محمد منصور في برنامج الاسكتشات السياسية والاجتماعية الناقدة: (كتير سلبي) على قناة (إم تي في) لوحة معبرة… عن سياسيي لبنان المتصارعين والمتناحرين، إذ نراهم وهم يعقدون جلسة زجل على إحدى البلكونات، يتبادلون فيها الاتهامات والمناكفات… وفجأة تنزل الكاميرا من البلكون إلى الحديقة لنرى رجلاً من عامة الشعب، يرد على هؤلاء بمقطع زجلي عن لبنان الذي يريد (بدنا لبنان من غير قتال…) أي من دون مشاحنات وإشعال حرائق، فلا يكون من هؤلاء الزعماء إلا أن يهرعوا إليه ويشبعوه ضرباً وركلاً!
وفي برنامج (أخبار الصباح) على قناة (أخبار المستقبل) استطلاع جماهيري عن نوعية البرنامج الذي تحب أن تقدمه لو أصبحت مقدم برامج… تعددت فيه الإجابات ما بين البرنامج الصحي وبرامج الرياضة والترفيه والشباب… بل وبرنامج عن الرقص… لكن أحداً لم يفكر أو يشتهي تقديم برنامج سياسي فيما لو أتيحت له فرصة تقديم برنامج تلفزيوني! إذن ثمة قرف شعبي من السياسة والسياسيين في برامج المحطات اللبنانية… قرف يصل حد الترف، فسياسيو لبنان بمختلف اتجاهاتهم وطوائفهم وانتماءاتهم، هم أكثر رجال سياسة في العالم يواظبون على الظهور على شاشات التلفزيون كما يخيل لنا… حتى أن الجمهور لا يجد فرصة كي يشتاق لأحدهم، إلا ويجده أمامه على شاشة هذه المحطة أو تلك. قبل فترة قصيرة كان الوزير السابق وئام وهاب، ضيف أحد برامج قناة (المنار) الأسبوع الماضي حل ضيفاً على (العالم هذا الأسبوع) على قناة (الجديد) وهذا الأسبوع… حل ضيفاً على (بموضوعية) على قناة (إم تي في)… وفي الأسبوع القادم لا ندري على شاشة أي محطة سنراه. ما ينطبق على السيد وهاب ينطبق على الحكيم والجنرال وفتفت وعلوش وأبو زهرة والأخوين قنديل والأخوة الأعداء… فهؤلاء جميعاً وغيرهم يلفون على كافة البرامج الحوارية في المحطات اللبنانية… وكأن هذه المحطات تبرمج أسماءهم بالدور، وتتداولها في ما بينها بالتناوب… وما لا ندركه من طلة بهية في برنامج حواري… سنراه وهو يعقد مؤتمراً صحافياً، أو لقاء أسبوعياً، أو حديثاً إذاعياً تنقل خلاصته تلفزيونياً، أو تصريحاً إخبارياً تلوكه النشرات الإخبارية على الماشي… وقد نفتح التلفزيون صباحاً فنرى هؤلاء في أحد برامج الصباح قابعاً في الأستوديو أو مرابطاً على الهاتف! لا أعتقد أن سياسيي الولايات المتحدة الأمريكية يظهرون بنفس الكم الذي يظهر فيه سياسيو لبنان في وسائل الإعلام… لا بل إن من يتابع المحطات التلفزيونية اللبنانية، ويرى هذا الحضور الكثيف لمعارك السياسيين اللبنانيين ومشاحناتهم وردودهم على بعضهم بعضاً، سيعتقد أن لبنان أكبر من الولايات المتحدة، وأن عدد سكانه يفوق عدد سكان الصين، وأن عدد طوائفه يفوق عدد طوائف وقوميات الهند! هذه الصورة المضخمة لجعجعة السياسة في المحطات اللبنانية التلفزيونية، قادت الجمهور اللبناني، ومعه بعض الجمهور العربي المهتم بالِشأن اللبناني… إلى السأم والضجر من هذا الاجترار الإعلامي، الذي لا هم له سوى أن يشعل نيران الصراعات كلما خبا أوراها… أو