أمين معلوف: دخلت الى الادب كما يدخل راهب الى صومعة!

حجم الخط
0

بعد نيله جائزة استورياس الاسبانية المرموقةرياض معسعستولي وجهك شطر منزله الكائن في الدائرة السابعة عشرة، والشمس على غير عادتها تمد بساطا دافئا في شوارع عاصمة النور باريس. تقرع الباب بتوجس، يطل من خلفه الكاتب الكبير وزوجته أندريه ليستقبلاك بحفاوة جبلية أصيلة. يتفرس قليلا في وجهك، يمنحك ابتسامة وديعة ويدعوك للدخول. مع خطوتك الأولى فوق عتبته تسكنك السكينة، تشعر وكأنك دخلت المكان عشرات المرات، في الممر تطالعك جدران من الكتب والمؤلفات قبل أن يصدمك المكان ببساطة أثاثه، وكأن ساكنه بدوي كوني يتأهب خفيفا للرحيل، ربما إلى جزيرته في المحيط، أو إلى أي مكان آخر في هذا العالم. تتذكر قوله في كتاب أصول ‘ إني أنتمي إلى عشيرة ترتحل منذ الأزل في صحراء بحجم الكون. ولدي شعور بأني سأكون غريبا أنى كنت’. بصرك يقودك إلى الجدران المزينة برسوم توغلك في التاريخ العربي العتيق: عنترة العبسي على حصانه الأبجر منشدا ‘ ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني..’ على الجانب الأيمن من الجدار، وعبلة على فرسها تنظر إليه من الجانب الثاني. يقول لك عندما تمعن النظر فيهما: ‘ إنهما رسمان عزيزان عليّ اشتريتهما من دمشق في بداية زواجي’. تقدم لك أندريه قطعة من الحلوى من صنع يديها، ومن ابتكاراتها في فنون الطبخ التي وضعتها في كتاب صدر باسمها. تقول: مذاقها مذاق قريب من الحلوى الإيرانية. يجيبك أمين: مذاقك لم يخطئ إنها كذلك. تمد له روايته ‘ سمرقند’، التي قرأتها منذ سنين وقرأها أولادك من بعدك، ليذيلها بإهداء. يأخذها منك ويخط على صفحاتها العتيقة كلمات بتأن وبخط بديع. مع هذه الرواية سافر بنا معلوف مع مخطوطة عمر الخيام من سمرقند إلى إسطنبول لننتهي إلى الباخرة تيتانيك التي غرقت وغرقنا معها ومع المخطوطة بعد أن نسينا أنفسنا على صفحاتها.

تحدثه عن آخر جوائزه التي نالها، جائزة الأمير أستورياس، أرفع جائزة للآداب في إسبانيا، لا يبدو منفعلا، ولا مختالا فخورا، كأن الأمر أكثر من عادي بالنسبة إليه، فلكل إصدار له جائزة. حصد أربع عشرة جائزة، منها جائزة غونكور، أرفع جائزة أدبية في فرنسا، عن روايته ‘ صخرة طانيوس’، التي يكمل فيها معلوف رسالته في التسامح، التي بدأت في قرية كفر يقدا في جبل لبنان، وتحكي قصة واقعية في الجزء المتعلق بمقتل بطرك ماروني، ورومانسية في شخصية البطل طانيوس الذي رغب والده غير الشرعي جريس، قاتل البطرك الذي حرم ابنه من الزواج بحبيبته لمياء، تسميته عباس تيمنا بعم الرسول العربي. وينتهي طانيوس بعد هروبه مع أبيه إلى قبرص وعودته إلى لبنان إلى صخرة حيث يختفي من الوجود.

جائزة الأمير استورياس لم تكن تكريما لرواية معينة بل عن مجمل أعماله التي ترتبط برابط واحد، هو التسامح، والتعايش بين الناس وإن اختلفت أعراقهم وأعرافهم. يقول لك:’ هذه الجائزة أميزها عن كل جوائزي، لأن الفترة التي عاشتها الأندلس إبان الحكم العربي، والتي امتزجت فيها الحضارات، وتعانقت فيها الأديان، وأنجبت حضارة سامية سامقة تعيش في أعماقي وتسري مع دمي. وربما لهذا السبب اخترت أن تنطلق روايتي الأولى ( ليون الإفريقي) من الأندلس’، هذا العالم والرحالة الغرناطي حسن الوزان، ذو الشخصية المثيرة الذي يقدم لوحة رائعة وفريدة من التسامح، واللقاء مع الآخر حتى ولو اضطر إلى اعتناق ديانات أخرى، ضمن مشواره من غرناطة إلى إفريقيا والانتهاء بروما. إنه العبور من عالم إلى آخر دون حواجز، دون قيود، دون المرور بمستنقعات العادات والتقاليد والمفاهيم الجاهزة المحنطة فرعونيا. مشوار التسامح والارتحال لم ينته مع ليون الإفريقي.

بالداسار القادم من جنوى المولود في الشرق والمندمج فيه، هذا العالم الذي يتأهب لعام الوحش 1666 المفترض ان يفنى العالم بحلوله ولا يوجد من حل من وطأة هذا العام إلا بالعثور على كتاب ‘ الاسم المئة’ للمازندراني، ويقضي بالداسار حياته في التنقل والبحث عن الكتاب.

وعصيان كتبدار، في ‘ موانىء الشرق’، المسلم العثماني المنحدر من جد أرمني والذي ترعرع في لبنان، وانتهى به المطاف في فرنسا حيث شارك في المقاومة ضد النازية، حكاية صراع في المشرق، وآخر في الخلافة العثمانية، وبين الأتراك والأرمن، وبين الفلسطينيين والإسرائيليين، باختصار، صراع مع الهوية بهدف الوصول إلى التسامح المنشود.

تتسارع الأسئلة تباعا كأنك شارد صحراء أمام بئر غزيرة الماء النمير وقد جفت عروقك وتريد أن تنهل بنهم ما استطعت أن تنهل قبل أن تكمل رحلتك الصحراوية، وتأتيك الأجوبة بغزارة الأسئلة وبصفاء ونقاء كماء البئر. معلوف الصحافي الذي مشى على خطوات والده الصحافي المعروف رشدي معلوف، ألف أول كتاب له بعنوان ‘ الصليبيون برؤية عربية’ بعد أن غاص في تلابيب الفترة الصليبية وأعاد صياغة تاريخها كصائغ الذهب كل مثقال بمعيار. هذا الكتاب وضع أول قدم له في صومعة الكتابة. يقول لك: ‘ لقد دخلت عالم الأدب كراهب يدخل إلى دير. فهنا ولدت، وهنا أعيش، وهنا سأموت’. تماما كما قالها قبله الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير صاحب رائعة ‘ مدام بوفاري’. أستاذ أمين: شخصياتك نجدها دائما من الأقليات والمسافرين، غرباء تائهين متأهبين للرحيل ولتبديل هوياتهم، شخصيات تنبع من فج التاريخ، تنفض عنها الغبار وتقدمها في قالب يحكي ألم اليوم. ألم الاقتتال الطائفي، ألم الظلم، ألم اللا اعتراف بالآخر، ألم الجوع إلى التلاقي.

يقول معلوف وهو يمرر يده على شعره الذي بات بلون الرماد: ‘ الجرح الداخلي مرتبط بهذا الشعور المكتسب منذ الطفولة بأن أكون من الأقليات، وأن أكون بلا أمل حيثما حللت’. تتذكر كلامه في الأصول: ‘ لا أحب كلمة جذور لأنها تبقي الشجرة رهينة منذ ولادتها أما الأصل فلا يقيد، وهويتي على غرار الإغريق تستند إلى أسطورة من أساطير الميثولوجيا’. هل كانت أساسا وإلهاما لكتاب ‘ هويات قاتلة’ الذي يقدم فيه صورة فريدة من نفي الانغلاق الحديدي والمتزمت على هوية تتحول بيسر إلى عقيدة تبرر سفك دم هوية مغايرة. إنها الفكرة الأساسية في قبول الآخر مهما كانت هويته للوصول إلى التعايش والتمرن عليه منذ الصغر. هل هي طوباية معلوفية في بناء العالم الفاضل الذي ربما لا نجده إلا في فكر معلوف، كمدينة أفلاطون الفاضلة؟

يقول لك: ربما ولكننا بحاجة اليوم إلى هذه الطوباوية والإيمان بها لإنقاذ البشرية من الانزلاق في الثقب الأسود المرير الذي سيبتلعها يوما إذا ما استمرت على نهجها.

هموم معلوف لم تتوقف عند هذا المنعطف أو ذاك، بل امتدت على رقعة العالم من الشرق الغارق في مآسيه، إلى الغرب المتخبط في كياناته، إلى العالم بأسره. هموم اختصرت جميعا في مؤلفه ‘ اختلالات العالم’ الذي يهاجم فيه الحضارة الغربية التي فقدت معظم مبادئها في تعاملها مع الشعوب الأخرى. اختلال العالم ليس صراع حضارات وإنما فراغ الحضارات من محتواها الحضاري. يقول بصيغة السؤال: ‘ هل بلغت البشرية مرحلة الكفاءة اللا أخلاقية؟’ ثم يضيف إن الليبرالية المتوحشة جعلت فئة من الناس تلعب بالمليارات وكأنها في كازينو في الوقت الذي يعصى على نصف البشرية العيش بكرامة.* ما الحل؟* الحل يكمن في إعادة مفاهيم الليبرالية الرأسمالية برمتها لتكون أكثر إنسانية، ليس فقط بإضافة بعض المساحيق بين فينة وفينة لتصلح ما أفسد الدهر، فالمساحيق لا تنقذ المسحوقين.

سؤال أخير يدور في ذاتك يصده اللسان خجلا أو إحراجا، تنتهي بالبوح به: أستاذ أمين أنت لبناني مسيحي عربي فرنسي أوروبي، أي هذه الهويات أحب إليك؟

يبتسم معلوف، يطرد سحابة حزينة كانت مخيمة على وجهه ثم يقول قول الأعرابية التي سئلت، أي من أبنائها أحب إليها فقالت: المريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، وأنا لبناني عندما يتألم لبنان، وأوروبي عندما يحل مكروه بأوروبا’يرافقك إلى الباب ويودعك كما استقبلك بحفاوة جبلية أصيلة، وبابتسامة وديعة، وتخرج لتستمتع بآخر شعاع شمس دافئ في شوارع عاصمة النور قبل مداهمة الليل البهيم، تجد الشمس قد رحلت وتركت وراءها سماء حزينة حزن الأيتام، لقد ركض الوقت سريعا مع معلوف دون أن تشعر، تسير بخطى حيرى مفكرا بأفكار الكاتب الكبير مكتشفا فجأة أن شمسا جديدة قد أشرقت ولكن في رأسك هذه المرة. إعلامي من سورية يقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية