لندن ـ ‘القدس العربي’: تفاوتت ردود الافعال في الصحافة البريطانية على كلمة رئيس وكالة الاستخبارات الخارجية (ام اي -6) سير جون سويرز من رافض لها الى متقبل لها ضمن عمل الدولة الديمقراطية التي توازن بين مطالبها القومية الامنية وحرصها على حماية الحقوق الانسانية، فكلمته التي القاها امام جمعية محرري الصحف نقلت مباشرة على التلفزيون يوم الخميس، وهو اول خطاب يلقيه مسؤول امني كبير ورئيس الجهاز منذ 100 عام اي تاريخ تأسيس الوكالة. وقالت جمعية الدفاع عن السجناء السابقين ‘ربريف’ والتي تدافع عن بينام محمد، المواطن الاثيوبي المقيم في بريطانيا والمعتقل السابق في غوانتانامو والذي ورد اسمه في كلمة المسؤول ان الامن القومي مهم للوكالة ومن حق الوكالة التكتم على المعلومات الا ان استخدامه كغطاء هو بمثابة انتهاك لهذا الحق. وعلقت منظمة العفو الدولية على كلمة المسؤول الامني حيث قالت كين الين من المؤسسة ‘انه وبناء على الادلة المتراكمة حول ضلوع بريطانيا في انتهاكات حقوق الانسان في الخارج منذ عام 2001 بما فيها التعذيب، فمن المستغرب قول رئيس الاستخبارات ان بريطانيا ‘لا علاقة لها بالتعذيب. وفي افتتاحية ‘الغارديان’ تحت عنوان ‘سر مفتوح’ اشارت فيها لتاريخ ‘ام اي- 6’ الذي ظل سرا حتى اعترفت الحكومة البريطانية بوجودها عام 1994. وقالت ان حديث مسؤول فيها بشكل علني كان واحدا من ‘محظورات’ القرن العشرين، ولم يتم كسر المحظور الا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، حيث قامت حكومة جون ميجر بكسره. وترى الصحيفة انه بعد 16 عاما من انكشاف الوكالة وخروجها للعلن لا يزال التاريخ السري يلقي بثقله على طريقة عملها وهذا ما توضح في خطاب سويرز وفي الطريقة التي تتعامل فيها الحكومة مع مشاكل الامن القومي والتعذيب والعراق والتي تمت عبر اجراء تحقيقات وقرارات تحد او تفتح امام السلطات التشريعية والقضائية الباب للمساءلة والبحث. وترى ان عملية المحاسبة والشفافية في عالم الاستخبارات لا زالت جزئية. وركزت على اهم موضوعين طرحهما سويرز وهما التشارك في المعلومات الامنية والتعذيب. ومع موافقتها مع اشكالية ومعضلة الموازنة بين ما هو خطر وحق انساني الا انها ترى ان العمل السري يجب ان يظل سريا لانه لا يمكن القيام به في ظل اضواء اعلامية ولكن الاهم من ذلك هو الخدمات السرية التي يجب ان تحصل على درجة الثقة والقبول بمبدأ المحاسبة وهو ما تحتاجه المؤسسة الامنية لمواصلة اجراءات التطبيع المطلوب في القرن الحادي والعشرين. وخصصت صحيفة ‘التايمز’ واحدة من افتتاحياتها للكلمة قالت فيها ان سويرز في كلمته عزز فهم دور الاجهزة الامنية في حديثه العام ودفاعه عن متطلبات الأمن والسرية. مشيرا الى مشكلة العمل الامني ومعضلتها في ظل في الانظمة الديمقراطية الدستورية، التي تتطلب اجراء موازنة بين سرية العمل الاستخباري والشفافية التي تطبع عمل الحكومات الديمقراطية. واشارت الصحيفة الى محاولة رئيس الوكالة التأكيد أن عناصر المخابرات البريطانية لن يمرروا أي معلومات عن خطط ارهابية إلى حكومات اجنبية إذا كان هناك خطر بتعرض المشتبه فيهم للتعذيب في ظل هذه الحكومات، وفي ذلك رد واضح على التشويه الذي شاب صورة بريطانيا بعد الادعاءات التي تحدثت عن اساءة معاملة مواطنين بريطانيين في معتقل غوانتانامو او عن تسفير غير قانوني أو احتجاز في سجون سرية. ففي وصف سير جون سويرز التعذيب بانه امر بغيض ولا تقوم به الوكالة او حسبما قال ترفضه. واكد سويرز ان وكالته تتجنب اي افعال تقود للتعذيب لكنه طالب بمنع المحاكم من الكشف عن المعلومات الامنية سواء كان مصدرها الخدمات السرية الخارجية او الاستخبارات المركزية الامريكية (سي اي ايه). لا نتعاون مع وكالات تمارس التعذيب وقال ان وكالته رفضت تقديم معلومات عن اشخاص لدول اجنبية في حالة قادت هذه المعلومات لتعذيب المعتقلين. واكد المسؤول الامني البريطاني الكبير المعضلة التي تواجهها وكالته فمن ناحية تريد حماية ارواح المواطنين من الهجمات الارهابية ومن ناحية اخرى ترغب في الالتزام بحقوق الانسان وتجنب الانتهاكات. فمع ان الوكالة تتعاون مع وكالات اجنبية معروفة بسجلها الفقير في احترام حقوق الانسان الا ان هذا التعاون يؤدي احيانا كثيرة الى منع هجمات ارهابية. واكد المسؤول الذي يرمز اليه بحرف ‘سي’ على اهمية منع المحاكم من الكشف عن معلومات امنية مصدرها الاستخبارات الاجنبية خاصة سي آي ايه المتورطة في حالات تعذيب والتي تعمل معها المخابرات الامريكية بشكل لصيق. واكد المسؤول قائلا ان ‘التعذيب بغيض وغير قانوني تحت اي ظرف من الظروف ولا علاقة لنا به’. واضاف قائلا ‘ في حالة معرفتنا ان افعالا من جهتنا ستؤدي الى التعذيب، فقوانين بريطانيا والقوانين الدولية تمنعنا حتى لو انها ادت الى استمرار النشاطات الارهابية’. وفي تعليقه على التناقض هذا قال ان البعض قد يطرح اسئلة حول طريقة تعاملها مع الامر الا ان ‘ام اي- 6’ ‘ تعمل جهدها للبحث عن طرق جديدة متساوقة مع حقوق الانسان من اجل الحصول على النتائج التي نريدها’، ولم يقدم سويرز اية معلومات حول الكيفية التي يتم فيها استخراج المعلومات من المعتقلين دون تعريضهم للتعذيب. كما انه لم يتحدث عن طبيعة المعلومات الامنية التي تتلقاها وكالته من عملائها وكذا من الوكالات الامنية الاجنبية. وفي العالم الامني يقول سويرز انه لا توجد طريقة واحدة للحصول على المعلومات، وحسب مسؤولون في مكافحة الارهاب فانه من الصعوبة بمكان تحديد الطريقة التي تنبثق منها المعلومة وتحديد طريقة الحصول عليها بالتعذيب او غيره. واكد سويرز اهمية التوازن في التعامل مع المعلومات الامنية وأهمية القرارات التي يتخذها المسؤولون في مؤسسات الحكومة في اشارة غير مباشرة الى التعليمات الجديدة التي تعمل من خلالها وكالة الامن الداخلي ‘ام آي ـ 5’ و ‘ام آي ـ 6’ ومسؤولية الوزراء عن قرارات تتعلق بالامن.500 طلب للمصادقة على عمليات وتشير صحيفة ‘الغارديان’ التي علقت على كلمة المسؤول الامني ان ام اي- 6 تقدمت في العام الماضي الى وزير الخارجية السابق ديفيد ميليباند بخسمئة طلب للقيام بعمليات والتي لو تمت المصادقة عليها لأدت الى ممارسات غير قانونية والى احراج حالة الكشف عنها. ومن هنا اشار سويرز الى صعوبة عمل مؤسسته والمخاطر التي تنشأ عادة من اشخاص خطرين في اماكن خطرة ‘لا يمكننا القيام بمهتنا لو عملنا مع دول ديمقراطية صديقة، لان المخاطر عادة ما تأتي من الاشخاص الخطيرين في الاماكن الخطرة، ومن هنا علينا ان نتعامل مع العالم كما هو’. ورحب سويرز بقرار الحكومة تعيين سير بيتر جيبسون للتحقيق في ادلة عن تورط وكالتي الامن الداخلي والخارجي في حالات تعذيب ومعاملة غير انسانية لمعتقلين، وهذه الحالات تضم بينام محمد، المواطن الاثيوبي المقيم في بريطانيا والذي اعتقل في باكستان وعذب في افغانستان والمغرب قبل نقله الى غوانتانامو.
وكانت الحكومة الامريكية قد عبرت عن غضبها هذا العام عندما قامت محكمة استئناف باصدار قرار سمحت فيه بالكشف عن تقرير قدمت سي اي ايه للاستخبارات البريطانية ويتعلق بحالة بينام. وعلق سويرز على حق الوكالة فيما اسماه ‘مبدأ التحكم’ بالمعلومة لانه في حالة استمرار الخروقات فان المعلومات الامنية ومنابعها ستجف، وعليه عبر عن رغبته في منع المحاكم في المستقبل من الكشف عن معلومات حساسة. وفي الوقت الحالي تقوم الحكومة البريطانية بمحاولة منع الكشف عن معلومات تابعة للاستخبارات البريطانية في قضية تقدم بها معتقلون سابقون في غوانتانامو. وتحدث في السياق نفسه عن ‘ورقة خضراء’ تعدها الحكومة وتشتمل على قيود وتعليمات حول ما يمكن للمحاكم الكشف عنه. ووصف سويرز، ام اي 6 بأنها ‘ الجبهة السرية للامن القومي’ البريطاني. ومن ضمن اعترافات المسؤول قوله ان الخطر في مرحلة ما بعد هجمات ايلول/سبتمبر 2001 كان مباشرا وملحا ‘ومع اننا اتهمنا من البعض بأننا لم نرتكب التعذيب، لكننا كنا قريبين منه’.