البحث عن أي قضية خلافية كي نشعل حولها الحرائق، ونبدأ ماراثونات الظهور الإعلامي من أجل الرد… والرد المضاد! أعتقد أن أهم ما ينعش المحطات اللبنانية، ويقودها إلى بعض التجديد، هو أن يصوم سياسيو لبنان بمختلف تياراتهم عن الحديث لوسائل الإعلام… ترى لو صام هؤلاء لمدة شهر… كيف ستكون ردة فعل المشاهد… وكيف سيبدو مزاج اللبنانيين، وعلى أي درجة سينخفض مقياس ضغط الدم الشرياني لدى كثير منهم؟ سؤال لا يمكن لأحد أن يجيب عليه، إلا إذا صام سياسيو لبنان عن الكلام فعلاً، واستجابوا لدعوة الشاعر بيرم التونسي التي وجهها ذات يوم لمغنيي عصره: (يا أهل المغنى دقيقة سكوت لله… احنا اشبعنا كلام مالو معنى يا ليلي يا عيني يا آه). هل أصبح رأي الجمهور شماعة المهرجانات العربية؟ الأشهر الثلاثة الأخيرة من السنة، باتت أشهرا مكتظة بالمهرجانات والجوائز العربية السينمائية والتلفزيونية والمسرحية… وقد كتبت خلال الأسابيع الماضية عن بعض تلك المهرجانات انطلاقاً من رؤية نقدية تحاول كشف الزيف والفبركة والمجاملات التي تقوم عليها معظم المهرجانات والجوائز العربية ولا تعتبر (كل ما يلمع ذهبا)… فأثار ذلك ردود فعل متباينة. عن (جائزة أدونيا) السورية، وصلني الكثير من الرسائل والتعليقات من القراء الذين ـ على خلاف العادة- كانوا مع الهاجس نفسه، فاعتبر بعضهم أن ما كتبته كان تعبيراً عما يفكرون به وبعضهم قال رأيه في منظمي الجائزة باعتبارهم من رجال الأعمال والمستثمرين الذين لا باع لهم في مجال الفن أو العمل الثقافي الجاد… أما مهرجان (جوردان أووردز) الذي تناولته في هذه الزاوية من الرؤية نفسها، فقد أرسلت لي مديرته السيدة رنا سلطان رسالة مطولة، كانت ـ على غير العادة أيضاً- تحفل بعبارات احترام الرأي الآخر، وتناقش بلا تخوين وعقل تآمري يبحث في الخبايا والنوايا ما خلف الكلمات والسطور. انحصر رد السيدة سلطان في التأكيد على أن هدف مهرجان (جوردون أووردز) أن يكون (مهرجانا يتطلع للفوز بجوائزه كل فنان عربي ليس لأنه حفل مبهر تغطيه كل وسائل الإعلام، بل لأنهم يعرفون وسيعرفون بأنه قائم على أسس قوية لن يحيد عنها بدون مجاملات ومحسوبيات) وقد انطلقت بعد ذلك… لمناقشة ما قلته حول الجوائز التي منحت، والتي قلت إنه تفوح منها رائحة المجاملات والتوازنات والحسابات كجائزة (أفضل مقدم برنامج حواري) التي ذهبت لسعود الدوسري، فاعتبرت أن هذه الجائزة: (لم يتدخل بها أي عضو من لجان التحكيم، بل كانت من الألف إلى الياء من اختيار الجمهور وكانت الأسماء الكبيرة التي ذكرتها من ضمن الأسماء المرشحة بقوة، بل كانت هنالك أسماء كبيرة ومهمة أخرى في نظرنا مرشحة ولكنها لم تفز). ودعونا نتساءل بالمنطق: هل جرى التصويت في الأراضي السعودية؟ ومن هو هذا الجمهور الذي يعشق سعد الدوسري… وهو لم يكن له أي نشاط ملموس خارج برنامج (نقطة تحول) الذي لم نقرأ عنه أية مقالات تذكر في الصحافة العربية (أستثني السعودية) بما يعبر عن صداه الجماهيري وانشغال الناس به؟ إن الله لم ير لكن بالعقل انعرف… كما يقال، وبالعقل والمنطق لا يملك سعد الدوسري جماهيرية جورج قرداحي أيام عزه، ولا انبهار المؤمنين بعمرو خالد في فجر بزوغه، ولا استظراف بساطة وتلقائية محمود سعد القريبة من القلب… فكيف منحه الجمهور كل هذه الثقة؟ وإذا صدقنا أن التصويت حدث فعلا وأن الجمهور اختار بملء إرادته… فماذا عن معايير اختيار الجمهور وظروف التصويت… ما هي أسسها كي نصدق أو لا نصدق… وكي يصبح رأي الجمهور عادلا ومنصفاً؟ بالمنطق ذاته، أستغرب أن يكون الجمهور هو الذي رجح فوز (ما ملكت أيمانكم) للمخرج نجدت أنزور… على الأعمال العظيمة التي نافسته… صحيح أن نجدت أنزور مخرج صاحب حضور، وفنان في إثارة الصخب الإعلامي الذي يصل به إلى الجمهور أكثر مما بات يصل من خلال أعماله المتراجعة فنياً مع الأسف… وربما نفهم أن انتماء نجدت أنزور إلى الأردن الذي عمل به في بدايات حياته الفنية، قد أثر في هذا التصوير… لكن يجب ألا ننسى أن (ما ملكت أيمانكم) أثار مشاعر شرائح واسعة من الجمهور العربي بالطريقة التي تناول فيها ظاهرة التدين الشعبي، وخلط بينها وبين الإرهاب خلطاً مسيئاً ومسفاً… ما أثار اشمئزاز الكثير من تلك الشرائح التي لا تتقبل أن ترى على شاشة التلفزيون الخال يقيم علاقة شاذة مع ابن اخته… ولا أن ترى رجل دين يزني، لأن رجل الدين ببساطة يمكن أن يعقد قرانه على المرأة التي يريدها أو يشتهيها وهذا لن يكلفه شيئاً… ومع ذلك فلنصدق أن الجمهور رجح كفة هذا العمل، الذي هاجمه رجال دين معروفون بالرصانة كالشيخ محمد سعيد رمضان البوطي… هل من الضروري أن نأخذ رأي الجمهور إذا كانت لجنة التحكيم من الخبراء… هل المهم هو رأي جمهور عاطفي وانفعالي… أم المهم تحقيق العدالة؟ هل الجمهور الذي يعتبر شعبان عبد الرحيم مطرباً أهم من علي الحجار ينبغي أن نذهب كي نأخذ رأيه؟! الجمهور ليس دائماً على حق… وكم من الجرائم في المهرجانات العربية ترتكب باسم الجمهور… وحتى في المهرجانات العالمية التي نجد فيها نوعية مختلفة من الجمهور، يكون للجمهور حيز محدود جداً ومحدد بأطر وقواعد واضحة ومدروسة لإبداء رأيه… ولا تترك الأمور جزافاً، فيصبح الجمهور هو الكفة التي ترجح خلط الأوراق وتغييب الحكم العادل، وتكريم من لا يستحق… وقد ذكرتني السيدة رنا سلطان أخيرا بأنه حتى في جوائز الأوسكار هناك اختلاف رأي في الجوائز المعلنة التي كثيرا ما يثار اللغط حولها، وهذا صحيح… لكن في (الأوسكار) وأية جوائز عالمية أخرى… يكون الاختلاف بين العمل الممتاز والجيد… ولا يمكن لعمل أن يرشح لجائزة مهمة ثم يحصد تصنيف أسوأ عمل… نفهم الاختلافات القائمة على التذوق الشخصي لبعض الجوانب في ظل توفر القواعد الأساسية للعمل الناجح… لكننا لا نفهم هذا الفرق الشاسع في السوية الفنية بين عمل مهلل فنياً يفوز بالجائزة… وأعمال غاية في التكامل تقصى! في المحصلة قد أتفهم حسن النوايا في إدارة جوائز مهرجان (جوردان أووردز) في النهاية… لكن من قال إن الطريق إلى الجحيم ليس مفروشاً بالنوايا الحسنة أحياناً! [email protected]