فاجعة العراق ما بين سطور كتاب ‘في سر الرؤساء’

حجم الخط
0

أمير المفرجيبين الحين والآخر يطفح الجدل والنقاش إلى السطح ويعيد للذاكرة موضوع جريمة احتلال العراق، والدور الذي لعبته الدول المارقة وجواسيسها المحليين في تدمير هذا البلد وإهانة شعبه. فبعد أن سجلت الأحداث والوقائع مسؤولية الدول التي شاركت في عملية الغزو والتدمير، ودور عملائها وجواسيسها في كشف أسرار الدولة، تتكاثر الآراء والوثائق المتباينة بشأنها، فمن مشيدٍ بالدور الفرنسي وحكومة جاك شيراك الصديقة والحليفة لنظام الرئيس العراقي السابق، إلى مُحذر ومُشكك في سياسة الغرب قاطبة واستراتيجيته العسكرية والاقتصادية في العراق والشرق الأوسط، طالما أن مخابرات هذه الدول العظمى تحجب بين حين وآخر المعلومات الأساسية التي بدونها لا يمكن إعطاء موقف واضح بشأنها. ولعل أبرز خلاصة يقدمها كتاب ‘في سر الرؤساء’ الصادر عن دار ‘فايار’ في باريس، في فصله الخاص بالعراق، هو هذا التناقض بين الموقف الظاهري والحقيقي في الموقف من الحرب ضد العراق وطغيان العامل الاقتصادي المنفعي وغياب المسؤولية واللامبالاة ‘في سر الرؤساء’ لمصير العراق، دولة وشعبا. أما بخصوص (التهمة) التي تتعلق بوزير الخارجية العراقي السابق، فقد افتقدت مصادر الكاتب الفرنسي الدقة ومرجعية المصدر الشخصية، حيث بدون هذا المصدر الموثق يصبح من السهولة للعديد من الأجهزة المتمكنة نشر الأكاذيب والتظليلات. فهذه الأعمال هي جزء من نشاط مراكز المخابرات، فعمليات حرق الشخصية وإفقادها صفة الاحترام والمصداقية وهي لم تكن العملية الأولى في حروب عالم المخابرات السرية، وهنا لا نريد أن نبرئ أحدا فقد ثبت أيضا على الأرض ان للمخابرات الغربية قاطبة، أمريكية أو فرنسية أو إقليمية، عملاء محليين. لقد أصبح العراق ساحة مفتوحة وله وزن وأهمية في استراتيجيات الدول العظمى والإقليمية. وفي خضم كل ذلك، جاء كتاب ‘في سر الرؤساء’ للكاتب الفرنسي فنسان نوزي ليوضح لنا الكثير والعديد من المعطيات فيما يتعلق بموقف الدول المرتبطة بالعراق والمنطقة، ليخرج لنا باستنتاجات توضح وتحدد جزءا من’الحقيقة العامة’ لهذه الجريمة، من حيث تفاصيلها وجذورها وطبيعتها وأطرافها ومساراتها ومستقبلها وأبعادها. ورغم أن هذا الكتاب هو في الأصل بحث خاص يشمل وثائق سرية سُمح له شخصياً بكشف بعض أسرار رؤساء الدول المهمة المهتمة اقتصاديا بالعراق من جهة، واستراتيجياً بالعالم العربي ـ الإسلامي من جهة أخرى، غير المتعلقة بمبدأ Secret D’fense إلا أن الكاتب قام بنشر تفاصيل جديدة لم تنشر سابقا عن خفايا الموقف الفرنسي من الحرب الأمريكية في العراق والأسباب الحقيقية للرفض (الأولي) لحكومة شيراك السابقة من خلال (مظاهر الخطاب التاريخي) الذي ألقاه رئيس الوزراء الفرنسي السابق دوفيلبان في مجلس الأمن والأمم المتحدة.

