تنسب المصادر التاريخية أقدم النسخ المكتوبة التي تم العثورعليها في بلاد ما وراء النهرين الى السومريين، الذين زحفوا الى تلك المناطق في جنوب العراق من مواطنهم الاصلية في بلاد التركستان، ويعود تاريخ تلك النسخ الى 3000 سنة ق.
م، وهي على شكل رموز كتبت على الواح من الطين، ويعرّف اللغويون هذا النوع من الكتابة بالمسمارية! وتتفق معظم المصادر اللغوية على ان اللغة التي كتب بها السومريون تلك النسخ تحتوي على عددٍ غير يسيرٍ من الكلمات المستخدمة في اللغات التركية المقارنة، وكذلك تشبهها في طريقة استخدامها لقواعد اللغة والمفردات اللفظية. وبواسطة ابتكارهم لتلك الرموز الكتابية تمكن السومريون من تحديث انفسهم وتثبيت حضارتهم ونقل الانسانية الى مراحل من التقدم، ليتفق مع انسانية الانسان الذي كرمه الخالق ببعض المميزات منها العقل والنطق والقوام، وبها ايضا تمكن السومريون من ان يخلدوا انفسهم وحضارتهم التي اشتملت على ابتكارات كثيرة وفي مجالات متعددة، منها مثلا؛ في الزراعة وشق القنوات والبناء وصناعة الخزفيات والآلات النغمية والنقلية؛ وهم من اخترعوا العجلة واول من استخدمها. ومن الجدير بالذكر أن فحوصات الحامض النووي لعينات من بقايا السومريين اظهرت وبشكل قاطع أنهم لم يكونوا من الاقوام السامية أوالارية ولا الفارسية اوالسريانية ولا اليهودية او العربية؛ بل طابقت مثيلاتها للاقوام التركية التي تقطن اسيا الوسطى وبعض الشعوب التي استقرت في اوروبا، بعد هجرتها من بلاد ما وراء النهرين ومنها الشعوب الهنغارية والنرويجية مثلا، وكذلك الاعراق التركية التي كانت تشكل الاغلبية العظمى في مدن الشمال العراقي وحتى لوقت قريب.
وكما السومريون؛ ساهمت أمم أخرى وربما كلّ الأمم او اغلبها في النقل التدريجي للحضارة البشرية عبر العصور للوصول بها الى مراحلها الحالية من التمدن، الا ان التاريخ لم يذكر للبشرية سوى مساهمات الذين كتبوا اعمالهم او تركوا رموزا شاخصة لتستفيد منها الاجيال اللاحقة ويخبرهم بها عن حضارتها، وبواسطة ما تمّ اكتشافها من الاساليب الرمزية الكتابية او الاطلال العمرانية عبر حقب التاريخ؛ استطاع العالم ان يعرف عن حضارة اتراك الهون والحضارة الصينية والبابلية والاغريقية والرومانية والفرعونية والفارسية وغيرها من الحضارات القديمة، وبها تمكن الرواد الاوائل من علماء تلك الحضارات ان يشتركوا بقسطهم في المساهمة في تقدم البشرية. اما الكتب السماوية فتنسب التقييد والتسجيل مع بدء الخليقة الى الخالق عزّ وجلّ وترى أن الكون لم يخلق بالصدفة، بل ان لكل ّ موجود حسابا وكتابا؛ بداية ونهاية في سجل العالم الخبير الذي خلق كلّ شيء ثم خلق أدم (ع) اباً للبشر؛ وعلّمه الاسماء كلّها وربما عنا بها العلوم كلّها ليميزه بها عن الملائكة (ع) والمخلوقات جلّها، ثم أتبع ذريته بعد حين بالرسول الأكرّم محمدٍ بن عبدالله (ص) وأمره جبريل (ع) أن يقرأ لينقل الانسانية الى مرحلة اخرى من التميز والسموّ والرفعة؛ من حيث السعة والكمالية التي خصصها الباري عزّ وجلّ للوعي والادراك البشري، ويمكن اعتبار ظهورالرسالة المحمدية بمثابة نقطة تغير جوهرية لمن آمن بها، ولحظة انطلاق لمفاهيم سامية دعا بها الانسانية للخروج من الظلام الى النور، فتحولت مجتمعاتٍ بدوية بدائية؛ كانت تعبد الاصنام وتئد البنات وتستعبد الرجال وتستحقر المرأة، المسكين والفقير والأسير واليتيم (تلك المفاهيم البالية لم تكن مقتصرة على جزيرة العرب بل كانت ظاهرةً متفشية بين مجتمعات تلك العصور)، الى مجتمعات تكثر الدعاء الى الخير وتنبذ الرذيلة والشر، وبها تغيرت معايير تصرفاتها، ونظرتها الى العالم اصبحت تتحدد ضمن قواعدها وشرائعها وليست على هواها ومشتهاها، كما الفتها من قبل. وبفضل الرسالة المحمدية تحولت تللك المجتمعات البدائية الى مدارس تخرج القادة والعلماء وانخرط في حمل لوائها افراد من مختلف الامم؛ آمنوا بها وجاهدوا في سبيل نشرها، فغيروا ما بأنفسهم وانكروا فروقاتهم المظهرية والنسبية واللغوية؛ فتوحدت قلوبهم، ولم يقتصر التنافس بينهم في حملها على فئة او قوم، بل واجب على كل من استحقها؛ فهذا مثلا محمد بن اسماعيل البخاري يظهر بعد قرنين من بدء الرسالة المحمدية ويسعى جاهدا في حمل رايتها، فيهجر أهله وموطنه في بلاد الترك ليلتحق بالركب الميمون في بلاد العرب ويتفوق في حفظ واتقان لغة القرآن، ثم ينتقل ما بين الامصار ليجمع من الصدور كل ما حفظ من أحاديث الرسول ويخلده، كما ورد عنه؛ من غير ان يتجاهل الاشارة الى كل من اشترك في سرده وأمينا في نقله، ومحدثا بذلك ظاهرة في استخدام النظام التنسيبي (الرفرنسي)، ليأخذه الغرب منه، ولكن بنقص من الامانة كما عهدناهم، حيث ينكرون الاشارة في دور الاسلام كحلقة وصل في تسلسل الحضارة الانسانية وتوالت عطاءات المسلمين الى قرون طويلة واشترك بها علماء وقادة من بخارى وسمرقند ونيسابور وقرطبة؛ ترك، بربر فرس وعرب، شعوب تميزت ما ان التزمت بالمبادئ المحمدية كما علمهم بها، وافلسوا حين ابتعدوا عنها وانغمروا بالفروقات النسبية والدنيوية!
اما الغرب فوعي على اهمية القلم والكتابة بعد سباته الطويل في قرونه المظلمة، وبدأ في التوثيق جادا بعد قرونه تلك ولقرون تلت، الى ان اتت جهوده تلك ثمارها في بدايات العصر الحديث، وهو لايزال دائبا في نهجه بل وتفنن فيه، فيكتب ويحصي كلّ ما تعلم عن كلّ ما هو موجود سواء فوق الارض او ما هو مكنون في باطنها او بحارها؛ وتعلم عن عدد الطيور التي تقطن ارضه وانواعها وموعد هجرتها، بل اصبحنا نرجع اليه اذا اختلفنا على اسم حيّ في بلداننا. وهكذا بسبب تقدمه في العلوم تمكن من السيطرة على العالم والريادة في مختلف المجالات، ثم أوجد المنظمات والقوانين الدولية لتسهيل السيطرة على مواردها وقيادتها.
ختاماً أردت الاشارة في هذه المقالة الى اهمية القلم كسلاح للحق يحجم وينتصر على جميع الاسلحة الفتاكة الاخرى اذا استعملت بشكل صحيح، واثره باق عبر العصور لتبجيل من يستحق التبجيل وتحقير من يستحقه، وهكذا لم يبق لنا الا ان نأسى على شعوب مجتمعاتنا الاسلامية حيث تحول قادتهم الى ابو رغالات طوعيين، يتفننون في الخيانة ولا يخجلون، والاستعداد وارد في اجندة الموجودين منهم في العراق للتبرع بكركوك من اجل منصب او مركز كما باعوا العراق، اولائك الذين لايزالون يلبسون الاسلحة وبلا خجل فوق ملابسهم القروية المقتبسة من ازياء القرون الوسطى ليدنسوها كما دنسوا الوطن بعد ان فرشوها تحت اقدام الغزاة، ويتنافسون فيما بينهم في كيفية استرضاء اسيادهم! علما بأننا لو اردنا ان ننتصر على ميليشيات الخيانة والمحتل فما علينا الا ان نسجل عنهم وعن افعالهم وتقيد كل تحركاتهم، ليضرب التاريخ بها وجوههم ووجوه اجيالهم.
ياووز عزت