القاهرة ـ «القدس العربي»: أثار حكم محكمة جنايات القاهرة بالسجن المشدد على صحافيي قناة «الجزيرة» في القضية المعروفة اعلاميا بـ”خلية الماريوت” جدلا واسعاً في مصر وغضبا دوليا أعتبرها انتهاكا لحقوق الصحافيين في ممارسة عملهم.
واصدرت محكمة جنايات مصرية الاثنين الماضي احكاما بالسجن سبع سنوات لكل من الاسترالي بيتر غريستي والمصري الكندي محمد فاضل فهمي الذي كان مديرا لمكتب الجزيرة الانكليزية قبل حظرها وبحبس المعد المصري في القناة باهر محمد لمدة عشر سنوات، و10 سنوات غيابياً على أنس عبد الوهاب وخليل علي خليل وعلاء بيومي ومحمد فوزي ودومينيك كين وسو تيرتن.
وكانت السلطات المصرية افرجت عن مراسل قناة الجزيرة عبد الله الشامي بعد اعتقال دام أكثر من 10 أشهر أمضى خمسة أشهر منها مضربا عن الطعام، واعتقل الشامي أثناء قيامه بتغطية أحداث فض اعتصام رابعة العدوية.
اليوم 29 حزيران / يونيو يكون مضى 183 يوما على اعتقال صحافيي «الجزيرة» الثلاثة، وقد شهدت قضيتهم اهتماما وتعاطفا دوليا كبيرا. وكما وصف أحد الحقوقيين فان الاحكام الجائرة والغبية بحق الثلاثة قدمت خدمة كبيرة للمحطة الفضائية، وفي حين كان القضاء المصري يدين الصحافيين، شوه صورته وتلقى ادانات أكبر من مختلف انحاء العالم، وسيتطلب الامر جهودا دبلوماسية كبيرا ووقتا طويلا ليستطيع تحسين صورته.
وخلال 12 جلسة للمحاكمة استمرت على مدار ستة شهور لم تتضمن اللائحة التي قدمتها النيابة أي دليل قاطع يدين صحافيي الجزيرة، ولم تتضمّن الادلة سوى فيديوهات من قنوات غير الجزيرة وتسجيلات صوتية رديئة الجودة وغير مفهومة، حيث أكد الدفاع للمحكمة أن ما عرض من أشرطة فيديو لا يمت إلى القضية بأي صلة.
واستدعى عدد من وزراء الخارجية الاوروبيين سفراء القاهرة وقدموا اعتراضهم على الاحكام، فيما قالت وزيرة الخارجية الأسترالية جوليا بيشوب إنه «ما من شك في أن هذه القضية كانت دوافعها في البدء سياسية لأنها حصلت في الوقت الذي سيطر فيه الجيش على الحكومة. إن حكومة الإخوان المسلمين انتخبت بطريقة ديمقراطية وقد حصل انقلاب عسكري ثم جرى تصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية».
ووصفت «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» الحكم ضد الصحافيين في مصر في قضية «خلية الماريوت» بالحكم الجائر.
وقالت في بيان حصلت «القدس العربي» على نسخة منه، إن الحكم الصادر بحق صحافيي الجزيرة في هذه القضية «الظالمة» يمثل ضربة موجعة لحرية الصحافة، وجزءا من حملة ممنهجة تشنها السلطات المصرية ضد الصحافيين المختلفين والناقدين، ويعد استكمالا لحصار الآراء المنتقدة بشكل هو»الأسوأ» منذ ما يقارب 40 عامًا.
وطالبت «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» السلطات المصرية بإسقاط جميع أحكام الحبس ضد صحافيي «الجزيرة» بشكل خاص والصحافيين المصريين بشكل عام، مشيرة إلى ضرورة التوقف عما وصفته بـ»استهداف» الصحافيين وملاحقتهم، واحترام حرية الصحافة والتعبير.
ووصفت ما تقوم به الحكومة بانه مؤشر قوي على ما ستشهده البلاد خلال الفترة المقبلة، من عصف شديد بالحريات واستهداف الصحافيين المعارضين لها.
وقال جورج اسحاق، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، انه لن يعلق على أحكام القضاء، وأن المواثيق الدولية تمنع القبض على الصحافيين، والحكم الصادر بشأن الصحافيين يثير غضب العالم بأكمله، لان الصحافة سلطة محصنة، كفانا استعداء للعالم».
وطالب إسحاق بتنظيم وقفة لنقابة الصحافيين للوقوف ضد هذه الأحكام، مشيرا إلى أن هذا الحكم نتج عنه استدعاء سفرائنا في كل الدول لانتقاد أحكام القضاء المصري.
وأعلن مجلس نقابة الصحافيين في بيان له، تضامنه مع الزملاء الصحافيين الذين صدرت ضدهم أحكام في قضية قناة «الجزيرة»، مؤكدا احترامه لمبدأ عدم التعليق على أحكام القضاء.
وأشار إلى أن الحكم ليس باتا، ويحق للزملاء استخدام حقهم القانوني في الطعن بالنقض على هذه الأحكام، خاصة أن كل المبادئ والأحكام التي أرستها محكمة النقض تنحاز وتؤكد على حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير، كما أن الدستور يؤكد على استقلال الصحافة والإعلام، ويضمن حماية الصحافيين والإعلاميين أثناء قيامهم بمهام عملهم.
يوم مظلم
وأدانت منظمة العفو الدولية السجن والاحكام ضد ثلاثة من صحافيي فضائية «الجزيرة»، وقال فيليب لوثر، مدير «برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في منظمة العفو الدولية، «إن هذا الحكم يلحق الدمار بالصحافيين وأسرهم، وإنه ليوم مظلم لحرية الإعلام في مصر عندما يُلقى بالصحافيين وراء القضبان ويوسمون بأنهم مجرمون أو «إرهابيون» لا لشيء إلا لقيامهم بعملهم وهم في الحقيقة سجناء رأي ويجب الإفراج عنهم فوراً وبلا قيد أو شرط.
وأعربت «المنظمة المصرية لحقوق الإنسان» عن قلقها إزاء ما وصفته بـ»استمرار سياسة الحبس تجاه الصحافيين»، مضيفة أن تلك السياسة تتعارض مع الدستور المصري والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وتابعت المنظمة في بيان صدر عنها، أن المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصت على حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة دون تقيد بالحدود الجغرافية.
وأدانت مجموعة اخرى من منظمات المجتمع المدني في بيان مشترك، الحكم الصادر من محكمة جنايات القاهرة في القضية المعروفة إعلاميًا «بخلية الماريوت»، وقالت المنظمات، إن هذا الحكم الصادر بمثابة انتهاك للقانون ولإجراءات المحاكمة العادلة، ويعد أقصى الأحكام التي أصدرتها المحاكم المصرية ضد إعلاميين بمناسبة تأدية عملهم، ورأت المنظمات أنه يمثل اعتداءً سافرًا على حرية الرأي والتعبير، وتجسيدًا للزج بالقضاء في إسكات وسائل الإعلام التي توجه انتقادات للإدارة الحالية ومعاقبة الصحافيين والإعلاميين بملاحقتهم قضائيًا.
وتابعت أن المحكوم عليهم يواجهون عقوبة بالغة القسوة بالرغم من أن المحكمة لم تنسب لهم استخدام القوة أو العنف باعتبارهما من الوسائل التي يتحقق بها الغرض من الجريمة، كما أن القضية شهدت تضاربا واضحا في شهادة الشهود، ولم تستطع نيابة أمن الدولة إثبات انضمام المحكوم عليهم إلى جماعة غير قانونية وأن كل هذا يؤدي إلى انتفاء الجزم واليقين حول ارتكاب أيًا منهم للأفعال المنسوب إليهم ارتكابها، ولا نعلم على أي أساس قامت المحكمة بتأسيس حكمها.
وأكدت المنظمات أن المؤسسة القضائية أصبحت تعصف بكل المبادئ الدستورية التي تستوجب احترام حريات التعبير والصحافة والإعلام وتبادل المعلومات، ومن ثم أهانت منصة القضاء وحولت المحاكمات إلى إجراء صوري يهدف إلى وضع مسحة قانونية على التنكيل بالمعارضين السياسيين.
وطالبت المنظمات بالتصدي لحالة الإنفلات القضائي المتمثل في الأحكام الصادرة عن المحاكم مؤخرًا، ومنها الحكم في قضية صحافيي «الجزيرة» والحكم الآخر القاضي بإعدام 183 متهما في أحداث مركز شرطة العدوة وبضرورة مراجعة تلك الأحكام وإجراءات المحاكمة، للبيان ما إذا كان قد توافرت فيها شروط المحاكمة العادلة والمنصفة.
ورأت أن الحكم يمثل «اعتداءً سافرا» على حرية الرأي والتعبير وتجسيدا للزج بالقضاء في إسكات وسائل الإعلام التي توجه انتقادات للإدارة الحالية ومعاقبة الصحافيين والإعلاميين بملاحقتهم قضائيًا، بحسب البيان.
وأبرز المنظمات الموقعة على البيان «مؤسسة حرية الفكر والتعبير،الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب،ومجموعة المساعدة القانونية لحقوق الإنسان».
لجنة حماية الحريات
وأدانت لجنة حماية الصحافيين الأحكام الصادرة ضد صحافيي قناة «الجزيرة» ووصف شريف منصور، منسق لجنة حماية الصحافيين بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الأحكام بأنها «صادمة وتثير القلق إلى حد كبير بشأن مستقبل الصحافة في مصر».
وأضاف منصور، في بيان نشر عبر الموقع الإلكتروني للجنة باللغة الإنكليزية، «لا بد للسلطات المصرية أن تطلق سراح هؤلاء الصحافيين، وكذلك إسقاط هذه الأحكام عن طريق النقض فيها».
وقالت احصائيات أجرتها اللجنة «إنه تم احتجاز أكثر من 65 صحافيا منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي إلا أن معظمهم أطلقت السلطات المصرية سراحه وتبقى حوالي 14 صحافيا».
علاء الاسواني يمتنع
ومن جانب اخر، أعلن الكاتب والروائي علاء الأسواني عن توقفه عن كتابة مقالاته في صحيفة «المصري اليوم» مشيرا إلى أنه لم يعد مسموحا في الوقت الحالي إلا بالرأي والفكر والواحد وكذلك لم يعد مسموحا إلا بالمدح على حساب الحقيقة حسب قوله. وقال في تغريدة عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي ”تويتر”، ”إلى القراء الأعزاء لقد توقفت عن الكتابة في جريدة «المصري اليوم» اشكر لكم حسن متابعتكم لمقالاتي الأسبوعية ونلتقي بإذن الله في مكان آخر». وتابع ”لم يعد الآن مسموحا إلا برأي واحد وفكر واحد وكلام واحد ولم يعد مسموحا بالنقد والاختلاف في الرأي ولم يعد مسموحا إلا بالمديح على حساب الحقيقة».
وأكد الأسواني تضامنه مع الكاتب بلال فضل كاتب مسلسل ”أهل إسكندرية”، قائلا ” أتضامن مع صديقي الموهوب بلال فضل كاتب مسلسل ”أهل إسكندرية” الذي تم منعه عقابا له على معارضته للسلطة الحالية، بلال الذي اعرفه لن يخاف ولن يتغير” – على حد قوله.
منار محمد