والمطمورون في الزمن

حجم الخط
0

عيد اسطفانوس هذا هو الفارق بين صناعة الحياة وصناعة العدم، هذا هو الفارق بين الاحتفاء بها (كصنعة إلهية) وبين الاحتفاء بنقيضها بثلاثة أيام من المسامرات وكاميرات الفيديو وأقداح القهوة، هذا هو الفارق عندما تسخر الارادة البشرية المواهب والقدرات التي منحها الخالق إياها في أسمى ما يمكن أن يفعلة بشر مع بشر: وهو إحياء نفس، إحياؤها من كارثة أو من فقر أو من جهل أو من مرض، من دون شروط مسبقة، أما أن تسخر نفس المواهب في إشاعة العنف والكره والجهل فهو أسوأ ما يمكن أن يفعله بشر ببشر. هذا هو الفارق بين حفر نفق إلى المستقبـــل لاستشراف الحياة وإنقاذ أرواح الناس، وبـــــين حفر أنفاق إلى الماضي لوأدها، فالبشر الذين طمروا على بعد سبعمائة متر من سطح الارض وحوصــــروا بملايين الاطنان من الركام سهل انقاذهم عندما انتـــصرت الإرادة السوية للبشر: إرادة الحـــياة. أما البـــشر الـــذين طمروا على بعد سبعمائة سنة ترى هل تتمكن تلك الحفارات اللولبـــية من انقاذهم، تلك الحفارات التي استطاعت اختراق هذه الطبقات من الجيولوجيا الوعرة، ترى هل تستطيع أن تخترق هذه الطبقات الصلدة من القرون المتكلسة المتراكمــة، تلك التي عصى النفاذ إليها، رغم المحاولات المضنية التي قادهــــا رواد أوائل لكنـــهم فشـــوا فشلا ذريعا، فشلوا في اختراق هذه الطبــــقات السمـــيكة من ثقافة الاختباء والغوص إلى أقصى عمق خشية مواجهة الحياة والتزاماتها الانسانية، الالتزامات الانسانية التي قررها الخالق على كل البشر. والمطمورون في الزمن استمرأوا العيش تحت سطحه بعيدين عن الواقع، وأنشأوا لأنفسهم زمنا افتراضيا وصدقوه، وتركوا الزمن الحقيقي يجري فوق رؤوسهم ويسبقهم وتزداد الشقة اتساعا بينهم وبينه كل يوم بل كل ساعة بل كل دقيقة لا بل كل ثانية، والعودة إليه باتت مستحيلة، ومؤسسات النصب المتعددة الجنسية تتملقهم بأساليب متقنة لمداهنتهم وسحب أرصدتهم، وتصنع لهم بضائع تناسب الحقب التي يتوهمون العيش فيها، بدءا من البنوك الدينية وحتى (اللحم الحلال) في حواري باريس ولندن، مرورا بأدوية السعال ومستحضرات التجميل الخالية من الكحول وشحم الخنزير. والمطمورون في الزمن أصبحوا عبئا على بقية سكان هذا الكوكب يمارسون ثقافة دفن الرؤوس ليوهموا أنفسهم أنه لا يوجد غيرهم في الكون، ومن يقول بغير ذلك فهو يروج لضلالات تستوجب الاستتابة حتى يعود لصوابه، حتى منجزات العصر (الحديث) التي تجري في شوارعهم وفي شرايينهم منحوها تفسيرات مزورة لتعفي ضمائرهم من أي تأنيب عندما يسألون عن مدى مساهمتهم في أي إنجاز حضاري طيلة هذه القرون الطويلة ولو حتى بقصافة أظافر للأطفال، بينما ينعمون بمنجزات بحث مضن وعرق وكد لأناس يعملون من الفجر وحتى الغروب ثم لا يخجل دعاتهم من وصفهم بالقردة والخنازير. والمطمورون في الزمن مغلوبون على أمرهم يصطنع لهم (مرشدوهم) القضايا المناسبة للحقب التي يروجون لها، قضايا من الماضي السحيق غيبيات عفا عليها الزمن، وبينما ينشغل الناس على سطح الزمن بأبحاث (النانو والممز) التي ستغير وجه العالم قريبا جدا، ينشغل هؤلاء بأبحاث التأثير الاعجازي لإعفاء اللحية على فحولة الرجال وفتاوى إرضاع الكبير وبول الابل والحجامة، والكثير مما يروج له هؤلاء المدلسون الذين لا هم لهم سوى الاحتفاظ بهؤلاء دائما تحت السيطرة، الاحتفاظ بهم دائما تحت سطح الزمن بعمق كاف حتى تسهل قيادتهم، وكي تظل عقولهم محصورة في هذه المدارات، مع الأخذ في الاعتبار الإسراع بغلق أي كوة قد يجرؤ على فتحها متمرد مارق. ولم يكتف هؤلاء بوضعهم المأساوي، حيث الثالوث المهيمن الفقر والمرض والجهل، بل يريدون جر هذا الكوكب كله إلى تلك الاعماق السحيقة، وأعلنوا (الجهاد) المقدس لتحقيق هذه الغاية (النبيلة) ورصدوا البشر والمال لهدم المعبد على رؤوس الجميع والعودة بالبشرية إلى نقطة البدء. والأخطر في كل ذلك هو تنامى تيارات عنصرية مضادة على الشاطئ المقابل، تؤصل لتكتل لمواجهة (الخطر القادم) وبعد أن كان ذلك مجرد آراء متفرقة تعلن على استحياء، أصبح رأيا عاما في كل أوروبا وأمريكا، وبدأت الاحزاب اليمينية العنصرية التي كانت مرفوضة في مجتمعاتها، تحصد الاصوات حصدا في ألمانيا وفرنسا والنمسا وإيطاليا وغيرها، وأصبح لها ظهير شعبي ينمو كل يوم، وبالإضافة لقضايانا التاريخية التي تم تهميشها، تدفع الاقليات العرقية في هذه المجتمعات الثمن باهظا، بدءا من نظرات الريبة في الموانئ والمطارات والشوارع وحتى فرص العمل، مرورا بالتضييق عليهم في كل مناحي الحياة بعد أن نجحت الميديا في حفر صور الدماء ومشاهد الموت في نيويورك ولندن وباريس ومدريد على كل الخلفيات، ويقينا نحن لا نعرف ما هو السيناريو المتوقع لموجات التهديد والوعيد التي تنطلق من صحارينا ومعها موجات الاستفزاز المنظم لهذه المجتمعات، لكننا نعرف يقينا أن هذه المجتمعات بناها أصحابها بالعرق والدم ولن يسمحوا لأحد بالاقتراب منها، وهم يملكون من البدائل (الخطرة) المتاحة للدفاع عن أنفسهم ومنجزاتهم ما قد لا يخطر لنا على بال، أو قد يخطر ككابوس ونكتفي (بالعذبلة)، أما البديل الآمن فهو فتح ثغرات متسعة ليدخل النور ويطرد جحافل الظلام التي احتلت العقول وتحدث المصالحة التاريخية بين الأزمنه المتخاصمة، وتلك مهمة كل من يدعي أنه مهموم بمستقبل هذه الرقعة من هذا الكوكب. ‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية