شارك في التظاهرة أكثر من ستين فيلما عربيا واجنبيا:
أبو ظبي ـ من فاطمة عطفة: شهدت العاصمة الإماراتية تظاهرة سينمائية عالمية، وكان الحضور العربي فيها لافتا، في إنتاج الأفلام، وفي حضور عدد من النجوم، من كتاب سيناريو ومخرجين وممثلين ومنتجين وغيرهم من الضيوف، الذين حضروا وتابعوا فعاليات المهرجان التي تواصلت عروضها لمدة عشرة أيام، وشارك فيها ما يزيد عن ستين فيلماً محلياً وعربياً وعالمياً، بالإضافة إلى أفلام مسابقة الإمارات والأفلام المشاركة في مسابقة الأفلام القصيرة. كان افتتاح المهرجان بفيلم ‘سكريتاريا’ Secretrit للمخرج الأمريكي راندال والاس، وهو يحمل فكرة التحدي والحلم والرغبة عند الإنسان، وتأتي هذه الإرادة القوية من سيدة تحقق حلم والدها وتستمر في الحفاظ على ما تركه لأولاده، بعكس أخيها الضعيف المتردد الذي أراد أن يبيع المزرعة والخيول، بالاتفاق مع زوجها الذي ابتعدت عنه زوجته (بيني تشينري) لتشرف على مزرعة الخيول. والفيلم مأخوذ عن قصة واقعية عن الحصان الذي لا تزال أرقامه قياسية تذكر في السجلات حتى اليوم.
وكانت الخطوط العريضة لأفلام المهرجان تتناول قضية فلسطين، والجريمة المنظمة في العراق، وتقييم المرحلة الشيوعية في بعض البلدان الاشتراكية، إضافة إلى جوانب من قضايا العمال والمرأة والطفولة، كما كانت هناك قصص فردية وعائلية واجتماعية. ومن الأفلام التي شدت الاهتمام فيلم عن غيفارا (تشي- رجل جديد) وفيلم كارلوس. ولعل من أهم هذه الأفلام المتميزة ما قدمه المخرج الفلسطيني إيليا سليمان في فيلمين: ‘سجل اختفاء’ و’يد إلهية’، وقد تميزت أعمال سليمان بلغة سينمائية راقية، وتعبير عميق، يفضح جرائم الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، بالصورة المجردة من الكلام. وقدمت دانا أبو رحمة: ‘مملكة النساء’ حيث تبين تفاصيل من الحياة في مخيم ‘عين الحلوة’ بين عام 1982 و1984، وتلك الفترة الزمنية القاسية التي تعرض لها سكان المخيم، وقت اجتياح إسرائيل للبنان وسقوط المخيم وما ارتكبت فيه من مجازر، ونرى هنا حكايات النساء اللواتي بقين وحيدات بعد أن اعتقل العدو الرجال وقتل من قتل وأسر من أسر، وبقي المخيم فقط بنسائه وأطفاله وجراحه. كما قدم الفيلم تجارب مختلفة لنساء دخلن السجن، وناشطات سياسيات، وفي ميدان القتال وفي مجالات أخرى، وأظهر جوانب من التراث الفلسطيني في مجموعة من الحلي المصنوعة من الخرز والزركشة التي تشتغل عليها المعتقلات من النساء الفلسطينيات في سجون العدو الإسرائيلي، وتخللت العرض لقطات من صور للشهيد ناجي العلي في خلفية بعض المشاهد.
وضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة التي عرضت في مهرجان أبو ظبي امتلأ مدرج مسرح قصر الإمارات لمشاهدة فيلم ‘كارلوس’ الذي أعادنا إلى الحالة السياسية التي شهدتها السبعينات وما بعدها، والحرب الخفية بين الأنظمة السياسية وأجهزة المخابرات والخلايا السرية، بين أصحاب القرار واللاعبين الكبار في هذه الحروب: أخرج فيلم ‘كارلوس’ الفرنسي أوليفييه أساياس، كما يشارك أيضا في كتابة سيناريو الفيلم، وجاءت صور المشاهد من ست مدن، باريس وبيروت ولندن وبرلين وبودابست والسودان، والعرض في أبو ظبي كان النسخة السينمائية التي قدمها المخرج مدتها ساعتان وأربعون دقيقة بعد اختصار النسخة التلفزيونية التي عرضت في مهرجان كان. بدأ الفيلم من العاصمة باريس1973 واغتيال محمد بوضيا الجزائري الأصل وقائد العمليات لجبهة التحرير الفلسطيني في أوروبا، حيث كان واضحا من أسلوب الاغتيال وجود بصمات الموساد الإسرائيلي، بعدها ظهر كارلوس في بيروت ليتسلم مهام من وديع حداد، وقد ركز الفيلم على التعاون بين الخلية الثورية الألمانية ‘بادر ماينهوف’ ودور كارلوس في التنسيق للعمليات المشتركة بينهما، الموجهة لضرب أهداف إسرائيلية ومنظمات يهودية في أوروبا. وأهم المراحل التي يمر فيها كارلوس من دمشق وروسيا وعدن والخرطوم تبقى عملية فيينا عام 1975 التي أخذت الاهتمام الأكبر من العرض لما فيها من تفاصيل ومفاوضات مع الجزائر، إلى أن تم اعتقاله بالسودان وترحيله إلى باريس ليسجن. وحصل فيلم ‘كارلوس’ على اشادة من لجنة التحكيم.
وتناول المخرج بهيج حجيج في فيلم ‘شتي يا دني’، وهو الفيلم الروائي الطويل الذي حصل فيه على جائزة ‘اللؤلؤة السوداء’، قصة إنسانية مؤثرة عن رجل خطف في منتصف الثمانينيات، خلال الحرب اللبنانية، وبعد اختفائه 20 عاما أطلقوا سراحه ليعيش في بيته غريبا محطما ويعاني من فقدان جزئي في ذاكرته، إضافة إلى ظروف عائلته التي تعاني من تمزق واضطراب بين أفرادها، الأم والبنت والولد، بينما تنقله ذاكرته إلى مكان رجل كان معه في السجن وتوفي تحت التعذيب، حيث يلتقي الرجل العائد امرأة ذلك الرجل التي تنتظر عودة زوجها المخطوف هو الآخر منذ 20 عاما، وتنشأ علاقة مودة عميقة بينهما بسبب تردده وخوفه من إعلامها بالحقيقة. يتولى أدوار البطولة فيه حسان مراد وجوليا قصار وكارمن لبس وبرناديت حديب وايلي متري وديامان أبو عبود، والفيلم واحد من ثلاثة أفلام عربية شارك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في المهرجان.
لكن ما أثار جدل الجمهور بعد عرض فيلم ‘ميرال’ للمخرج اليهودي الأمريكي وليام شنابل، وهو مقتبس عن رواية للكاتبة الفلسطينية ـ الإيطالية رولا جبريل. ويحكي قصة حياة السيدة الفلسطينية هند الحسيني، التي أنشأت عام 1948 دارا لرعاية الأيتام باسم ‘دار الطفل العربي’ في القدس التي احتلت بعد النكسة، وقد جمعت السيدة الحسيني في تلك الدار مجموعة من الأطفال الناجين من مذبحة دير ياسين، ثم توسعت الدار بعد لإعلان عن تقسيم فلسطين وقيام دولة إسرائيل. البطلة ‘ميرال’ تؤدي دورها الممثلة فريدا بينيتو يأتي بها والدها إلى مؤسسة أطفال فلسطينية في القدس بعد انتحار والدتها المدمنة على الخمر، وكأن أسباب الإدمان كانت تشعر البطلة بأنها غير نظيفة، هذا يظهر بوضوح عندما تكتشف البطلة أن والدها الذي عرفته ليس أباها الحقيقي، عندما أرادت أن تزرع له من نقي العظام ولم يكن النسيج مطابقا، وجاء تأثرها عاديا بدون انفعال عند اكتشافها ذلك، بينما أظهرت فرحتها عندما ودعت هند الحسيني، التي تقدم دورها الممثلة هيام عباس، وتقول لها ميرال وهي تعبر بفرح: ‘إن الحل النهائي والسلام قريبان حيث سيكون هناك اتفاق للحصول على 20 ‘ من الأراضي الفلسطينية، مشيرة بذلك إلى ما سوف يحصل في أوسلو’. ومن هنا جاء طرح الأسئلة بعد انتهاء الفيلم على كاتبة السيناريو رولا جبريل، كان أول سؤال: هل أنت مسرورة إلى 20 ‘ وكأنك تريدين أن يقتنع الناس بفكرتك؟ لكنها تهربت من السؤال وتجاوزته بدون اهتمام. وجاء السؤال الثاني للمخرج جوليان شنابل الذي كان يرتدي بيجاما لونها بنفسجي مع جاكيت فوقها، من هنا بدأ سؤال أحد الشباب من بين الجمهور قائلا: ما هو سر حضورك إلى المسرح في تقديم فيلمك وأنت تلبس البيجاما، في ثياب النوم؟ هل تريد أن تقول لنا ومن خلال فكرتك ولباسك أنتم نائمون ونحن نفعل ما يحلو لنا في مستقبلكم؟ إن كان هذا ما تريد أن توصله نقول لك: نحن غير نائمين ونعرف ماذا تخططون له، فكرتكم هذه غير مقبولة، لكن جوليان كان عصبيا وقال: كنتم 20 ‘ اليوم لا تحصلون على 5 ‘!.. طبعا توتر الجو وضاعت القضية الإنسانية التي كانت تقوم بها هند الحسيني وكأنها كانت مجرد غطاء لفكرة الاحتلال وقضم الأراضي شبرا وراء شبر. ومع فيلم ‘لعبة عادلة’ للمخرج الأمريكي دوغ لايمن الذي عرض فيه أكاذيب المسؤولين الكبار في البيت الأبيض حول وجود أسلحة دمار شامل وكانت ذريعة كاذبة لاجتياح العراق. يدور الفيلم في منطقة رمادية بين الحقائق الخاصة والأكاذيب العامة، ويحكي القصة الحقيقية لعميلة الاستخبارات الأمريكية السرية، فاليري بلايم (ناومي واتس) التي دمرت حياتها حيث وصل زوجها إلى حافة الانهيار، حينما تم الكشف عن هويتها السرية، من خلال تسريب إعلامي تم القيام به لتحقيق مآرب سياسية. تجري فاليري، الضابط السري في فرع محاربة تهريب السلاح في المخابرات المركزية، تحقيقا حول وجود أسحلة دمار شامل في العراق، بينما زوجها الدبلوماسي جو ويلسون (شون بن) يقاد إلى التحقيق لكي يثبت صفقة بيع مزعومة لليورانيوم المخصب مصدرها النيجر، لكن تتجاهل الإدارة الحقائق التي يتوصل إليها وتقوم بالحرب العدوانية تحت ذريعة السلاح النووي. وفي لقاء الإعلاميين مع المخرج دوغ لا يمن وجهت ‘القدس العربي’ سؤالا حول إمكانية إنتاج فيلم يطالب فيه الشعب الأمريكي بمحاكمة بوش وتشيني ورامسفليد، وما سبب هؤلاء للشعب الأمريكي من متاعب اقتصادية بسبب الحرب، إضافة إلى معاناة الشباب الأمريكي الذين فقدوا وشوهوا، وكان الرد على السؤال: ‘هذا يجب أن يحدث لكن على ما أعتقد أن الأمريكيين تعبوا من هذه الحرب وهم لا يريدون أن يتذكروا، لأن تذكرها ومن عمل فيها يكون متعبا لهم، إن الناس تريد أن تنسى هذه المرحلة’. هناك أفلام شاعرية وكأنها أحلام تناولت جوانب إنسانية جميلة ومؤثرة، مثل فيلم ‘أرواح صامتة’ الروسي الذي يحكي قصة بسيطة عن وفاة زوجة ميرون من شعب المريان ذي التقاليد الخاصة. ويرافق الموظف أيست مديره ميرون في رحلة طويلة لنقل الجثمان إلى ضفاف نهر الفولغا، حيث تحرق الجثة. وأيست يحلم بالموت في النهر منذ وفاة والده الشاعر حزنا على زوجته، لكنه لا يقبل فكرة الانتحار لأن المريان لا يؤمنون بالموت قبل الأوان. لكن الرجلين ينتهيان غرقا في النهر في حادث سير على الجسر. ولغة الصمت المعبر في هذا الفيلم، إضافة إلى ولع الكاميرا الروسية بمناظر الطبيعة هي التي تمنح المشاهد تلك المتعة الشاعرية، رغم حادثة الموت والحرق. وكان هناك فيلم إيراني جميل (غيشير) يرصد حياة ثلاثة من العمال المهاجرين للعمل في منطقة الخليج بأشغال مختلفة ويعيشون بمودة وتعاون، رغم قسوة الحياة البائسة التي يعانونها. وقد حصل هذا الفيلم على جائزة ‘اللؤلؤة’. أما فيلم (الحفرة) عن مرحلة الثورة الثقافية في الصين فقد كان مزعجا لدرجة أن العديد من المشاهدين لم يحتملوا مشاهد أكل الجرذان والقيء، ويبدو أن منتج الفيلم ومخرجه يهدفان إلى مهاجمة الصين الشيوعية بشكل عشوائي، وربما إرضاء للغرب ورأسماليته المتوحشة. صحيح أن هناك جوانب سيئة في تلك الثورة، لكن تلك المرحلة هي التي دفعت بالصين إلى ما وصلت إليه من تقدم وازدهار.
أما فيلم (كرنتينة) للمخرج العراقي عدي رشيد، فهو يرصد حياة مجرم من المرتزقة تستأجره مؤسسة إجرامية لقتل العلماء، كما فعلت الموساد الصهيونية، ولكنه ينتهي بالقتل وإلقاء جثته في دجلة لأنه خالف الأوامر في طريقة التنفيذ.
ونعود إلى فلسطين وفيلم (وطن) لجورج سلاوزر هولندا المتعاطف مع القضية الفلسطينية والذي قدم أكثر من فيلم في السبعينيات والثمانينيات. ويبدو من وجهة نظر المخرج الإنساني أن آفاق السلام مسدودة بسبب ما تفعله دولة الاحتلال. وإذا كان من الصعب استيعاب وعرض ملخص لأهم الأعمال التي عرضت، لكن يطيب لي أن يكون مسك الختام في هذا الموضوع مع الفيلم القصير ‘الدرس الأول’ للممثلة الفلسطينية المتألقة عرين عمرين، وهي تجرب الإخراج لأول مرة في هذا الفيلم بمساعدة زوجها المخرج المعروف رشيد المشهراوي. تحاول سلمى أن تتخلص من أجواء الاحتلال وتسافر للدراسة في فرنسا، لكنها في الدرس الأول والطلبة يقدمون أنفسهم مشيرين إلى وطنهم على الخريطة.. وتضع سلمى يدها على فلسطين قائلة: (من فلسطين)، لكن طالبة إسرائيلية تضع يدها على خريطة فلسطين وتقول: (إسرائيل)! وهكذا يظهر الصراع على أرض فلسطين بين شعبها ومحتليه من الدرس الأول. وينقسم الطلبة إلى قسمين.. وتضطر المعلمة إلى إنهاء الدرس، وينتهي الفيلم وسلمى تجلس على درج الجامعة وهي تقضم لقيمة من كعكة من الخبز الفلسطيني.