في الندوة الشهرية لبرنامج ‘كاتب وموقف’ الإذاعيدمشق ـ’القدس العربي’ ـ من أنور بدر اختار الإعلامي ‘عبد الرحمن الحلبي’ موضوع ‘
‘ عنواناً لحلقة برنامجه الشهري ‘كاتب وموقف’ الذي بدأ إعداده وتقديمه في منتصف ستينيات القرن المنصرم. وقد لا يكون هذا العنوان جديداً في حوارات المثقفين وانشغالات المشهد التشكيلي السوري في السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة، حين ظهرت بعض الغاليريات الاحترافية في تسويق الأعمال الفنية، لكنها تركت جملة من علامات الاستفهام. في خياراتها الفنية، وفيما يتعلق بأسماء بعض الفنانين، وهو ما يُذكرنا بصناعة النجوم في عالم التمثيل والغناء. لكن جديد ‘الحلبي’ في الندوة التي أقيمت في المركز الثقافي العربي في أبو رمانة، أنه اختار ثلاثة فنانين مهمين في الحركة التشكيلية السورية، هم ‘ممدوح قشلان’ و’غسان السباعي’ و’عز الدين شموط’، استطاعوا منح مشروعية للشق الآخر من المعادلة، أي تجارة العمل الفني، والتي كانت وما تزال برأيي مثار التباسات كثيرة.
وفي تقديم ‘الحلبي’ للندوة أشار إلى أنه استعار عنوان ندوته من كتاب للفنان والباحث ‘عز الدين شموط’ بعنوان ‘قيمة العمل التشكيلي بين المال والجمال’، مُقتطعاً من الكتاب حول قيمة العمل الفني التي لا يُمكن فصل وجهيها الروحي والمادي عن بعضهما، بعكس ما ذهب إليه ‘أفلاطون’ من كون الجمال قيمة مطلقة لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الروح الخالدة، فيما يُصرّ ‘شموط’ ومعه بدرجة ما كل من ‘قشلان’ و’السباعي’ أنّ العمل التشكيلي بحاجة ماسة إلى حامل مادي ملموس.
وقد أشار ‘ممدوح قشلان’ في الحديث عن تجربته الفنية إلى أهمية دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة في روما عام 1953 حين كانت تعتبر إيطاليا حاضنة النهضة الفنية الأوروبية، كما أشار لأهمية الجائزة الأولى التي نالها وهو طالب في معرض ‘إيطاليا بعيون الفنانين الأجانب’ وكانت تتضمّن في ذلك الوقت 100 دولار إضافة لشهادة تقدير.
بينما ركز ‘شموط’ في تجربته على المردود المادي المُبكر لفنه، حين كان يرسم مناظر طبيعية على قطع قماش من المخمل الأسود، والتي كانت تعتبر جزءاً مُكملاً في تجهيزات العروس الدمشقي، وربما تكون انقرضت هذه العادة حالياً، لكنها في خمسينيات القرن المنصرم كانت تؤمن لذلك الفتى دخلاً مادياً إضافة للمتعة الروحية أو لعلاقته الرومانسية بفن الرسم.
وأضاف أنه في عودته الثانية إلى باريس بعد انتهاء منحته الدراسية فيها بعامين، اضطّر للعمل في توزيع صحيفة ‘اللوموند’، كما عمل في رسم البورتريهات الشخصية في الساحات العامة، كذلك اشتغل في مطبعة للطباعة الحجرية أو الغرافيك، قبل أن يعمل في غاليري.B.C.D لمدة خمس سنوات، حيث أتيح له الاحتكاك الأول والمباشر مع عالم المال والفن.
وبعد التدريس لعام في إحدى الجامعات الفرنسية، كان على الفنان ‘شموط’ أن يختار بين أن يكون مدرساً أو فناناً، وقد اختار الفن. وكانت سورية أرضا خاما بالنسبة لتجارة الفن، كما يقول ‘شموط’ الذي لاحظ ولادة صالات عرض جديدة، وطبقة اجتماعية جديدة أيضاً مهتمة باقتناء الأعمال الفنية، وهي ظاهرة لم تكن معروفة سابقاً، ممّا منحه فرصة أن يمارس هذه التجارة بين سورية وأوروبا، إضافة لممارسته الرسم.’غسان السباعي’ القادم من مدينة حمص وسط سورية حدّثنا عن المعرض الأول الذي أقامه مع زملائه في مدرسة التجهيز حيث اشترت بلدية حمص لوحة له باسم ‘خميس المشايخ’ بقيمة 18 ليرة سورية.
وحدثنا الفنان ‘السباعي’ عن زمن الخمسينيات حين كانت سورية 3 ملايين نسمة، وعن العلم السوري ذي النجمات الحمراء الثلاث، كما تحدّث عن مرحلة النهوض الفكري الذي شمل المنطقة كلها والعالم بداية الستينيات حين درس الفنون في الإسكندرية، مؤكداً أنه لم يكن يوجد شيء في تلك الفترة اسمه بيع لوحة، ولم يكن لدينا سوق للفن، وأوّل صالة في دمشق كانت صالة ‘الصواني’ للسيدة منى أسطواني وصالة ‘الفن الحديث’ ثم ‘دعدوش’. بعد هذا التعريف الذي تضمّن الكثير من التفاصيل، واستهلك أكثر من نصف زمن الندوة تقريباً، عاد ‘الحلبي’ ليُحدد محورين لندوته، الأول حول القيمة الإبداعية والروحية للعمل التشكيلي، والثاني حول القيمة التجارية أو المادية للعمل الفني ودور سوق الفن والمزادات.
لكن المشاركين في الندوة لم يأخذوا بهذا التقسيم بين ما هو روحي وما هو مادي في الفن، إذ أشار الفنان ‘عز الدين شموط’ إلى الالتباس الكبير في سورية بخصوص تلك العلاقة، والتشويش الحاصل بشأن سوق الفن أو تجارته عموماً. ثم قام بالحديث عن عناصر القيمة في العمل التشكيلي بدءاً من القيمة الروحية فالتاريخية فالجغرافية فالرمزية فالشخصية فالتعبيرية وصولاً إلى القيم المادية الثابتة والمتحركة، ثم القيم التقديرية للمزادات العلنية ما بين الحدين الأدنى والأعلى التنافسي، مع تأكيده على وجود انزلاقات مستمرة ما بين القيم أو تداخلها بالنسبة لعمل فني ما.
وأوضح أنّ ‘أفلاطون’ لم يأخذ الفنان في مدينته الفاضلة لأنه كان يكسب عيشه من فنه، كما شايعه ‘كانت’ في هذا الاتجاه لاحقاً، إلا أنّ ‘أرسطو’ أبدى ميلاً أكبر لربط العمل الإبداعي بالنواحي الحسيّة والمادية، مما حدا بالباحث ‘فرنكستل’ للقول في تكنولوجيا الفن، انّ اللوحة منذ انسلاخها عن الجدار أصبحت سلعة تجارية. وإن كان أي عمل إبداعي في مرحلة ما لا يرتبط بالمقابل المادي، من اللوحة إلى الموسيقى والطب، فإننا لاحقاً نجد انتعاش ذلك الارتباط بالمقابل المادي، وبشكل خاص بالتزامن مع الانتعاش الاقتصادي للمجتمعات. وأشار الى أنّ أغلب فناني أوروبا العظام كان لهم ‘دكاكين’ لبيع أعمالهم الفنية. الفنان ‘ممدوح قشلان’ أكدّ أنّ الفن تعبير عن الإنسان في طموحه وهمومه بآنٍ معاً، وأنّ القيمة التجارية ترتبط بالقيمة الفنية وبالفنان أصلاً، مؤكداً أنّ أوّل لوحة باعها في الخمسينيات لسيدة فرنسية بـ 28 ل.
س فقط، ثم أضاف أنّ لكل مجتمع قيما خاصة بتداول الفن، وعندما يموت الفنان ترتفع أسعار أعماله، إذ تصبح نادرة.
مضيفا أن التجارة بالفن مسألة حديثة عموماً، فالفنان القديم كان يتلقى أجراً على عمله، لكن العمل لم يتحوّل إلى سلعة يمكن تداولها إلاّ مؤخراً، وما يُثار في العالم وفي سورية يتعلق بالسؤال: هل العمل الذي يُباع بمبلغ ما حالياً يساوي القيمة الفنية له أم أنها عوامل الدعاية والإعلان؟ حيث نلاحظ ارتفاع الأسعار من البترول إلى البندورة مروراً بأسعار اللوحات.
المسألة المهمة أنّ رجال الأعمال أو المصارف أو المؤسسات المالية حين تشتري عملاً فنياً في الغرب، فإنّ قيمة هذا العمل تسقط من الضرائب المترتبة على ذلك الشخص أو تلك المؤسسة، وهذا غير موجود لدينا.
وحتى موجة غلاء أسعار اللوحات لدينا حصلت بسبب لبنان، وليس بسبب السوق السوري، ففي لبنان نجد سوقاً فنياً متقدماً عمّا لدينا في سورية. حالياً نحن نمر بمنعطف اقتصادي آخر. إذ ظهرت برجوازية جديدة تريد أن تشغل أموالها، وهذا من حقهم، ومن حقهم أن يفتحوا ما شاءوا من الصالات، لكن الخطر يكمن في التلاعب بالقيمة المالية للوحة بعيداً عن قيمتها الفنية. وفي سورية لا تزال أسعار اللوحات أرخص من كل دول الجوار، وقد سجّل الفنان ‘غسان السباعي’ عتبه الشديد على وزارة الثقافة التي لا تهتم بما يكفي بالفنان السوري وبفنه الجيد. كما أكد على هذه المسألة الفنان ‘ممدوح قشلان’. من جهته دعا الفنان ‘شموط’ إلى الاستفادة من التجربة الغربية في فهم هذه الظاهرة التي نشهدها الآن، مؤكداً أنّ هنالك نوعين من التجارة الفنية….1- تجارة الفن التقليدية في أوروبا لها أصولها ومعاييرها، حين تبنى القيم المادية على أسس منها مهارة الفنان، خبرته العلمية، تاريخ العمل وتوقيع الفنان، إضافة لقدم اللوحة. 2- لعبة التجارة الفنية والتي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين أصبحت هذه العملية تعتمد على منشطات من نوع الدعاية والفضائح أحياناً، أو خلق نجومية… لكننا نلاحظ أنّ تجارة الفن التقليدية مستمرة ومتطورة، بينما الكثير من الصالات التي تلعب بهذه التجارة أغلقت، لأنهم وضعوا أسعار اللوحات بشكل وهمي أو مفتعل، أي يشبه أسعار البورصات.
الفنان ‘نبيل السمان’ علق على الحوار بأننا لم ندخل مباشرة في الموضوع المطروح، والفنان عندما لم يخضع للمعايير التي تحدد قيمة العمل الفني كالقدم والأكاديمية، الإنجازات، المعارف، الدراسات… هذه قيم فنية ومادية. عندنا في سورية لم تأخذ المسألة تسلسها الطبيعي، ولا توجد تلك المعايير، فالدكتور ‘ممدوح قشلان’ لم يستطع أن يدخل هذه اللعبة مثلاً، بسبب لعبة الرأسمال الذي انفتح منذ أربع سنوات في مجال الاستثمار الفني، بينما نجد أن الكثير من الفنانين استمروا في مراسمهم بعيداً عن هذا التسويق المفتعل. والخلل برأي السمان يعود لغياب الرعاية الرسمية، وغياب المعيار الأخلاقي لأنه أصل المعيار الفني. لا يوجد في مدارسنا وجامعاتنا تعريف بالفنانين السوريين ولا حتى بالكتاب والمثقفين عموما، لذلك نقول شكراً للرأسمال الذي حاول الاستثمار في الفن، بغض النظر عن علامات الاستفهام حوله، لأنه نبهنا إلى وجود قيمة مادية لهذا الإبداع، وليس الاستثمار في الفن مسألة مشبوهة دائماً. الفنانة شيرين ملاّ حدثتنا عن تجربتها قائلة: أنا بتجربتي كفنانة يهمني أن أقدم لوحة بكامل إحساسي وإبداعي، وأوروبا قدمت لي الكثير، وعندما اشتغلت على الصوفية لم أكن أقلد الحركة الدائرية فقط، بل كنت أنقل إحساسي الشرقي الأصيل، بعد 11 ايلول/سبتمبر واجهني أحد أساتذتي أنني متأثرة جداً بالصوفية، وسألني عن ابن عربي، وفي مرحلة الرسم المائي للبيوت كانت أكثر مرحلة بعت فيها، لأن فيها صدقا ولمسة شرقية بآن معاً.