الا انه عند التعمق في خفايا الموقف الفرنسي، من خلال المصادر التي كشفها الكاتب الفرنسي، تبدو مظاهر هذا الخطاب التاريخي أكثر وضوحا. فعلى الرغم من الموقف الرسمي المعادي للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الرافض للحرب العدوانية ضد العراق ظاهريا، سعى جاك شيراك في الواقع (وحسب الكتاب) غداة تسلمه الرئاسة عام 1995 إلى التقارب مع الولايات المتحدة، فيما يتعلق بالملفات المشتركة في الشرق الأوسط وحاول أيضا الابتعاد عن السياسة الديغولية التي يزعم الانتماء إليها عن طريق نقض الرفض الفرنسي الذي اتخذه ديغول من حلف الناتو والعودة إلى قيادته العسكرية المشتركة، قبل أن يأخذ الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي المعروف بميوله الأمريكية (المعلنة) هذا القرار. كما سعى شيراك لاحقاً غداة الأزمة العراقية عام 2003 إلى إيجاد المصالحة مع الأمريكيين، وخضع عام 2004 إلى طلب بوش بشطب ديون العراق التي كلفت الخزينة الفرنسية أربعة مليارات يورو. وقد ترجمت حفلة ‘المصالحة’ في قصر الإليزيه بين بوش وشيراك بعد احتلال العراق في الخامس من حزيران (يونيو) 2004، (وحسب الكاتب) مدى التوافق والانسجام إلى درجة تجنب كل ما يزعج بوش، فمثلاً لم يشر الرئيس شيراك إلى فضائح جرائم سجن أبو غريب التي كانت حديثة ومدانة رسميا ًمن الجميع آنذاك. ويفسر الكاتب ‘في سر الرؤساء’ هذا التغير (الظاهري) الكبير في الموقف الفرنسي من العراق، انطلاقا من الإستراتيجية التي كان اتخدها جاك شيراك بعلاقته بالرئيس العراقي ونظامه السابق، التي وضعت بها المؤسسات والشركات الفرنسية في وقتها آمالا اقتصادية، ليستنتج في النهاية أن الرفض في المشاركة في الحرب في البداية جاء لاعتبارات اقتصادية أساسها حجم الديون العراقية التي كانت تنتظرها باريس من حكومة بغـداد بعد كل التسهيلات التي قدمتها الحكومة العراقية للجانب الفرنسي والروسي والألماني. وثمة حقيقة تثبت وتعزز أسباب هذا الرفض الفرنسي الأولي للحرب على العراق، فلم تكن فرنسا الدولة الوحيدة التي رفضت حرب بوش لتغيير النظام العراقي وتدمير بنيته التحتية، حيث لم تقبل روسيا وألمانيا أيضا بالحرب على العراق وكانت هذه الدول من أهم الدول الثلاث المطالبة بديونها، انطلاقا من مفهوم ومبدأ تجاري بحت، حيث أن إزالة النظام العراقي وإبداله بآخر هو بمثابة تعريض مصالح هذه الدول للخطر، وبالتالي شطب تلقائي نهائي لديونها في العراق، وهذا ما حصل في النهاية عبر قرارات مؤتمر باريس وبطلب أمريكي واضح، وحسبما ورد في الكتاب. من هذا المنطق ساهمت علاقات جاك شيراك (الشخصية) منذ أن كان رئيساً للوزراء مع قمة الهرم العراقي على تطوير العلاقات التجارية والنفطية، لتجعل من فرنسا احدى أهم الدول التي تعتمد على العراق كمصدر مهم وحقيقي للتجارة، انطلاقا من القيمة الفعلية لمخزونه من ثروات الطاقة الطبيعية، ناهيك من موقعه الإستراتيجي المهم في منطقة الخليج والشرق الأوسط. وقد كانت بلاد الرافدين الغنية بالنفط بيئة خصبة للاستثمار، على الرغم من صعوبة حالة العراق الاقتصادية التي خلفتها الحروب والحصار. وفي الوقت الذي دخل العراق في دوامة الحروب والحصار ومن ثم تراكم ديونه، أصبحت فرنسا شريكا تجاريا ومزودا رئيسيا للمنتجات المدنية والعسكرية، وتمتعت فرنسا بعلاقة وثيقة معه قبل الاجتياح الأمريكي له عام 2003. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن حكومة العراق ما قبل الاحتلال بادرت بتطبيق منطق التعامل التفضيلي للجانب الفرنسي في قرار تأميم النفط العراقي عام 1972. ومع تعاقب الرئاسات الفرنسية ابتداء من جورج بومبيدو وحتى رئاسة شيراك السابقة، وبوجود هذا الأخير في درجات مختلفة من سلم الحكم، طغى معيار الخصوصية على العلاقة العراقية ـ الفرنسية. فقد تم تفضيل مبدأ منح الفرص الاقتصادية للمصالح الفرنسية في ما يتعلق بمتطلبات العراق الاقتصادية والدفاعية وانفردت فرنسا لاحقاً ببنود مذكرة التفاهم القائمة على برنامج (النفط مقابل الغذاء والدواء) الذي روجت له حكومة الرئيس السابق جاك شيراك. من هذا المنطلق، عقدت الحكومات الفرنسية الآمال على مستقبل العراق وسمحت لديونه لها في أن تصل وتتعدى الـ5.5 مليار دولار… ومن هذا المنطلق أيضا رفضت فرنسا المشاركة في غزو هذا البلد، وكانت من أهم معارضي الحرب عليه عام 2003 بعد شعور الرئيس جاك شيراك بأن الإدارة الأمريكية بدأت فعلا حملة إطاحة للنظام العراقي السابق، لتنهي وتهدم بالتالي الآمال الفرنسية في استرجاع ديونها وتثبيت وجودها الاقتصادي المميز الذي سمح لها به عراق ما قبل الاحتلال. وقد أكد كتاب فنسان نوزي ان قصر الاليزية كان على قناعة تامة منذ بداية الإعداد للحرب الثانية على العراق، بان الهدف لن يكون العثور على أسلحة الدمار الشامل، وإنما الإطاحة بحليف تجاري مهم تربطه بفرنسا بنود ومذكرات تفاهم مهمة وديون ضخمة لم تسدد بعد. ليستنتج بالتالي أن الرفض الفرنسي لجاك شيراك جاء لاعتبارات اقتصادية أساسها الديون العراقية التي كان تنتظرها باريس.

لقد أظهر كتاب ‘في سر الرؤساء’ على وجود سياسة فرنسية (عربية) عن طريق توافق إستراتيجيات شخصية (اقتصادية) متعددة للمسؤولين الفرنسيين في علاقتهم مع العراق. وعلى الرغم من ان مفهوم السياسة، وكما يراه الجنرال ديغول هو(ليس هناك في السياسة صداقات، فالسياسة مسألة مصالح) فلم تكن هناك سياسة فرنسية عربية في المعنى الصحيح في كتاب ‘ في سر الرؤساء’، على الرغم من ان هذه التسمية جاءت لملء الفراغ الذي غاب بغياب السياسة الديغولية للشرق الاوسط غداة التعنت الإسرائيلي واغتصابه للأرض العربية. فلم يكن ديغول آنذاك صديقا لرئيس عربي أو نظام عربي معين، بل كان مع سياسة فرنسية مستقلة هدفها فرض التوازن في الشرق الأوسط. فلم تكن لديغول صداقة شخصية مع العرب ولا حتى مع إسرائيل، حيث أثبتت رسالته التي وجها إلى (بن غوريون) بعد العدوان الإسرائيلي في عام 1967 حين أبلغها ‘أن للعرب أراضي وحقوقاً يجب الاعتراف بها’، بوجود سياسة فرنسية مستقلة ترفض الأمر الواقع الذي فرضته الولايات المتحدة وحلفاؤها بالنسبة للحدود الإقليمية الجديدة لفلسطين، واعترف بحق العرب في أراضيهم وفي تأكيد شخصيتهم الإقليمية وحقهم التاريخي في منطقة الشرق الأوسط.

وبغض النظر عن الاختلاف في طبيعة وثقافة رؤساء فرنسا الذين تعاملوا مع العراق، كان تأثير (سياستهم العربية الشخصية) الدور المتميز في التقرب من ثروات العراق. وكان لمواقف هؤلاء الرؤساء في كتاب فنسان نوزي صفحات كثيرة وغير متقاربة، فقد كان للرئيس الفرنسي الاشتراكي (المدان في حرب الجزائر) فرانسوا ميتران وجورج بوش الأب آراء مشتركة في معاداة العراق، بينما حرص الرئيس شيراك على تفعيل سياسة (عربية) انتقائية كانت لها تداعياتها، حيث انسجمت مع البعض في (عراق صدام) و(لبنان الحريري) وتعادت مع البعض الآخر في (سورية الأسد). وهذا هو ما يميز هذه السياسة (العربية الشخصية) عن السياسة الديغولية، وحيث ان جاك شيراك وغيره ليسوا بشارل ديغول، فقد خلط هؤلاء السياسة الفرنسية الخارجية التي أسموها بـ (العربية) بين جيوبهم ومصالح فرنسا الثابتة. وبالعكس كان لسياسة الجنرال ديغول أهميتها لفرنسا في تثبيت استقلالها عن حلفائها، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية بقرار تفعيل ما يسمى آنذاك (القوة الضاربة) الذي بدأ رسميا في 1958 خلال الحرب الباردة، عندما قرر ديغول إعطاء فرنسا رادعا نوويا يبعدها من التبعية الأمريكية ويحميها من القوى العالمية الأخرى، ومن ثم السماح لها في استقلالية العمل لبسط نفوذها وتثبيت مصالحها في عالم متعدد الأقطاب. وكان من نتائج هذه السياسة وعلى الرغم من بقاء فرنسا كحليف في (حلف الناتو) هو ابتعادها عن الجانب الأمريكي الأطلسي وتنظيمه في ما يتعلق بالقيادة العسكرية المشتركة والطلب بخروج القوات الأمريكية من الأرض الفرنسية غداة تحريرها من القوات النازية الألمانية. وبهذا تميزت السياسة الفرنسية لديغول كإستراتيجية لها مصالح وايديولوجية قد لا توافق بالضرورة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في العالم. وهكذا وبخروج ديغول من الحكم ووفاته تباينت السياسة الفرنسية وتصاعد النفوذ الأمريكي من خلال اختراق الولايات المتحدة للنخبة السياسية الفرنسية والأحزاب المهمة الممثلة لها، كالحزب الاشتراكي وتيار الوسط واليمين وتأثرت الاستقلالية الفرنسية ومواقف الرؤساء والمسؤولين بين الحين والآخر بالضغط الأطلسي وكما نراه اليوم في العراق وأفغانستان. لقد ترجمت أحداث ووقائع لقاءات شيراك وجورج بوش التي كشف قسم منها كتاب ‘في أسرار الرؤساء’ للكاتب فنسان نوزي وما جاء من بعدها من تغيرات في الموقف الفرنسي من حرب العراق عن وجود عامل أمريكي أطلسي مؤثر في سياسة الدول. لقد ترجم كتاب ‘في سر الرؤساء’ في جزئه المخصص للعراق وأظهر ما بين سطوره أهمية العراق وثرواته وحجم مأساة شعبه ومدى علاقة كل هذه التطورات وارتباطها بالتداخل الاستراتيجي بين واشنطن وباريس.’ كاتب من تيار المواطنة العراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية