د. سعادة خليل
فاز الفيلم الأمريكي ‘أمريكا’ من إخراج شيرين دعبس، بجائزة ‘فيبريسي’ لأحسن فيلم في برنامج النقاد وبرنامج المخرجين، وهو أول فيلم روائي طويل لمخرجته الأمريكية الفلسطينية الأصل، الذي فاز عن جدارة، حيث أضاف موهبة جديدة إلى السينما الفلسطينية في المنفى. وكان العرض العالمي الأول للفيلم في مهرجان ‘صاندانس’ في كانون الثاني/يناير، ثم عرض في ‘ملتقى الشباب’ في مهرجان برلين في شباط/فبراير، ثم في ‘برنامج المخرجين’ في مهرجان كان، ويندر أن يعرض فيلم مجرد عرض في مهرجان برلين. حاول الفيلم الإجابة على مجموعة من أسئلة صعبة مثل: لماذا تهاجر؟ ماذا تترك وراءك؟ ماذا ينتظرك في بلد الهجرة؟ كيف يمكنك العيش ضمن البناء الاجتماعي لموطنك الأصلي؟
يروي الفيلم قصة أم وحيدة منى (نسرين فاعور) وابنها فادي (ملكار المعلم) في سن المراهقة. هي موظفة في أحد البنوك في رام الله تعاني في حياتها حيث هي مطلقة ومسؤولة عن ابنها المراهق فادي. تعمل في رام الله وتسكن في بيت لحم. تقطع الطريق جيئة وذهابا كل يوم مع ابنها ويعانيان معا من إذلال الاحتلال الصهيوني لهما على الحواجز ونقاط التفتيش المتعددة، كما هي حال الشعب الفلسطيني. في أحد الأيام وفي أثناء عودتها إلى المنزل وجدت رسالة من الحكومة الأمريكية مدسوسة بين حبات البندورة مع الرسائل الأخرى. اكتشفت أنها فازت بيانصيب البطاقة الخضراء Green Crd الأمريكية. وكان عليها اتخاذ قرار السفر من عدمه في خضم حياتها الأسرية المضطربة. وكانت فكرة السفر تطرح تحديا كبيرا عليها، حيث سيؤدي سفرها إلى ترك أمها وأخيها، بالإضافة إلى القلق على ابنها فادي بخصوص المدرسة والجامعة. وبعد تردد كبير وتحت إصرار ابنها تقرر السفر إلى الولايات المتحدة فذلك أفضل من بقائها كسجينة في وطنها. ويشاء سوء حظهما أن يتزامن وصولهما إلى مطار أوهير شيكاغو بعد بدء الحرب على العراق، حيث كانت مشاعر الكراهية والغضب والعنصرية ضد العرب ومن يشبههم في أوجها. وكان ما كان من موظف الهجرة والجمارك من غلظة عند توجيه الأسئلة وكانت إجابتها لجهلها في اللغة غريبة ومضحكة أحيانا. عندما سألها، مثلا، عن الوظيفة Occuption أجابت نعم جئنا من المناطق المحتلة. وكذلك تمت مصادرة مدخرات حياتها المخبأة في علبة الحلويات. تنتقل للعيش مع شقيقتها رغدة (هيام عباس) وزوجها الدكتور نبيل (يوسف أبو وردة) في بلدة صغيرة في ولاية إلينوي، حالمة بحياة أفضل. ولكنها تصاب بخيبة أمل مريرة حيث لم تتمكن من أن تجد عملا مناسبا لخبرتها كمحاسبة في بنك. وقبلت بوظيفة في مطعم للوجبات السريعة (القلعة البيضاء) ، حاولت إخفاء ذلك عن أفراد أسرتها وادعت أنها تعمل في البنك المجاور للمطعم. وتقوم بانتظار شقيقتها يوميا لتقلها إلى المنزل قبالة ذلك البنك. وجدت نفسها في دوامة العمل الشاق والمرهق والمذل في آن لتوفير لقمة العيش لها ولابنها. ويتتبع الفيلم المصاعب التي مرت بها منى وفادي والمفارقات والتلميحات العنصرية في المطعم والمدرسة على السواء. وفي خضم هذه المصاعب والمواقف التي مر بها فادي، وجدت في مدير المدرسة Joseph Ziegler (المهاجر اليهودي) التفهم والمساعدة على حل مشاكل ابنها. واستطاعت أن تتجاوز كل الصعوبات إلى حد أنها استطاعت أن تمد يد العون إلى عائلة شقيقتها في سداد أقساط البيت.
يتسم الفيلم بالأداء الممتاز واستطاع أن يبرز طاقة الفنانة نسرين فاعور باعتبارها العنصر الأساسي فيه. ويظهر أداؤها الصادق السلس من دون تكلف أو تصنع. أما من الناحية السياسية فليس هناك من جدل حول هذا الفيلم. اللهم من أطراف صهيونية متطرفة أو من اشخاص عنصريين حاقدين. فيلم يمكن أن يقال عنه (الملهاة المأساة) معا، لأنه مليء بالمفارقات المضحكة المحزنة في آن. كاتب وباحث من فلسطين