كاظم الحلاقلا أحد يعرف بدقة متى مارس الإنسان القمار. السجلات الرسمية الصينية تشير إلى 2300 قبل الميلاد، لكن الاعتقاد يوحي بأن كل المجتمعات مارست القمار؛ ووفقا للأدلة الاثارية ان القمار كان موجودا عبر كل العصور وفي كل الحضارات. يرى الانثروبولوجيون أن المعلومات المتجمعة في القرن العشرين تبيّن بقوة بأن القمار شغل حيزا واضحا في حياة الناس. في الحضارة الصينية والهندية والمصرية، من الإغريق إلى الرومان، من فرنسا نابليون بونابرت إلى انكلترا الملكة ليزابيث، التاريخ مفعم بقصص التسلية المعتمدة على ألعاب الحظ. كذلك دللت ألواح الكتابة على أن القمار وجد في الاهرامات والمدافن المصرية القديمة حيث صورت الرسوم الراحلين وهم يلعبون النرد. يقول الاثاريون ايضا أن انسان الكهوف كان مقامرا حيث وجدت اشياء شبيهة بالنرد مصنوعة من أرساغ الخراف والكلاب يعود تاريخها إلى أربعين ألف سنة، فضلا عن صنوف الرسوم التي تظهر إنسان الكهوف يقدم قرابين القمار. لقد رمى المقامرون زهر النرد،’ الزار باللهجة العراقية’، على الأرض قبل اكثر من ألفي سنة، ثم فيما بعد اصبح القمار مقتصرا في الردهات الخاصة على النخبة والطبقات العليا في فرنسا. وفي وقت لاحق قدم إلى أمريكا، وفي الحال لاقى نجاحا وبدأ اللعب به في الزوارق البخارية العائمة في المياه ومن ثم اتخذ طريقه إلى شوارع وبيوت المدن الرئيسية في أمريكا.
الأميركيون يعشقون القمار. عام 2007 اكثر من ثلثي سكان أمريكا قامروا بشكل قانوني في الكازينوهات. الأمريكيون ينفقون على القمار اكثر مما ينفقون على الذهاب إلى المسارح لمشاهدة العروض المسرحية والأفلام السينمائية أو شراء الكتب أو أقراص الموسيقى أو الطعام والشراب. وحينما يكون الحديث عن مشكلة القمار فان نسبة الرجال الذين يقعون في هذا التصنيف اكثر من النساء. إدمان اليافعين أو الأحداث على القمار أيضا في ازدياد. حوالي 80 ‘ من الأحداث بين سن الثانية عشرة والسابعة عشرة قامروا في السنة الماضية وفق إحدى الدراسات. ان مصطلح كازينو جاء من الجذر الايطالي Cs والذي يعني ‘منزل’. تغيرت الكلمة فيما بعد لتشير إلى بناية أنشئت لغرض تقديم المتعة: الأطعمة، الرقص، العروض الترفيهية وممارسة القمار.
تاريخ الكازينوهات في أمريكا بدأ في أوقات مختلفة. في البدء كانت الكازينوهات تسمى صالونات Sloons، حيث بمقدور المسافرين أن يتحدثوا إلى الناس، يأكلوا ويشربوا، وفي الغالب يقامروا معهم. المدن التي اشتهرت بالصالونات آنذاك هي نيو أورليانز New Orlens، سانت لويس St. Louis وسان فرنسيسكو Sn Frncisco. انشىء أول كازينو في أمريكا عام1882، ثم تناسلت بشكل غريب في معظم الولايات ليفوق عددها الثلاثمئة كازينو. السؤال الذي يطرح نفسه لماذا اصبح القمار في نمو متزايد في أمريكا؟ وما هو الدافع الرئيسي للمشاركة في هذا النشاط؟ ولماذا يقامر بعض الناس أكثر من البعض الآخر؟ ومَنْ هذا البعض؟ لماذا يقامر الناس حينما لا تكون النتيجة طريقا مؤكدا للنجاح؟ الجواب على هذه الأسئلة يتسم بالتعقيد والتداخل ولا تتسع إليه هذه المقدمة. ثمة مقاربات عديدة في استبيان أجري في واشنطن عن الأسباب التي تدفع الناس للقمار كانت الأجوبة انهم يقامرون، أولا، من أجل التسلية. ثانيا، من أجل الربح. ثالثا، من أجل الإثارة والتحدي. أحد أسباب الانتشار ربما ان الحكومة المركزية تحتاج إلى المال وانها أدمنت على ريع ألعاب الحظ كالكازينوهات واليانصيب. السبب الثاني ان الحكومة الأميركية أجازت القمار لذا فإن الناس راغبون في المشاركة بالألعاب. وثمة رأي آخر طالما أن إحدى الولايات سمحت بالقمار فان الولاية الثانية لا تريد أن تخسر أموال مواطنيها في كازينوهات الولاية الجارة، لذا هي نفسها ستسمح به. على الرغم من زاوية النظر، لا شك في ان القمار اصبح نشاطا شائعا جدا في أمريكا. وان ممارسة القمار في كازينوهات الانترنت إحدى اكبر ظواهر القرن الواحد والعشرين.
الجدول التالي يشير إلى الولاية وسنة إجازة القمار في الكازينو (نيفادا، 1931، نيوجيرسي، 1976 ، ساوث داكوتا 1989، ايوا 1989 ، كولارادو 1990، ألينوي1990، مسيسبي 1990، لويزيانا 1991، ميزوري 1992، انديانا 1993). هذا الجدول لا يظهر الكازينوهات المبنية في مقاطعات الهنود الحمر. سنتحدث عن ذلك لاحقا.
الجدول ادناه يبيّن ريع أسواق الكازينوهات الأميركية في سنة واحدة:(لاس فيغاس 5.550 بليون دولار، اتلانتك سيتي 3.943 بليون دولار، شيكاغو 2.092 بليون دولار، ديترويت، 1.448 بليون دولار، سانت لويس 1.050بليون دولار، مسيسيبي 833.50 مليون دولار، نيو أورليانز 653 مليون دولار، كنيتكت 1.448 بليون دولار). من قبل كان القمار خاصاً بالنخبة والطبقات العليا من المجتمع، لكن الوضع الآن تغير. لقد جعلت لاس فيغاس القمار متاحا لكل الطبقات بعد أن أدرك أصحاب الكازينوهات أن من الأفضل لهم أن يفتحوا الأبواب لعامة الناس نساء ورجالا، حتى لو كان لدى الشخص ربع دولار فقط بمقدوره دخول أرقى الكازينوهات ليجرب حظه وامكانية الربح.
في الأوقات المعاصرة رأينا تغييرا كبيرا في موقف المجتمع من القمار، انه أجيز الآن كضرب من التسلية وانه مقبول بيسر لدى معظم البالغين. وجهة نظر المجتمع عن القمار مرت في انمساخات عجيبة في المئة سنة الأخيرة. كانت ثمة أوقات حينما نظر المجتمع إلى القمار باعتباره تجسيدا للشر، وأخلاقيا أدين كنوع من الرذيلة، كذلك كان نشاطا محظورا من قبل القانون يفضي إلى السجن. على المنظور السطحي مثّل القمار أسلوبا حياتيا مثيرا وفاتناً. وعلى الرغم من أن القمار ارتبط بالثراء والرقي إلا أنه ارتبط أيضا بالضعف الأخلاقي والجريمة المنظمة والانتحار.
ألعاب الحظ الهنديةترتبط الكازينوهات في أمريكا بالهنود الحمر. يعتقد الهنود الحمر أن الآلهة أنفسهم ابتكروا ألعاب الحظ. كان المقامرون جائعين لأنواع مختلفة من القمار فأخذ اصحاب الكازينوهات يحدثون ويطورون مكائن القمار، وحينما حظر القمار مطلع القرن التاسع عشر غيّر المالكون مكائن القطع النقدية إلى أخرى تقدم العلكة والحلويات. مكائن القمارSlot Mchines كانت ابتكارا يتسم بالجدة والغرابة ولم تكن شائعة في الكازينوهات حتى عام 1970. مقاطعات الهنود الحمر تحكمها وتديرها قبائل الهنود الحمر نفسها، لهم شرطتهم ومحاكمهم وقوانينهم غير الخاضعة لسلطة الولايات التي تقع فيها تلك المقاطعات انما للحكومة المركزية الأميركية. ثمة 310 مقاطعة للهنود الحمر في أمريكا، ونحو 562 قبيلة. لقد سمحت الحكومة الفيدرالية الأمريكية للهنود الحمر بإنشاء الكازينوهات في مقاطعاتهم التي عادة ما تكون في ضواحي المدن كنوع من التسوية بعد ان استولى الرجل الأبيض على أراضيهم. كانت اغلبية الهنود الحمر عاطلة عن العمل، حيث الإفراط في تناول الخمرة وانتشار الجريمة وتردي الخدمات الصحية والمعيشية الأساسية. بعد ان سمح بفتح الكازينوهات في الاراضي الهندية، أخذوا يوظفون ما يحصلون عليه من أموال لتحسين حياتهم.. بناء المدارس والمستشفيات وتعبيد الطرق ولم يعد أحد تقريبا بدون عمل. ثمة مقاطعات انتعشت فيها الحياة واختبر أفرادها العيش في بحبوبة فأخذت القبائل المترفة تشارك الريع لمساعدة القبائل الأخرى التي ليس في أراضيها كازينوهات. الكازينوهات الهندية استأجرت عددا كبيرا من الناس سواء كانوا من الهنود أو غيرهم، بخبرة أو من دونها.
القمار من منظور أخلاقييروى عن المتصوف السيرلانكي يوغاسوامي أنه في أحد الأيام جاء تاجر ثري إلى الكوخ الذي يسكن فيه يوغاسوامي وهو يحمل صينية كبيرة ممتلئة بقطع الذهب وأشياء ثمينة أخرى.. يوغاسوامي كان يعرف أن التاجر حصل على ماله بطريقة غير شرعية، رفس الصينية على الأرض وطلب من التاجر أن يغادر دون ان يتقبلها منه. نعم ثمة هكذا شيء، يوجد مال نظيف ومال قذر، لأنه في النهاية المال طاقة. المال يمنح الطاقة، المال قوة، المال هو شكل من أشكال الطاقة الكونية prn. المال النظيف هو مال جيد، الرأسمال المستمد من مصادر خيرة ومكتسب بمساعدة الناس، وليس من إيذائهم، بخدمتهم وليس خداعهم. انه مال جيد، حينما ينفق هذا المال أو يستثمر فانه يحدث نتائج خيرة تدوم طويلا وتعطي الثمار الطيبة والكثير من البذور الإيجابية تنمو في مجالها. بينما المال المكتسب من بيع السلاح والحروب والقمار والمتاجرة بالمخدرات والرشوة والغش والسرقة وبقية الثراء المتأتي عبر مئات الطرق المعتمة حينما ينفق يجلب طاقات سلبية ولا خير يرتجى منه. في أمريكا رفضت بعض المنظمات المال الذي يتبرع به اصحاب الكازينوهات للطلاب والبعثات الدراسية اعتقادا منها بأن هكذا مال لا يجلب الوعي الحقيقي والازدهار لعقول الطلاب. يعتقد البعض ان استخدام المال القذر لأغراض خيرة سيطهره. هذا الرأي غير سليم بسبب ان المال هو طاقة أُسرت في اوراق نقدية ولا يمكن تحويلها بشكل طائش أو لعوب على حد قول يوغاسوامي.
النساء والقماراذا كانت ثمة ملاحظة جديرة بالانتباه فهي ان القمار كان حصرا على الرجل، أما في الوقت الحاضر فالمرأة تجلس كما الرجل على مائدة القمار وتلعب البوكر و الـ 21. في الماضي غالبا ما كانت فضيلة عواطف المرأة تكمن في العفوية النابعة من القلب، الان عواطف المرأة الأمريكية بشكل خاص تتأرجح تحت تأثير المخدرات والخمرة وأضواء الكازينوهات الساحرة وعروض العمل. انها تتقلب على موجات اعلانات الراديو والتلفاز والمجلات والصحف. انها الان خارج مركز انوثتها التي فطرها الله او الطبيعة عليها، فالاتجاهات التي تتحرك فيها هي اتجاهات موضوعية لا تسيطر عليها العاطفة.
لقد تعقدت ظروف حياة المرأة الأمريكية بتعقد الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. المرأة الآن في أمريكا لها بيتها وأولادها وسيارتها وعملها ووقتها ومالها.. بوسعها في أي وقت أن تشغل محرك سيارتها وتذهب إلى الكازينو لتقامر وتشرب الخمرة وتدخن وليس بمقدور أحد أن يمنعها سوى نفسها. لم تعد المرأة الأمريكية كما كانت أمهاتنا أو جداتنا يلزمن البيت ويهتمين بالأطفال والواجبات المنزلية.
ينظر البعض من النساء إلى القمار بوصفه شكلا من أشكال التسلية الممتزجة بالإثارة، لكن بالنسبة إلى البعض الآخر منهن فان القمار هو وسيلة للهروب وتجنب الناس والظروف والعواطف. حينما تقامر النساء فإنهن يفقدن الإحساس بمرور الزمن، خسارة المال والآخرين. اذا ما كانت المرأة مكتئبة أو حزينة فان الربح أو الربح الوشيك يصبح مثيراً. إذا ما كان احترام المرأة لنفسها متدنياً فان الربح يكون معادلا للإنجاز والتحقق.
النساء المدمنات على القمار أو اللواتي لديهن مشكلة فيه مارسن القمار لسنوات عديدة كنشاط اجتماعي للترفيه عن أنفسهن، لكن حينما يتغير أسلوب الحياة عبر التقاعد عن العمل، الطلاق، الفقدان، ربما يفضي ذلك إلى الإدمان بدلا من ممارسة القمار كنشاط اجتماعي. الكثير من المقامرات لهن تاريخ في أنواع أخرى من الإدمان أو الاضطرابات الاستحواذية؛ كالكحول والمخدرات والافراط في تناول الطعام أو الانفاق غير المسؤول. المقامرات المدمنات يفضلن القمار حتى على حياتهن العاطفية، يتركن أزواجهن أو حتى أطفالهن الرضع في البيت ويذهبن إلى الكازينوهات للمقامرة.
اذا ما حضر الشخص اجتماعات برامج الاستشفاء من الإدمان على القمار والكحول والجنس والطعام والمخدرات والتسوق غير المسؤول يبدأ عالم المرأة الغامض والمأساوي بالكشف عن نفسه: السجون، الطلاق، البكاء المرير والندم والندوب النفسية العميقة التي أحدثها أسلوب الحياة غير الملجوم لتوكيد الذات المبني على وهم الحرية حيث يفضي في الغالب إلى الأخطاء والنتائج الكارثية. يتحدث الفيلم الذي أخرجه السويدي انغمار برغمان ‘الختم السابع ‘Seventh Sel عن الموت الأسود الذي أصاب أوروبا منتصف القرن الثاني عشر. يلعب أحد فرسان القرون الوسطى الشطرنج مع شخص الموت، كان الرهان؛ إذا ما خسر الفارس عليه أن يموت. ممكن أن يرمز الفيلم إلى وضع الكثير من المقامرين. المقامرون المرضيون يريدون الربح لكنهم ينتهون إلى الخسارة، يخسرون أموالهم، أوقاتهم، علاقاتهم، وفي النهاية حتى حيواتهم. كاتب عراقي مقيم في أمريكاالمراجع:1- History of csinos2- Gmbling on Indin Reservtion3- Intruduction of gmbling in the United Sttesqd