‘لا أحد يستطيع القفز فوق ظلّه’ لشعيب حليفي: مفردات مؤلمة بمنقاش من أثير

حجم الخط
0

د.

شهلا العجيلي

لعلّ علاقة الإنسان بذاكرته، من أهمّ العلاقات وأمتعها، ولا شكّ في وجود ذاكرة دمويّة، وأخرى طوباويّة، وثالثة حاقدة، ورابعة مخاتلة… ومكمن الخطر في كون علاقة المرء بذاكرته تحدّد شكل حاضره ومستقبله، لكنّ المطمئن في الأمر أنّ الأفراد يمتلكون قدرة على توجيه الذاكرة أو التحكّم بها، وكذلك الجماعات، وهذا ما يشتغل عليه السياسيون في إدارة العلاقات بين الدول، والشعوب، والثقافات. تتخذ العلاقة مع الذاكرة وجهاً آخر في الإبداع، حينما تتحول من علاقة خفيّة إلى أخرى معلنة، تتجلّى في سيرة ذاتيّة روائيّة، أو في رواية سيرة ذاتيّة، تذوب الحدود بينهما، وإن أجهد المنظّرون أنفسهم في رسمها، فـعلى حدّ قول ستاروبينسكي: ‘لا وجود في هذه الحالة لأسلوب أو لشكل ينبغي الالتزام بهما’، فتشترك رواية السيرة الذاتيّة مع السيرة الذاتيّة الروائيّة بكلّ من السرد المبأّر، والذات، فالأولى أقلّ التباساً من أنواع الرواية الأخرى، والثانية سرد متعدّد البؤرات، بطله الإشكاليّ هو الذات، التي ليست على وفاق بحال من الأحوال مع بنيتها الثقافيّة الاجتماعيّة، وإلاّ لما وجد العاقلون أنّ سيرهم تستحقّ التدوين، لذا كان نصّ (شعيب حليفي) ‘لا أحد يستطيع القفز فوق ظلّه’ مذيّلاً بعبارة مكرّرة تقول: (احتمالات عشر لكتابة رواية واحدة). تذكرة النسيان:

لا شكّ في أنّ فضول المتلقي يحمله على ملاحقة تفاصيل حياة السارد/ المبدع غالباً، لكن، ثمّة مسار آخر سيتابعه بشغف، هو تاريخ البنى الثقافيّة – الاجتماعيّة المتعالقة، وسيرورة حياتها التي يبنيها المتلقّي بدأب، حينما يكون المبدع مشغولاً بنفسه، إلاّ أنّ شعيب حليفي الذي تحالف مع ذاكرته بقوّة، رسم دروباً محدّدة، لما له من تاريخ وعلاقات وشخصيّات، وأوحى للمتلقّي أن يسير فيها، فكان أبعد ما يكون عن كاتب يوميّات، يدوّن ما يمرّ بباله، حتّى لو انعدمت أهميّته بالنسبة للآخرين، فمتلقّي حليفي حاضر، غير مغّيّب، لذا فهو يكتب وينشر، لأنّ لديه قولاً ما، ويُنتظر منه أن يقوله، فيما أنت تظنّ، بوصفك متلقّياً، أنّك تخاتل، وتستمتع بملاعبته لظلّه مثل طفل صغير، مرّة يحاول أن يقفز فوقه، ومرّة يقع فيه، وأحياناً يقع في ظلّك، لتستنتج في النهاية أنك تستظلّ بظلّه، ذلك أنّ قضيّة الكتابة، بالصورة التي تجلّت في هذا النصّ، تستدعي درجة عالية من الوعي والإرادة، تختلف عنها في أنواع السرد الأخرى، فهذا النوع بعيد عن الكذب الرومانتيكيّ الذي تحرّضه عادات غير أصيلة، مثل تلك العادات التي تأتّت من رغبتنا في محاكاة الآخرين، وبذلك يكونون هم الذين رغبوا في الشيء من خلالنا، لا نحن، في حين يكون المبدع هنا أقرب إلى محاكاة الذات منه إلى غيرها، وعليه أن يضبط المعادلة بين عنفوان الأنا، وقوّة التاريخ من حوله، وهذا لا يحدث إلاّ إذا كانت خبرته الإنسانيّة عميقة وثريّة، تشتبك مع كلّ من الوعي والإرادة، لإنتاج نصّ يعرف الظلّ، بل ويلاعبه، ويُظلّ به الآخرين، ذلك أنّ كثراً يجهلون ظلالهم، أو لا يفكّرون فيها، بل كثر من الناس على مرّ التاريخ فوجئوا بظلالهم، وخافوا منها، وقال الشعراء فيهم أقوالاً، منها:

بي ظبيةٌ دُهشت من ظلّها أبداً كأنّها اجتمعت بالليث في الأجمِلا تنطوي الكتابة الناقدة على التقويض المباشر للذات أو للآخرين، أوعلى التشييد العيانيّ للذات أو تشييد الآخرين فحسب، بل قد تكتفي بأن تذكّرنا بما نسينا، فتقوّض داخلنا أو تشيّده خفية حين نستعرض خبراتنا في تضاعيف الحكايات والصور والأحلام، كأن نستعيد تجربة الموت التي لعلّنا نتشارك جميعاً في تصوّرها، فكم متنا في الحلم، وبكينا لأنّ الآخرين الذين يحتاجوننا قد فقدونا، وكم متنا في مرّات أخرى لنعاقب أحبّتنا بموتنا! (ص224 ). مفردات مؤلمة:

لعلّ كلاً من الأصالة، والهويّة، والذاكرة، من أشدّ المفردات إيلاماً، وهي – في أشدّ حالات التجريد – من أكثر المفاهيم التصاقاً بالذات، لأنّها ثلاثة خيوط تنسج بها سربالك العجيب الذي تكوّنه فيكوّنك، إلاّ أنّ الآخرين أفراداً وجماعات أمسكوا، في يوم ما، بالمغازل التي غزلت المواد الأوّليّة فاستوت خيوطاً، ولن تتخلّص من أثرهم إلاّ إذا نقضت نسيجك كلّه.

يبدو شعيب البطل/ السارد قادماً من ملحمة إغريقيّة، معجباً بعالمه المفعم بالجمال، منسجماً مع يوميّاته، ولا تختلف مهمّته عن مهمّة هكتور، أو آخيل، في الدفاع عن ذلك الجمال وهذا الانسجام ضدّ أيّ اعتداء خارجيّ، بسبب من حبّ موصول بنزعة صوفيّة فطريّة: ‘اشتغلت كما تعودنا منذ الصغر في حمل الأكياس والتبن، أمر أعتبره جزءا من حبّي للأرض، وتعبيراً عن الذوبان الحقيقيّ في الصيرورة’. (ص10). تتشكّل الهويّة أثناء التعبير عن مراحل الوعي الجماليّ تلك، وأثناء مراحل الدفاع عنه، فالهويّة ليست شيئاً مغلقاً مقدوداً على قدّ الإنسان، وليس الإنسان مقدوداً على قدّها، إنّها شيء مستمرّ، منفتح، شيء يتشكّل في كلّ لحظة، ولا ينتهي لحظة الموت، إن كان ثمّة عقبى بيولوجيّة، أو ثقافيّة، أوعلميّة، أواجتماعيّة، أو سياسيّة… فـ: ‘كلّ منّا يحيا خلف طبقات من المرايا، تتحقّق هويّاته عبرها يوميّاً، والهويّة مثل طرس تتداوله الليالي والأيّام بمجازات الأيدي والأقلام’ (ص29). لا بدّ من أن نسأل، بوصفنا متلقّين، في العلاقة بين التاريخيّ والتخييليّ، أو بين النصّ والمرجعيّة، إلى أيّ حدّ يشبهنا ظلّنا؟ أو إلى أيّ حد نشبه ظلّنا؟

ويجيب النصّ: ظلّنا يشبهنا في الطول والعرض والارتفاع، وفي البروزات الرئيسية، أمّا التفاصيل، فهي عالم خاصّ من الحريّة، يشتغل عليه الروائيّ الذي يخرج من (شعيب حليفي) الرجل، والإنسان، والمدوّن، ليخفي من ظلّه ما يشاء، ويبدي ما يشاء، ويحكمنا بلعبة النور والعتمة، وليس علينا إلاّ القبول والركون إلى ميثاق القراءة المعقود بيننا وبينه، فلا نستطيع أن نرى الانحرافات، والخيبات، والسقوطات البشريّة التي تركت ندوبها على صاحب الظلّ، ولا أن نعرف دوائر المحظور التي دارت عليه، فلا نساء غريبات لفحنه بريحهن، ولا تباريح لحيرة وجوديّة مرّ بها يوماً في علاقته بالمقدّس والمدنّس، إنّ ذلك ممّا لا يبديه الظلّ، لذا يغبط المتلقّي (شعيب حليفي) على كلّ من ذاكرته، وسيرته، وحياته، لكن لا شك في أنّ الذاكرة غربال لا يمرّ من ثقوبه إلا ما هو جوهريّ، والجوهر كي يتجوهر يعلقه قذى كثير، ثمّ تحكّه محكّات قاسية، من خذلان، وآلام، وسقوطات نبيلة، ثمّ يكون. يتعالق السرديّ والنقديّ تعالقاً مستداماً في هذا النصّ، كتعالق الوعي مع المعرفة، فـ ‘كلّ كتابة لا تستقيم إلاّ بالمعرفة’ (ص92). وهذا الوعي بالمعرفة هو ذاته وعي بالشعريّة التي تشكّل ضالّة علماء الأدب، والتي خبّرت عنها يوماً (ديوتيما) النبيّة الغريبة (أرسطو)، كما يروي (أفلاطون) في المأدبة، والتي يصوّرها شعيب بصورة فتيّة إذ يقول: ‘سطات مدينتي التي أنتسب إلى ترابها وروحها وتاريخها، كلّ شيء فيها يحتمل التناسل والخصوبة، بدءاً من إنتاج القمح والشعير إلى توليد الحكايات وإلباسها للتاريخ المحلّي الحافل بكلّ أنواع البطولات والكرامات ‘(ص108). تشكّل (سطات) / المكان، عشقاً أوّلاً وأخيراً، لا يوهنه صخب (الدار البيضاء) أو السحر الفاعل لـ (مرّاكش)، ففيها تولد الحكاية، لكنّها تكبر خارجها، ولا تعود إليها إلاّ إذا ‘نسي الحاكي الكلام قليلاً’: ‘علمتني أمّي الحكي من خلال معجمها النهاريّ الذي كلّه أمثلة وحكم تفسّر التدبير اليوميّ للحياة داخل البيت، وبالليل تروي لنا عن والدي…’. (ص154). لا بدّ للشخصيّة الإشكاليّة من أن تجد موئلاً لروحها، تفيء إليه من حروبها السجاليّة مع البنية الثقافيّة الاجتماعيّة، وإلاّ سينتهي بها الأمر إلى الانتحار على الطريقة الوجوديّة، وموئل شعيب السارد، جمهوريّته الفاضلة المكوّنة من علاء صاحب الصحف الأولى، وزينب الوليّة الفقيرة، ومريم الرئيسة الفخمة، أولئك صغاره الذين يكوّنون جزءاً هامّاً من هذا الظلّ / السيرة، التي تجعلنا، بوصفنا متلقّين، نفكّر بحياتنا وبظلّنا، وبعلاقتنا مع من حولنا، إذ يمتلك المرء عبر علاقته بأطفاله بعض مقاليد الكون، ولا شكّ في أنّ العلاقة بين المبدع، والطفل والمجنون، ما زالت قائمة منذ عهد الكتابات الأولى. أخلاق الفرسان:

لا بدّ لقارئ (لا أحد يستطيع القفز فوق ظلّه) من تذييلات يذيّل بها المتن، ولتكن عبارات سريعة على غرار: تذكرة للوفاء، وأخلاق الفرسان، ومعارك ليست دونكشوتيّة. إنّ علاقة شعيب السارد مع العالم من حوله تذكّر بما نسينا، تحفّز على الجدّ وكأنّنا نعيش أبداً، وتحفّز على الصفح والتجاوز، كأنّنا نموت غداً، وتذكّر بأنّ ثمّة من لا يزال يتّخذ حلولاً جذريّة في علاقته مع الماضي والحاضر، ليرسم شكل المستقبل، فلا متّسع لقبول الظلم، ولا أنصاف حلول، وهذا ما افتقدناه كثيراً في الكتابة التي انتمت إلى الحداثة المتأخّرة: ‘هل نكون مثل ما كنّا أم أنّ شيئاً آخر انكسر فينا وتفتّت؟ كلّ يوم نفقد حاسّة وجزءاً من ذاكرتنا’ (ص160)، ويأتي الكلام السابق صلة وصل بين العدوان على غزّة، وبين صراع مع مسؤولين محلّيين بإدارات عموميّة في مدينة (سطات) لتورّطهم في عمليّات طلب رشاوى، فتتجلّى أخلاق الفرسان بالإخلاص للفنّ وللعائلة والعلم والمكان، مثلما تتجلّى بالإيمان الدائم بالكتابة وسيلة للتغيير، سواء أكانت كتابة التحقيقات في الصحف المحليّة ضدّ الظلم والعسف، أم كتابة إبداعيّة يثق صاحبها بكفاءة التجريب، وبعدم استنفاد الحكايات لفرصها، بحيث تبقى جديدة دائماً. شموس تشرق من المغرب:

لا يستحضر شعيب حليفي شخصيّاته لأنّه بحاجة إليها ليبني خياله، بل لأنّه بحاجة إلى أن يعبّر لها عن حبّه، أو إعجابه، أو عن مقته، أو احتقاره، وذلك بدءاً من صالح الورّاقي وعصبته التي يكوّن (مويليد) زاويتها، إلى الشموس الثقافيّة التي عمّ نورها المشرق والمغرب، من مثل: أحمد اليبوري، ومحمد برّادة، وأحمد المديني، والميلودي شغموم، ، أولئك الذين يقفون جميعاً في وجه (السيّد رابح) الذي يشكّل نموذجاً للفساد، إنّه شخص نراه كل يوم، في كل مكان، وبأكثر من نسخة، فنلقي عليه تحيّة الصباح، بدلاً من أن نندّد بوجوده: ‘أنا لا أحتاج إلى حياة (مويليد) لأبني للخيال عمده الهاوية والمراوغة، فحياتنا بالمغرب، من كلّ النواحي هي مثل الأقرع، في أيّ مكان تضربه يسيل دمه’ (ص176). ذاكرة الأشجار:

للمتلقّي أن يفعل كما فعلت بعد قراءة النصّ، أن يستعيد معارفه في الفيزياء، أو أن يستذكر قول الشاعر مصلح النجّار: ‘ما أجمل أن تصنع من نفسك نفساً، إن لم تصنع منها بطلا!’، أو أن يقف في الشمس، ويلاعب ظلّه، أو أن يدوّن ما علّمه إيّاه أطفاله عن ماهيّة الأسرار، تلك التي ليس عليها أن تكون خطيرة، بقدر ما عليها أن تكون دفينة، أو أن يستعيد وجه مدرّس الأحياء الذي قال له يوماً عن سنديانة وارفة: إنّ سرّها يكمن في خطوط دائريّة صغيرة ومتوالدة تختفي في الجذع، وإنّ هذه الدوائر الصغيرة أصل هذا الظلّ العظيم الذي نستظلّ به، للمتلقّي أن يفعل ما يشاء، لكنّه حتماً سيقيس ظلّه بذاك الظلّ، ظلّ شعيب حليفي، لأنّ صاحبه يقدّم حلو الحياة ومرّها بشغف ومحبّة، ولأنّه (المتلقّي) لن يكون بعد النصّ كما كان قبله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية