لا تبدو لي مناقشة حاجة الأمة العربية والإسلامية إلى نهضة حضارية في جميع مجالات الحياة أمراً يحتاج إلى كثير نقاش وإقناع، فالأمر واضح للعيان ولا يحتاج إلى كثير من البيان. ولكن الذي قد يحتاج إلى ذلك البيان هو تلك الأفكار التي نحتاجها لنحدث النهضة الموعودة للأمة بإذن الله تعالى والتي سأستعرض بعضها من وجهة نظري الشخصية.
استيقظ وعينا في هذه الحياة على واقع حالي وتاريخ قريب يشير في كل تفاصيله إلى أننا أصبحنا في ذيل الأمم حضارياً، بل قد يذهب بعض المتشائمين إلى أننا لسنا أكثر من أمة تابعة سياسياً للغرب وأسيرة اقتصادياً للشرق وللغرب ومستعمرة ثقافياً من الغرب أيضاً. فأول ما يكبر وعي الطفل فينا على أمر التسليم بأن أمرنا السياسي بيد الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً حتى قال أحد رؤسائنا إن 99′ من أوراق اللعبة في يدها. وحين يبدأ هذا الطفل باللعب في ألعابه يجد عبارة (صنع في الصين) تزينها جميعها، فلا يكاد يجد تفسيرا لماذا لا تصنع بلاده هذه الألعاب على بساطتها. أما إذا كبر قليلا وأصبح قادراً على استقاء الثقافة من ينابيعها سيجد أن الذوق قد أصبح يستسيغ ما هو أجنبي ومستورد ولا يكاد يتقبل ما هو عربي إلا اللهم إن كان تقليداً لشيء ما غربي. أما إذا أراد الفتى وقد كبر أن يقرأ تاريخه القريب فلا يكاد يجد في قرن مضى شيئاً من الإنتصارات لهذه الأمة، فيمسي صاحبنا يائساً مهزوماً في نفسه وفكره وكرامته، فهو من أمة تهان صباح مساء وليس لها من الحول أو القوة شيء فيجلس قاعداً متقاعداً وإن كان في ريعان شبابه لا يجد فائدةً من أن يقدم شيئاً لهذه الأمة المتهالكة.
من بين ركام هذا الواقع المؤلم ينهض فكرٌ وقاد لينقض هذه الأفكار المستبدة بنا، وهذا في رأيي هو أول بل وأهم ما نحتاج له في مسيرة نهضتنا. فكيف لنا أن ننهض بأمة لا تؤمن بأنها قادرة على ذلك؟! ولعلنا نستشهد ببعض ما في علوم النجاح وإدارة الذات حين يؤكدون أن الإنسان لا ينجح إذا لم يكن قد عاش ذلك النجاح في خياله قبل ذلك، وعليه فلن تنجح أمةٌ لا ترى في نفسها أنها قادرة على القيام والنهوض، كيف لنا أن لا نكون كذلك وفينا قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس). هذا البعث النفسي للأمة لا بد وأن يتحقق على جميع مستوياتها وفي جميع مجالاتها، فالأمة قادرة على مقاومة الهيمنة الغربية عليها وتحرير إرادتها السياسية ومن بعدها تحرير أرضها المحتلة. والأمة قادرة أيضاً بجهود أبنائها على بناء قدرات صناعية وزراعية وهندسية وتكنولوجية لتحقق عز الأمة اقتصادياً وليكبر أبناؤها وقد اعتادوا على جملة جديدة هي (صنع في بلاد الإسلام). أما ميراث الأمة الثقافي التاريخي فهو كاف لنبني عليه أسس ثقافة معاصرة تلبي تطلعات الأمة نحو نهضة شاملة، وليسهم الفن والثقافة في نهضة الأمة وليس في تجهيلها كما يجري وللأسف حالياً. في الختام أقول، إن المهزوم في ميدان الأمل لا بد سيهزم في ميدان العمل. فمتى نجحنا في إحياء الأمل سنحقق نجاحات في ميادين العمل، أما كيف يحقق ذلك عملياً فذلك أمر آخر ولحديثه بقية.. إن كان في العمر بقية.
ربحي خلفwww.wmdh.com