جنوب الأردن له أدوار تاريخية في نشوء الكتابة العربية و’ اللغات السامية’: عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض خلص المهندس المعماري والفنان التشكيلي د.
علي الغول إلى ‘أن جنوب الأردن له أدوار تاريخية في نشوء الكتابة العربية، وتحديدا كتابة وادي رم، هي أصل الخط المسند، وتطور ذلك الحرف إلى أن وصل إلى قوم عاد وثمود وأطلق عليه الخط الثمودي، ويظهر ذلك جلياً في النقوش المربعة’، التي يصفها بورزاتي ‘بكتابات أصحاب القوافل الرحل أو التجار أي القبائل غير المستقرة’ بحسب الغول، في محاضرته المعنونة ‘الجذور التاريخية والمعمارية للحروف العربية منذ نشأتها حتى الآن’، حول كتابه الجديد الذي يحمل العنوان ذاته، وذلك في إطار نشاط ‘كتاب الأسبوع’ الذي درجت على تنظيمه المكتبة الوطنية في العاصمة عمان، وأداره الزميل مجدي التل، إلى أن منطقة جنوب الأردن لها أدوار تاريخية في نشوء الكتابة العربية. ويستند الغول إلى الباحث الجيولوجي الإيطالي البروفسور ادواردو بورزاتي وبعثته التي قامت بالتنقيب في وادي رم جنوب الأردن’ في العام 2003، ليخرج البروفسور بورزاتي ‘بنتائج بحوثه وتنقيباته مفادها نظرية جديدة تقول: ‘إن النقوش المنتشرة في وادي رم هي شاهد على وجود كتابات عربية قديمة يرجع تأريخها إلى عصر النحاس (أي أقدم من الكتابات السومرية). (بورزاتي 2003). ويؤكد الغول ‘أن نقوش وادي رم تكشف عن الحلقة المفقودة بين الحروف العربية الشمالية والجنوبية، وأن الحرف العربي الحديث يشكل الامتداد الفني والشكلي لأصول الكتابة وتطورها إلى حروف منذ ما قبل العصر الحجري الحديث – العصر الحجري النحاسي – في الأردن’، مبينا أن ‘عصر التأريخ للحضارات البشرية بدأ بظهور الكتابة، أي ببداية استعمال الكتابات التسجيلية، مبينا أنها كانت في البداية رموزاً تصويرية، ثم تطورت كما هو شائع لدى الجميع إلى رموزٍ مقطعية بصور مرسومة ترمز إلى الصوت، مثل الكتابة السومرية القديمة وكتابات وادي النيل.
ويبين الغول أن ‘الكتابة المقطعية اخترعت منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد بالمسمارية المعروفة في بلاد الرافدين (3600 ق.
م.) والكتابة الهيروغليفية في وادي النيل (3400 ق.
م.) تقريبا، منوها إلى أن ‘أول أبجدية كانت رموزا ترمز إلى الصوت الصامت، وهي الأبجدية الكنعانية المسمارية (1400 – 1300 ق. م). ويذهب الغول ـ الفنان التشكيلي والمعماري – إلى أن ‘أصل الحرف العربي من خلال شكله الإنشائي وهيكليته المعمارية ونظريات نشوئه وتطوره، إضافة إلى تسلسل جذوره العميقة في الحضارات الأولى منذ بداية التاريخ حتى الآن، ومحاولة اكتشاف الأصول الحضارية للحروف في الكتابات العربية القديمة، وفي الكتابات العربية الراهنة’، مبينا ‘أن أول أبجدية للكتابة اللينة هي الفينيقية (الكنعانية) وتدعى (أبجدية بيبلوس)، وظهرت حوالي سنة 1300 ق.
م. ومن هناك انتشرت إلى جميع أنحاء العالم شرقا وغربا، منوها إلى أنه في العام 1904 اكتشفت نقوش ألفبائية قديمة في شبه جزيرة سيناء فخرجت نظرية جديدة تدعى (الكتابة السينائية الأم) التي تقول إن تلك الأبجدية أقدم أبجدية في العالم، ومنها استمد الفينيقيون أبجديتهم’. وأكد المحاضر أن كثيرا من علماء حروف الخط العربي اتفقوا على أن الكتابة النبطية هي أصل الكتابة العربية، ومن أشهر من دعا لهذه النظرية هو د. ناصر الدين الأسد في رسالته العام 1956 (الأسد 1988). وكانت عماد تلك النظرية النقوش المكتشفة في سيناء وأم الجمال وحوران، إذ أظهرت النقوش التطور التدريجي لتحول الكتابة النبطية إلى العربية. بعد ذلك تم اكتشاف نقوش في مدينة الحضر، خطوطها أقرب إلى العربية الحديثة، وفق الغول.
ويشير الغول ‘إلى نشوء نظرية جديدة تبين أن الكتابة الحضرية أصل الكتابة العربية الحالية، ومن أصحاب تلك النظرية الخطاط العراقي يوسف ذنون (ذنون1989)، مبينا أن الخطوط السامية هي خطوط عربية ومنتمية تاريخيا – جغرافيا إلى شبه الجزيرة العربية بحدودها من النيل غربا إلى دجلة والخليج العربي شرقا، ومن البحر العربي وبلاد اليمن السعيد جنوبا إلى بلاد الشام وديار بكر شمالا.
ويرى الغول أن اللغة السامية ‘أي العربية القديمة’ تمتدّ لتشمل جميع اللهجات العربية القديمة، بما فيها الآشورية والبابلية والمصرية القديمة والعبرية والحبشية، مبينا أن اللهجات العربية استعملت ‘اللغات السامية’ كتابة أبجدية لها أصل واحد.
وقال الغول إن أول الكتابات لدى الدول العربية القديمة (العرب العاربة) بدأت وتبلورت في محيط دولهم وانتهت بانتهاء تلك الدول، نظراً لخضوع تلك الكتابات لأطر حضارية صارمة ومقيدة بتراث حضاري تليد منعها من التطور السريع.
وأشار إلى أن أقدم النقوش الرمزية التي تحولت إلى حروف هجائية نشأت وانطلقت من منطقة وادي رم ووادي عربة، متجهة جنوبا إلى الحجاز واليمن، ثم غربا إلى النقب وسيناء إلى فينيقيا، ثم اتجهت بحرا إلى جزر اليونان وإيطاليا (الإتروسكيون ثم الرومان). ويرد الغول الفضل إلى القوافل العربية التي ‘كان لها فضل في تطوير وحفظ ونشر هذه الكتابة إلى جميع اتجاهات العالم القديم، حيث كانت هذه القوافل حلقة الاتصال بين دول وشعوب المنطقة، عملية تبادل التجارة بطبيعتها تحتاج إلى وسيلة توثيق وتسجيل’. ورأى الغول أن منطقة جنوب الأردن عموما ومنطقة وادي رم خاصة كانت تشكل ‘السرة الثقافية’ للعالم في ذلك الحين، بحكم موقعها على تقاطع الطرق البرية والبحرية، كما أنها تتمتع بوفرة الماء والكلأ. ونوه إلى أن منطقة جنوب الأردن هي وحدة جغرافية واحدة تدعى ‘عسير’ وتمتد من البحر الميت إلى مدينة آيلة (العقبة) على البحر الأحمر طولا ومن وادي رم مرورا بمدينة البتراء ثم صحراء النقب فسيناء عرضا. وذكر المحاضر أنَّ الاكتشافات الحديثة للنقوش المتوفرة في وادي رم، والتي تعود أحياناً إلى الألف الرابعة أو الخامسة قبل الميلاد قد تؤكد على أنها تشكل جزءا من أصل الحروف الهجائية العربية، وهي أقدم من النقوش السينائية.
ويذكر أن د.
علي فايز الغول (مواليد العام 1938)، فنان ومعماري وحاصل على شهادة الدكتوراه في الهندسة المعمارية، عضو هيئة التدريس في قسم هندسة العمارة في الجامعة الأردنية.
درس الهندسة المعمارية وحصل على الدكتوراه في الهندسة المعمارية من جامعة فلورنسا في إيطاليا. أقام عشرات المعرض التشكيلية في الاردن والوطن العربي ودول العالم.
أصدر عدة مؤلفات، كما كتبت عنه مؤلفات أخرى: ومنها: ‘بانوراما الفن التشكيلي في الأردن، الفنان علي الغول – حياته ونقده’، (1990) تأليف محمد أبو زريق وأحمد الكواملة.