عبد الستار العياريالأسبوع الأخير من الشهر الجاري، من السنة الحالية هو أسبوع المحطات الساخنة ليس في الملاعب العربية فقط كما تعودنا عليه في ‘المنتجعات السياسية’ أو في الملاعب الرياضية، لكن في عدة مواقع من القارات الخمس.
مرة أخرى سأتجول قليلا بين أحداث دولية منها الدموية الخطيرة ومنها ‘أم الفضائح’ التي لا تمر بضعة اشهر حتى تظهر بعض القوى الإمبريالية التي تسوقنا ‘كالماعز’ ضعيفة منهكة، وغير قادرة على حماية حتى أمنها العسكري والأخلاقي، وأيضا السياسي، وكذلك ربيبتها، وصنيعتها ما تسمى بالدولة العبرية الساقطة أخلاقيا بطبعها نتيجة إجرامها المتعدد والمتنوع في المنطقة العربية، التي مازالت تعاني من عاهات وآلام وجراح وتخلف في معظم مجالات حياة شعوبها وأمنها وغير قادرة على توفير حتى لقمة العيش لأبنائها.* المحطة الأولى.
ذراع طويلة وأياد قصيرة.
خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الاتصالات اللبناني وبعض نواب البرلمان عن كتلة المعارضة، تم الكشف عن اختراق رهيب وعجيب لشبكة الاتصالات الخلوية في لبنان من طرف الكيان الصهيوني الذي له الذراع الطولى في هذا المجال وغيره من المجالات الحيوية الأخرى، التي تخلف العرب عن ركبها ولم يولوها نفس اهتمامهم ببقائهم على كراسي الحكم، مما جعل الجميع أداة طيعة في أيادي الآخرين يتحكمون في مصائرنا، وأمننا وحياتنا… وفي الوقت الذي لا تستطيع فيه الدول العربية مجتمعة اختراق حتى الجدار السياسي الإسرائيلي وليس أجهزتها الداخلية الأمنية والتكنولوجية التي مازالت معظم شعوبنا لا تتقن مجرد استعمال القديم البسيط منها فذراع إسرائيل طويلة أمام أيدينا القصيرة.
لقد تمكن العدو الإسرائيلي وعلى مدى عقود من السيطرة والهيمنة على المجال الجوي اللبناني وربما العربي، وبقوة النار والحديد دمر أكثر من دولة ومنشآتها المدنية والعسكرية، وتدريجيا أمسك قادة إسرائيل باللعبة التكنولوجية وتمكنوا من ناصية العلوم وأحدثها تطورا مما ساعد دولة الاحتلال الإسرائيلي على اختراق شبكة الاتصالات اللبنانية والتحكم فيها والاطلاع على كل شاردة وواردة في منظومة الاتصال والمواصلات بين اللبنانيين وبينهم وبين العالم الخارجي، ووصل التوغل في الشبكة حد زرع أرقام ثانية في هواتف الشعب الذي قدر له أن يكون في نصف الواجهة الصهيونية مع الشعب الفلسطيني وأصبح بإمكان قادة التجسس والقرصنة الاطلاع على فحوى المكالمات والإرساليات القصيرة. هذا الفعل الإجرامي الذي يخالف القوانين الدولية يجعلنا نطرح أكثر من سؤال حول ما جرى ويجري في دولة عربية شقيقة من طرف العدو المشترك للعالم العربي والإسلامي والإنسانية قاطبة أبرزها:
كيف تمكن العدو الإسرائيلي من هذا الاختراق التكنولوجي، في بادئ الأمر عبر الجواسيس الذين عملوا في وزارة الاتصال وكذلك الأجهزة الإلكترونية والهاتفية المستوردة من دون مراقبة لمدى سلامتها الأمنية؟ الشيء الذي يجعل المواطن العربي في حيرة من أمره، وخاصة اللبناني، في الوقت الذي تمكنت فيه المقاومة وبوسائلها البسيطة والمتواضعة اختراق المنظومة العسكرية الصهيونية، مما يدعم صوابية خياراتها في حين عجزت كل الدول العربية عن التسرب والولوج ولو جزئيا داخل المنظومة الأمنية والعسكرية لإسرائيل ولم يقدر القادة العرب إلا على تتبع ورصد كل حركات وسكنات شعوبنا المقهورة عبر كل وسائل الملاحقة، وتمكنوا من بسط الهيمنة والاطلاع على أدق تفاصيل حياة الأفراد والجماعات. والسؤال الآخر المهم هو: هل الدول العربية المجاورة لدولة الاحتلال الإسرائيلي في منأى من اختراق مجالها الاتصالي والأمني؟ لا أظن ذلك. ويجرنا هذا إلى طرح سؤال ثالث هو: كيف تلتزم الدول العربية الصمت عن إجرام صهيوني كهذا ولا يطالب قادتنا، وخاصة حكام دول الطوق بمحاكمة إسرائيل عن هذا التدخل السافر بحق دولة عربية شقيقة؟ سأترك لكم الإجابة وأمر.* المحطة الثانيةقوة عظمى في مهب رياح أفرادبعد الفضيحة المدوية التي لحقت بالمخابرات الأمريكية في أفغانستان وذهب ضحيتها سبعة رجال من خيرة المخابرات الأمريكية على يد الطبيب الأردني الذي تمكن من تمويه وخداع أساطيل الجيوش بمعداتهم وتكنولوجياتهم المتطورة وأقوى استخبارات في العالم وهي ‘ماما أمريكا’ فأحدث بتلك العملية التجسسية تصدعا في جدار القوة المهيمنة على العالم وجعل الدولة العظمى والأمن الأسطوري عصافير في الفخ. فعلى ما يبدو فتحت تلك العملية شهية بعض الأشخاص المميزين في العالمين العربي والإسلامي وبعض الجهات الإستخباراتية التوغل عبر نفس الخطط والأسلوب لإذلال والإحباط النفسي لقادة ومخابرات القوة التي لا تقهر ـ أمريكا- وذلك من خلال الشخص الذي يدعى الملا أخطر محمد منصور، وتمكن من لقاء جهات مسؤولة في حلف الناتو والقيادة العسكرية الأمريكية والأفغانية ثلاث مرات على أساس كونه المفاوض باسم حركة طالبان، مع أن الملا أخطر محمد منصور كان يشغل خطة وزير في حكومة طالبان ومن البديهي أن يكون هذا الشخص معروف ولدى المخابرات الأمريكية جملة مختلفة من الصور لهذا المفاوض المزعوم قبل سقوطها على يد قوات التحالف، وهذا يدل على ضعف القوات الأمريكية والغربية الموجودة بأفغانستان مهما كانت حقيقة الجهة أو الجماعة التي قامت بهذا الاختراق الفضيحة بالنسبة للقوات الأمريكية والأفغانية مهما كانت الفرضيات التالية.
أولا: إذا تمت هذه العملية من طرف القوات الأمريكية من أجل بث البلبلة والخلافات في صفوف حركة طالبان وإظهارها للرأي العام الأمريكي والدولي على أنها في طريق الانتصار على طالبان وإيهام العالم بأن هذه الحركة لجأت لخيار التفاوض بعد شعور قادتها بعدم القدرة على مواصلة القتال، فالفضيحة هنا أقوى وأعظم عندما تلتجئ لأسلوب كهذا متواضع وضعيف، وإن حدث ذلك بتخطيط من جهات استخباراتية، أو حركة طالبان نفسها أو جماعات مقاومة أو غيرها فهو انتصار مدو بعد أن نجحت عملية الاختراق المذلة فهي إهانة وصفعة قوية جديدة تتلقاها كل الأطراف النافذة في أفغانستان، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الحل والربط هناك، رغم أنها لا تسيطر إلا على ولاية واحدة من جملة 44 ولاية حدود أفغانستان. وفي كل الحالات يؤكد هذا القوة التي أصبحت عليها حركة طالبان أو الجهات الداعمة لها في حين يبرز التخبط الأمني والعسكري الأمريكي في ‘قمامة ملغمة’ تتسع دائرة انفجاراتها يوما بعد يوم وستدفع أمريكا نتائج كل ما يحصل بعد قرابة العقد من الفشل، والفشل الذريع.*المحطة الثالثة:
قارة بين فكي رحىبعد الذي حدث ويحدث في القارة الآسيوية وبالتحديد في أفغانستان وباكستان من صراعات دموية ها هي شبة الجزيرة الكورية تطلق فيها رصاصة الرحمة على أمن تلك القارة التي أفسدها المفسدون في الأرض وزرعوا ألغام الفتنة والاقتتال الساخن والبارد بين دولها بالمناورات والضغوطات والتصريحات السياسية المسمومة التي أفرزت شبه حرب عسكرية بين الكوريتين، واحدة في الشمال شيوعية وأخرى في الجنوب رأسمالية، وبعد الذي حصل بينهما ستتركز معظم اهتمامات الدول الكبرى الفاعلة والموالية لكوريا الجنوبية على مزيد تضييق الخناق والضغط على جارتها الشمالية وحلفائها وستتمركز حروب السياسات الباردة وستصبح الاختان وما حولهما مخازن للسلاح بأنواعه وستتجدد الصراعات أكثر فأكثر، من أجل مزيد من الهيمنة والسيطرة على مقدرات وقرارات الدولتين وستنشب خلافات بين روسيا والصين من جهة وبين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، ومع مرور الأيام ستتفاعل التحركات السياسية هناك وإن لم تتعقلن أمريكا وتبتعد عن سياسة العصا والجزرة مع دول القارة وكسر العظم سيؤدي الأمر إلى اندلاع حرب سيكون وقودها الشعبين الشمالي والجنوبي وسيمتد لهيبها إلى الدول المجاورة وبذلك سينفجر برميل بارود في القارة بأسرها لا يعلم أحد بنتائجه ومخلفاته، خاصة بعد الدعم الأمريكي المطلق لكوريا الجنوبية، وتصريحات أوباما الأخيرة عند زيارته للمنطقة تؤكد ذلك وتشدد أمريكا وتلاعب سياستها في المفاوضات السداسية مع كوريا الشمالية التي لم ولن ترضخ لمطالب وشروط بلاد العم سام المسمومة وستدفع بالاقتصاد الدولي المتهالك أصلا إلى قاع الهاوية، كما ستتعطل كل حلول القضايا الأخرى أو بالأحرى ستتضاعف الالام والمآسي وربما أيضا ستنشب حرب موازية في الشرق الأوسط في ظل التعنت والعربدة الصهيونية التي تبحث عن حروب وأزمات في مناطق أخرى من أجل الانفراد بالمنطقة وتمرير كل مخططاتها العدوانية في ظل انهيار عربي شامل وصمت شعبي مطبق على ما يجري في الأراضي المحتلة. كيف لا ونحن تعودنا منذ سنوات على انتهاء العام أو بداية عام جديد بحرب. وإلى محطات قادمة.’ إعلامي تونسي