هل برادلي المتهم بتسريب 250 ألف وثيقة بمثابة هارفي أزوالد جديد؟

حجم الخط
0

د. حسين مجدوبي’ينشغل الرأي العام العالمي بمضامين وثائق الدبلوماسية الأمريكية التي سربها موقع ويكيليكس لكبريات الصحف، والانعكاسات المترتبة عن عملية التسريب على العلاقات الدولية خاصة بالنسبة لواشنطن. لكن في ظل موجة الانبهار، خاصة بالنسبة للصحافيين، يبقى التساؤل هل تضمنت الوثائق معلومات استخباراتية ذات قيمة استراتيجية، وهل الجندي برادلي مانينغ هو المسؤول عن تسريب 250 ألف وثيقة، أم أنه نسخة جديدة من هارفي أزوالد، بينما تخضع عملية التسريب لمخطط أوسع يستهدف الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض.

ويتابع العالم باهتمام كبير الكشف عن مضمون وثائق ويكيليكس، إذ تمس كل دول العالم تقريبا، ومن ضمنها العالم العربي، وتمتد لمجالات مختلفة، خاصة السياسية والاقتصادية والعسكرية، فكل رأي عام يبحث عن أسرار دولته في هذه الوثائق. وتختلف القراءات لهذا الحدث، فطرف يعتبره منعطفا في تاريخ العلاقات الدولية لأنه يحرج وبشكل كبير الإدارة الأمريكية الحالية بشكل لم يسبق له مثيل، وفي الوقت ذاته يعد مصدرا مهما للتأريخ من حيث إلقاء الضوء على الكثير من أسرار الملفات الدولية خلال العقد الذي أوشكنا على توديعه، وطرف ثان يقلل من قيمة الوثائق معتمدا على تساؤل عريض بشأن نوعية وقيمة المعلومات الواردة في هذه الوثائق.

أي قيمة استراتيجية للوثائقفي البدء، هذه الوثائق هي مراسلات صادرة عن السفارات وأغلبها عن السفير نفسه أو ديوانه. ومن الناحية الاستراتيجية، وزارة الخارجية ليست المسؤولة عن رسم السياسات الكبرى للولايات المتحدة في العالم، بقدر ما هي أداة تنفيذية للعلاقات العامة وللقرارات الكبرى التي يصوغها مجلس الأمن القومي الأمريكي الذي تتحكم فيه أجهزة قوية مثل الاستخبارات العسكرية الأمريكية CI، والخارجية الأمريكية لا تملك طاقما ذا قدرة على جمع المعلومات الاستخبارية ذات الأهمية بالنسبة للأمن القومي الأمريكي، فالسفراء أغلبهم من أصدقاء الرئيس الأمريكي الذين ساهموا في جمع التبرعات خلال الحملة الانتخابية، أو تبرعوا بمبالغ كبيرة، وهؤلاء السفراء عادة ما يجلبون معهم مساعدين يكونون من الحزب نفسه. فالسفارات الأمريكية تقوم بقراءة الوضع المنظور وكتابة التقارير حول هذا الوضع وإعطاء آراء، ومعظم هذه الآراء لا تجد لها صدى في غرف الاستخبارات العسكرية إلا في حالات استثنائية. فالوثائق المسربة تشترك في أربعة قواسم رئيسية:

في المقام الأول، وثائق ذات طابع مدني تتضمن تقييما من طرف الدبلوماسيين الذين ليس لديهم تكوين استخباراتي واسع أو عسكري رفيع ويغلب عليها الانطباع والرأي الشخصي، وليست وثائق صادرة عن ملحقين استخباراتيين وعسكريين، فكل الوثائق مصدرها الدبلوماسيون ولا تحمل أي توقيع لجهاز استخباراتي عسكري. فالوثائق الخاصة بلقاءات الجنرال ديفيد بتراوس مع قادة خليجيين الذين يحثون على ضرب إيران مصدرها السفارة الأمريكية. لكن الأهم هو التقرير الذي صاغه العسكريون الذين كانوا مع الجنرال، المتضمن لمعلومات حساسة للغاية ولم يتم تسريبه لسبب بسيط هو أن التقارير العسكرية يصعب تسريبها. فلا تحمل أي وثيقة من الوثائق المسربة طابع السرية من قبل NS1، التي تعد أعلى درجات السرية في تصنيف وثائق الأمن القومي الأمريكي.

في المقام الثاني، الوثائق تتضمن تحليلا سياسيا لأوضاع الدول التي توجد فيها السفارات الأمريكية، ويغلب عليها جمع آراء الآخرين ولا تتضمن الكشف عن أي أسرار حساسة للولايات المتحدة. وعليه، فالكشف عنها يعتبر جريمة بسيطة مقارنة بالكشف عن وثائق عسكرية، التي تعني الإعدام أو السجن المؤبد.

في المقام الثالث، هذه الوثائق تخضع لبرمجة الكشف عن مضمونها ابتداء من بداية العشرينات أو الثلاثينات من القرن الجاري، وهذا يعني أنها ليست من الأسرار الخطيرة للدولة، علما بأن مستوى تأشيرة السرية على وثائق الخارجية هو أقل بكثير من مستوى السرية لدى أجهزة المخابرات والمؤسسات العسكرية الأمريكية.

في المقام الرابع، جميع المعطيات الواردة في هذه الوثائق السرية معروفة لدى المتتبعين والصحافيين بالخصوص، فأهمية الوثائق تتجلى في أنها تؤشر رسميا على هذه الأخبار وتجعلها وقائع حقيقية. وصرح رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق، فيلبي غونثالث هذه الأيام ‘لنقم بتمرين بسيط، نأخذ مجموعة من الوثائق ونعود لتاريخها ونقارن مضمونها بمضمون ما نشرته الصحافة الدولية وقتها وسنجد التطابق الكبير بين المعلومات، ولهذا فـ 90′ من مضمون وثائق ويكيليكس يوجد مسبقا في الصحافة’. ورغم ما استعرضناه أعلاه، فهذه الوثائق لا تخلو من اهمية استراتيجية من حيث إلقــاء الضوء على ما قد يحدث مستقبلا وتفسير تطورات وقعــــت في الماضـــي ونجمل أهم المعطيات ذات القيمة الاستراتيجية:1ـ رسالة سرية من سفارة الولايات المتحدة في بوينس آيرس تؤكد غضب الجيش الأرجنتيني من عزم بريطانيا التنقيب عن النفط بالقرب من جزر المالوين/الفوكلاند. هذه الرسالة تبرز احتمال تغيير استراتيجي مهم للغاية، يتجلى في احتمال شن الأرجنتين الحرب ضد الوجود البريطاني في جزر المالوين، وقد تلقى التأييد المطلق من دول أمريكا اللاتينية عكس ما حدث في حرب 1982. في حالة حدوث أزمة عسكرية من هذا النوع، فسيترتب عنه تسريع ما يعرف بإنشاء ‘قطب عسكري في أمريكا الجنوبية’ سينهي الوجود الأمريكي والبريطاني إلى الأبد في منطقة تحتل تدريجيا ثقلا في الخريطة العالمية.2ـ الرسائل السرية التي تبرز طلب الدول العربية، ومنها السعودية والإمارات والبحرين، ضرورة قيام الولايات المتحدة بضرب المشروع النووي الإيراني. فالخطر المترتب عن هذه الوثيقة هو الإجراءات التي قد تتخذها إيران مستقبلا ضد هذه الدول العربية، علما بأن إيران هددت بضرب كل الدول المتورطة في استهدافها بما فيها العربية التي تقدم تسهيلات للأمريكيين.3ـ الكشف عن أهم السيناريوهات التي قد يشهدها العالم، ونادرا ما اهتم بها الإعلام الدولي، وتتجلى في رغبة الصين في توحيد الكوريتين والهيمنة عليهما، وهو سيناريو سيؤثر على نهاية النفوذ الأمريكي في أقصى شرق آسيا.4ـ رسالة السفير الأمريكي في باريس في آب/أغسطس 2005 التي تتحدث عن رغبة وزير الداخلية وقتها نيكولا ساركوزي في الالتحاق بركب المخططات الأمريكية في العالم في حالة وصوله إلى رئاسة فرنسا. الوعود التي قدمها ساركوزي لواشنطن هي التي تفسر التغيير الجذري الذي يقوم به في الخارجية الفرنسية ويتجلى في التخلي عن الإرث الديغولي وإرث جاك شيراك الأوروبي- المتوسطي والنظر للعالم العربي برؤية أطلسية محضة، خاصة سياسة التشدد ضد إيران. هذه الرسالة وضعت ساركوزي بمثابة عميل للأمريكان وقد يعاقبه الرأي العام الفرنسي في الانتخابات المقبلة.5ـ الرسالة التي تتحدث عن أجندة سرية إسلامية لرئيس الحكومة التركية رجب أردوغان، التي هي في العمق لا تتحدث عن أسلمة تركيا بقدر ما تتحدث عن إضفاء توجه إسلامي للسياسة الخارجية التركية وما سيرافق ذلك من تغيير في الشرق الأوسط ستتضرر منه إسرائيل أساسا.6 ـ عربيا، هذه الوثائق تأتي لتؤكد الفساد الحاصل في الدول العربية، حيث ينخرط الحاكمون في سرقة ممتلكات شعوبهم. وعمليا، فالحديث عن فساد الحكام في العالم العربي ونهب ثروات شعوبهم تعرفه حق المعرفة الشعوب العربية قبل الإدارة الأمريكية. والوثائق حول الفساد تضع الإدارة الأمريكية في موقف حرج، فهي تنادي بالشفافية، في حين لديها شركاء في العالم العربي يجمعون بين الحكم واللصوصية والسمسرة.

بين خطورة التسريب والجهة المستفيدةوالتساؤل، أين تكمن خطورة هذه الوثائق المسربة؟ الجواب يكمن في الضرر الكبير للعلاقات العامة للدبلوماسيين الأمريكيين، فوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بدأت الاتصالات مع مختلف الدول، مثل الأرجنتين والمانيا وروسيا، لتقديم اعتذار عن بعض الأوصاف الواردة في الرسائل السرية. ومنذ الآن يجد الدبلوماسيون الأمريكيون صعوبة في التحدث للكثير من السياسيين في مختلف الدول، الذين أصبحوا أكثر احتراسا. لكن هذا الضرر لا يمتد نهائيا لشبكة العملاء الحقيقيين المرتبطة بالاستخبارات الأمريكية في مختلف الدول، التي تعد ركيزة من ركائز الأمن القومي الأمريكي.

ودائما ضمن التساؤلات، من المستفيد من التسريبات ومن هي الجهة المسؤولة عنها؟

في هذا الإطار، يدخل المرء في فضاء الاحتمالات وليس اليقين. فهذه التسريبات تأتي بعد قيام الإدارة الأمريكية بالكشف عن وثائق تتعلق بخروقات ارتكبتها إدارة المحافظين الجدد تحت قيادة جورج بوش. وهذه الوثائق تتعلق بالسماح بالتعذيب في سجن أبو غريب، بل ووصل الأمر بتصويت مجلس الشيوخ على قرار يحمل إدارة بوش هــــــذه المسؤولية، وترك الرئيس باراك أوباما الانطباع باحــــتمال محاكمة مسؤولين من الإدارة الســابقة بتهمة التـــــعذيب. فبعض المقالات في شبكة الإنترنت توجه أصابع الاتهام إلى المحافظين الجدد الموجودين في دواليب الإدارة الأمريكية بأن عملية التسريب هي إنذار لأوباما بمراجعة سياسته.

ومن جهة أخرى، فحضور إسرائيل في الوثائق المسربة بصورة إيجابية للغاية يطرح أكثر من تساؤل، فهي حاضرة في إطار حرصها على السلام العالمي وإصرارها على مواجهة الخطر الإيراني وخطر التطرف الإسلامي. ومن يعرف مستوى تغلغل النفوذ الصهيوني في الإدارة الأمريكية، لن يتردد في توجيه أصابع الاتهام لإسرائيل، وأن الأمر يتعلق بمخطط تحالفي يجمع بين المحافظين الجدد الذين يستعدون للعودة للسلطة وإسرائيل والرافضين لبعض توجهات إدارة أوباما.

مانينغ أو أوزوالد الجديدوالمثير أن مساءلة أي خبير في مجال كيفية محافظة الدول على الوثائق، خاصة طريق عمل الولايات المتحدة، أو متخصص في العمل العسكري، يبدأ بالضحك إلى مستوى السخرية عندما يسمع بتحميل الضابط الصغير برادلي مانينغ (23 سنة) مسؤولية تسريب أكثر من 250 ألف وثيقة إلى الجمعية غير الحكومية ويكيليكس. ويرى الخبراء أن سن برادلي مانينغ، أي 23، لا يؤهله بصفة نهائية أن يكون محللا كبيرا في الاستخبارات العسكرية، وبالتالي صعوبة حيازته للقن السري للاطلاع على مختلف الوثائق. وفي الوقت ذاته، لا يمكن لأي مسؤول في الاستخبارات الاطلاع على وثائق متعددة تهم مناطق مختلفة من العالم من دون إثارة الشك والريبة، علما بأن الاستخبارات العسكرية الأمريكية، مثل نظيراتها العالمية، تتوفر على أقسام مستقلة. وهناك تساؤل آخر، برادلي مانينغ هو محلل استخباراتي عسكري، فلماذا كشف فقط وثائق مدنية وليست عسكرية تهم أسرار بعض الحروب والوجود الأمريكي في العالم؟

ربما نكون أمام نسخة جديدة من هارفي أزوالد، ذلك الشخص الذي تم تحميله مسؤولية اغتيال الرئيس جون كينيدي، بينما الجميع مقتنع بأن الفاعلين مازالوا في إطار السرية، والدليل على ذلك أن الاستخبارات الأمريكية ترفض الكشف عن ملف اغتيال كينيدي حتى وقتنا الراهن وجرى تحديد عقد الستينات من القرن الجاري لمعرفة الحقيقة الكاملة.’ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية