي تملكها آلة الحكم الامريكية، بالتواطؤ مع آلتها الصناعية والمالية والإعلامية، هي قدرة تفوق الوصف والإحاطة. ويعجب الإنسان كيف أن شعباً طيباً كالشعب الامريكي، ونحن الذين درسنا في امريكا قد عرفنا ذلك وخبرناه وأعجبنا أيًّما إعجاب بصفات الخير والإنسانية في هذا الشعب النشط المنتج المبدع.. يعجب الإنسان كيف تمرٌ السنون والقرون وهذا الشعب غافل عن جريمة استعماله واستغلاله من قبل أقليًّة متحكّمة دون أن ينتفض لكرامته وإنسانيته وحسٍّه الأخلاقي والقيمي.ستقضي وسائل الإعلام العالمية والعربية الأيام المقبلة وهي تناقش تفاصيل وثائق ويكيليكس الأخيرة بشأن جرائم الاحتلال الامريكي وحلفائه والخونة المتعاونين معه، وستشير بأصابع الاتهام إلى الامريكان والإيرانيين والعراقيين والقاعدة، لكنًّ الأيام ستٌنسي الجميع مثلما أنستهم أنواعاً من المخازي المماثلة في الماضي. ولن تستطيع البكائيات والفذلكات التحليلية إرجاع أب إلى أبنائه اليتامى الباكين وإلى زوجته الثًّكلى ولا لإرجاع أم لزوجها المفجوع وأولادها الضًّائعين الهائمين. وسيبقى المشهد العراقي، كما المشهد الفلسطيني البائس، كما المشهد الأفغاني المدمًّر، كما المشهد الباكستاني المرعب، كما.. وكما.. إلى أن تحلًّ إشكالية العالم كلًّه مع جنون وحقارة وأنانية وألاعيب النظام السياسي الامريكي وجيشه الجاهل المغرور ووكالاته الأمنية التي لا تخاف اللًّه ولا تملك الضمير. إن دولة الفضائح الامريكية أصبحت عبئاً على الدول وعلى مسيرة الإنسانية وستحتاج أن تراجع نفسها رفقاً بهذا الكوكب المفجوع.qr

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية