النوتة الزرقاء

حجم الخط
0

عناية جابر

في جلسة هادئة سألت سيدة عجوز الموسيقي الكبير فاتس وولر: ما هو الجاز يا سيدي؟ فأجابها وولر متنهداً:’إن لم يكن لك يا سيدتي معرفة بهذا النوع من الموسيقى، فمن الخير لك عدم التوّرط في معرفته’. من الطبيعي ان هذا الجواب إنبثق عن وجهة نظر خاصة بالموسيقى. من الطبيعي أيضاً، أن الموسيقي الكبير لا يريد للسيدة، وهي عجوز على ما ذكرنا، التورّط في دائرة حزن جهنمية.

أنا متورّطة بالجاز حتى أذنيّ، أسمعه من مصادره في نيو اورلينز، كما أسمعه في تشكّله على امتزاج بين موسيقى غرب أفريقيا، وبين الموسيقى الأوروبية، في صفات لهما مشتركة تكشف عن روابط وتأثيرات. ولعل الإيقاع بشكل أساس هو وجه الشبه الأوضح بين هذين النوعين، ويتمثل الإيقاع هذا(وهو بالمناسبة غير مكتوب في القطع الموسيقية، بل مُتفق عليه فحسب بين الموسيقيين العازفين) بما يُسّمى الـ’مارش’ الأساسي ونسمعه واضحاً في موسيقى الفرق النحاسية في نيوأورلينز مع إضافة شيء عليه لا أعرف تسميته يُشعرك ان الموسيقى تتثنى وتتلوى، ومن الأكيد ان هذا الشيء الذي لا أعرف تسميته، غير موجود في الموسيقى الأوروبية. مناسبة العودة الى الكتابة في موسيقى الجاز، أحد تسجيلات لويس ارمسترونغ، تلقيتها هدية من صديق في رحلتي الأخيرة الى امريكا، أعتبرها هدية نادرة لتسجيل نادر للموسيقي عازف الترومبيت والمغني ‘الملك’ للجاز.

أسمع الأداء السحري لتبدل الصوت الذي ألهم في ما بعد عازفي الجاز البيض. تسجيل يعود لعام 1928 مع فرقة موسيقية مصاحبة خاصة بأرمسترونغ تتنقل الألحان بين خمسة عازفين وسبعة عازفين(هات فايف، وهات سفن) يغنيّ فيها على طريقة (سكات) أي يرتجل مقاطع لفظية لا معنى لها لتقوية الإيقاع وإنعاشه، مستخدماً الأسلوب ذاته في العزف على الترومبيتما يُذهل السامعأسمع بداية الإيقاع الثابت للترومبيت، ترافقه ضربات إيقاعية موازية يوقعّها أرمسترونغ بقدمه، لا تلبث خبطاتها أن تتسارع، فيما أرمسترونغ في غنائه وعزفه يُشدّد نبرات صوته إنسجاماً مع ضربات قدمه، وبين الفواصل الفارغة لتلك الضربات.

أجزم أن أرمسترونغ في هذا التسجيل الذي أسمعه غالباً، قد حطّم الرقم القياسي لموازين الإيقاع حتى أوصله الى جزء من واحد فوق ستة عشرة(الإيقاع التقليدي 4/4 أو على الأكثر تكون سرعته مضاعفة) وما فعله أرمسترونغ هو الإجراء المُعجز للجاز.

أسمع أرمسترونغ في:’ما هذا الشيء المسمى حباً’ في بوق يجر اللحن الى الإيقاع، ثم يلحقه بالغناء، يتأخر عنه ثم يسبقه، مُنوعاً بذلك جزئيات الضربة الواحدة ما يخلق حالا إنفصامية تماماً، كما لو انك تُدلّك معدتك في اتجاه يغاير اتجاه قمة رأسك، تلك الحركة المعاكسة التي تفتن، وتمنح الجاز نفسه دون سواه، الرونق والسحر. هناك تعبير مأثور لأحد علماء الموسيقى البارزين ريتشارد واترمان يقول فيه:’إن كان حسّك المترونومي(الإيقاع الموسيقي) متطوراً الى درجة رفيعة، فإنك تستطيع الشعور بأساس الإيقاع حين تستمع الى رشيش من النبرات المتناثرة عليه’ . أرمسترونغ تمتّع بحسّ مترونومي بالغ الرهافة، وهو حين كان يريد ان يُسقط عازفاً لا يُحسن الجاز يقول عنه بأنه لا إيقاع له – وهذا بالطبع انتقاد مُدمّر، لا يوجد ما هو أقسى منه – وهذا يعني أنه يطعن في حسه المترونومي ما يكفي للإطاحة به. قوة الإيقاع بادية أيضاً لدى الفرقة المصاحبة للغناء، التي تميّز عزفها بخاصية إيقاعية واتسم بميزة أخرى أيضاً لها نفس الأهمية، وهي النوطة الحزينة، أو اللحن المغموم الكئيب، كذلك في درجة النغم وفي السلم الموسيقي ذي التكوين الحزين. يخلق أرمسترونغ ملك منشدي الجاز، جداراً شاهقاً من النغم الحزين، وهذا ليس مرتبطاً بالإيقاع وحسب، فنجده في اللحن البطيء كما في ‘الليل الصامت’ مُضافاً إليه بعض الزخرفات التي تأخذ بمجامع القلوب. من صوت أرمسترونغ وبوقه تنتثر الأزهار والريش في فوضى جميلة جذابة. وهو استطاع أن يحطم قواعد الغناء فنسمعه يتنفس أثناء الكلمات التي يشدو بها، وبهذا التنفس الذي لا يكاد يُسمع، كانت تُدمج الكلمات بعضها ببعض، فلا نشعر نحن السامعين بالثغرات أو الفراغات، بل بالتعابير الشعورية الساخنة والطالعة من أعماق حنجرة ملائكية لاحدود لروعتها. من ميزات بوق أرمسترونغ أيضاً، ذلك الدمج في السلم الموسيقي لدرجتين هما الصوت الثالث والصوت السابع (ال مي بيمول وال سي بيمول في سلم ال دو) يلعب عليهما أرمسترونغ بطرق متنوعة، ثرية وذكية، تتراوح بين الإنقضاض والتدّرج والربط والتراخ والإنزلاق، وبكلمة أخرى يأخذ أرمسترونغ نوتات معينة ويجمعها بصــــورة جمــيلة، بالأحرى عنيفة وجميلة مع ذلك، ومن البديهي كما أسمع الآن، انه كان يعرف ماذا يفعل.

قد تعود من بلد ما، وحقيبتك ملأى بالهدايا، ثياب وتذكارات غير ذات شأن، تضيع ويختفي توهجها بعد حين. تسجيل لأرمسترونغ يبقى طويلاً يرتق ثقوب الروح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية