كتاب يكشف دور المخابرات الأمريكية والبريطانية في ترويج رواية «دكتور جيفاغو»

حجم الخط
1

ظلت رواية «دكتور جيفاغو» للروائي الروسي بوريس باسترناك (1890-1960) محظورة رسميا في الإتحاد السوفييتي السابق حتى انهياره عام 1989 مع أن الرواية اشتهرت في الغرب منذ صدور الطبعة الأولى لها في روما عام 1957، ومن ثم قدمتها هوليوود في عام 1965 في فيلم أخرجه البريطاني ديفيد لين، وأدى البطولة فيه عمر الشريف وجولي كريستي.
وقلة تعرف أن وراء نجاح الرواية والفيلم عملية للمخابرات الأمريكية «سي آي إيه» والإستخبارات البريطانية «أم اي -6» كانت تستهدف إضعاف وتخريب الفكر الشيوعي حيث قام عملاء الوكالتين بطباعة آلاف النسخ من الرواية التي أعجبت المخابرات لكونها خارجة عن المألوف السوفييتي ولا تلتزم بأدب الواقعية الإشتراكية. فالرواية تدور حول قصة الطبيب- الشاعر يوري جيفاغو الذي يشعر بالخيبة من الثورة البلشفية ويترك الكفاح الثوري ويلجأ إلى حبيبته لارا في الريف ويعيش معها قبل أن يعود ويموت في موسكو في عام 1929. والرواية في تفاصيلها تحكي قصة الثورة الروسية وما بعدها. ولأنها تحكي عن فرد يعيش أزمته فقد قرر المنطق السوفييتي منعها فيما أقرت أمريكا الحرب الباردة أنه يجب تبني الرواية ونشرها ليس في الغرب بل في روسيا نفسها والكتلة الشيوعية التابعة لها، اي استخدامها في الدعاية المضادة للفكر الشيوعي، وهو ما أضر بالكاتب الذي حاول تحرير نفسه من السياسة كما يرى المدافعون عنه، رغم أنه عاش في روسيا وظل يدور في فلك الكتابة السوفييتية وكتب أشعارا في مديح ستالين ولينين ولكنها لم تكن سوى محاولة للبقاء في مهنة الكتابة.
وتظهر وثائق «سي آي إيه» التي رفعت عنها السرية أن عميلا للإستخبارات البريطانية استطاع تهريب صورة فوتوغرافية من نص باسترناك الذي أودعه لمجموعة من الأجانب الذين زاروه بعد أن تأكد من رفض السلطات السوفييتية للرواية ونشرها، ومن ضمن هؤلاء الناشر الإيطالي جيانجياكومو فليترنيلي، كما أعطى باسترناك نسخا من الرواية لمحاضرين في جامعة أوكسفورد زاراه في بيته العتيق في بريدلينكو قرب موسكو وهما الفيلسوف إيسايا برلين وجورج كاكتوف. ولا يعرف إن كان هناك شخص من الدائرة المقربة لباسترناك قام بتقديم نسخة من الرواية للمخابرات البريطانية أو أن الأخيرة قامت بطباعتها بدون إذن من أحد الذين استودعهم الروائي الروسي النص. وقد يكون برلين الفيلسوف الذي كان يتقن اللغة الروسية وله علاقات جيدة مع السلك الدبلوماسي البريطاني مصدر النص، مع أنه عارض نشر الرواية في البداية وعلى خلافه كان كاكتوف مؤيدا لنشرها. وبعد عودته من موسكو قدم برلين نسخة من الرواية لشقيقة باسترناك التي كانت تعيش في أوكسفورد. وقد يكون المترجمون والناشر الإيطالي الذي نشر أول طبعة منها في تشرين الثاني/نوفمبر 1957 هم مصدر النص الذي حصلت عليه الإستخبارات. وتشير مذكرة «سي آي إيه» المؤرخة في 2 كانون الثاني/يناير 1958 أن «أم اي-6» هي من قامت بتقديم صورة عن النسخة الأصلية -433 صفحة المطبوعة على الآلة الكاتبة للمخابرات الأمريكية، وجاء فيها «مرسل ومعها فيلمان وهما اصول الصورة لدكتور جيفاغو لباسترناك، وقد حصلنا عليها من إكس إكس إكس الذي طلب استرجاعهما في الحال». وتضيف المذكرة أن البريطانيين «يحبذون استغلال كتاب باسترناك ويعرضون تقديم ما يمكن من مساعدة، وهم يخشون من إرسال نسخ منها عبر البريد لأن معظمها سيقع في يد الرقيب، ويقترحون إمكانية إرسال النسخ مع مسافرين لمنطقة الستار الحديدي».
وعن الدور الذي لعبته «سي آي إيه» في نشر رواية باسترناك صدر في الولايات المتحدة كتاب بعنوان «قضية جيفاغو: الكرملين، «سي آي إيه» والمعركة حول الكتاب الممنوع» وهو من إعداد الصحافي في «واشنطن بوست» بيتر فين والباحثة الروسية بيترا كوفي. ويقدم الكاتبان رواية «إثارة» عن الطريقة التي قامت بها المخابرات الأمريكية بالترويج للكتاب الذي نظرت إليه باعتباره «يقوض فكرة الإتحاد السوفييتي عن تضحية الأفراد من أجل النظام».
فبعد تلقيها نسخة من الرواية قامت المخابرات الأمريكية بترتيب إصدار نسخة باللغة الروسية في هولندا بمساعدة من مخابرات هذا البلد. ووزعت هذه النسخة في إيلول/سبتمبر1958 في معرض الكتاب العالمي في بروكسل، حيث تم تسريب نسخ منها للزوار الروس من خلال جناح الفاتيكان في المعرض. وفي عام 1959 قامت «سي آي إيه» بطباعة نسخة شعبية في مركزها في واشنطن، وتم تسريب هذه النسخ على أنها نتاج لكتاب روس منفيين في أوروبا. وأطلقت «سي آي إيه» على مشروع جيفاغو إسما سريا «إي أي ديناصور» ويعتبر واحدا من المشاريع السرية التي دعمتها الإستخبارات الأمريكية أثناء الحرب الباردة. فقد وزعت الوكالة كتبا ممنوعة ومجلات ومواد أخرى على المثقفين في الإتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية. وكان هذا ضمن مشروع لإضعاف الفكرة الشيوعية عبر استخدام القوة الناعمة «وتشجيع الميول نحو الحرية والتعبير عن الضيق لغيابها». ويكتب فين وكوفي عن قصة الرواية وكيف أنهاها بعد وفاة ستالين الذي عبر عن إعجابه بكتابات باسترناك، وكان حاميا له من الهجمات وهذا ما يفسر نجاتها من حملات تطهير في الثلاثينات كما تعرض الكتاب الأخرون ولم تسلم منها عشيقة الكاتب أيضا. ولم تقبل السلطة الجديدة نشرها لأنها «لا تدعم الثورة الإشتراكية». ولكن «سي آي إيه» خاصة فرقة الإتحاد السوفييتي السرية التي كان يشرف عليها مدير الوكالة ألان دالاس أدركت أهمية الرواية، وأنها سلاح مهم في الحرب الباردة. وفي برقية سرية يكتب جون موري، رئيس محطة «سي آي إيه» «رسالة باسترناك الإنسانية، وهي أن كل شخص يستأهل حياته الخاصة ويستحق الإحترام كبشر بعيدا عن ولائه السياسي أو مساهمته للدولة – تمثل تحديا أساسيا لفكرة الإتحاد السوفييتي عن تضحية الفرد من اجل النظام الشيوعي»، ويمضي موري قائلا «لا دعوة للثورة ضد النظام في الرواية بل هرطقة يدعو إليها الدكتور جيفاغو- السلبية السياسية- هي الفكرة الأساسية». وفي برقية أخرى تصف الكتاب بأنه «مهم جدا أهم من أي أدب خرج من الكتلة السوفييتية». وتكشف ملفات «سي آي إيه» أن رواية دكتور جيفاغو لها قيمة عظيمة كبروباغاندا، ليس بسبب رسالتها الجوهرية وتحفيزها على التفكير لكن بسبب ظروف نشرها». فكون «اهم كاتب روسي» على قيد الحياة لا يمكنه نشرها في بلده سيدفع المواطنين الروس للتساؤل «ما هي مشكلة حكومتنا؟». وتكشف ملفات «سي آي إيه» حول الرواية حالة من الإحباط داخل المخابرات البريطانية التي وافقت على توفيرها في أكبر قدر ممكن من اللغات، وذلك بسبب تأخر ظهور النسخة الإنكليزية، وهذا راجع لبطء المترجم الذي كلفه كاكتوف بترجمتها وهو ماكس هيوارد، استاذ اللغات الموهوب.
وقد وافقت المخابرات الأمريكية على الإفراج عن 99 وثيقة من أرشيفها عن باسترناك، وتكشف عن الدور الذي لعبته في تقديم الرواية للقارىء العالمي. وقيل إن الوكالة قامت بإعداد نسخة بالروسية وأرسلتها للجنة نوبل كي يحصل كاتبها على الجائزة لكن ملفات «سي آي إيه» لا تظهر هذا الدور. وكانت لجنة نوبل قد منحت الكاتب الجائزة في عام 1958 وأجبر باسترناك على رفضها بسبب الضغوط التــــــي مارستها الدولة عليه وكذا الحملة التي نظمها زملاؤه ضده. ومات في عام 1960 متعرضا لحملات تشويه وهجوم من اتحاد الكتاب السوفييت الذي وصفه رئيسه بـ «الخنزير» وكانت الحملة مدعومة من خروشوف الذي لم يقرأ الكتاب إلا في نهاية عمره واكتشف متأخرا خطأه «ليتنا لم نمنع الرواية».
ويلاحظ فين الذي عمل مديرا لمكتب «واشنطن بوست» في موسكو في مقدمة الكتاب «في عصر الإرهاب، الطائرات بدون طيار والقتل المستهدف يظهر إدراك «سي آي إيه» وكذلك إيمان الإتحاد السوفييتي لقوة الأدب ودوره على تغيير المجتمع» وكذلك جهود الوكالة فقد قدم الفيلم قصة جيفاغو «لعدد كبير من الناس». وفي محاولته لبحث قصة الرواية والمخابرات طلب فين عام 2009 من «سي آي إيه» الإفراج عن الملفات المتعلقة بدكتور جيفاغو لكن الوكالة رفضت وفي النهاية وافقت وتم تظليل أسماء عملاء المخابرات الأمريكية، لكن فين وكوفي استطاعا التوصل وتعريف معظم اللاعبين في «دراما» ترويج الرواية من خلال الوثائق العامة، مقابلات مع الأقارب الأحياء لهم ومصادر أخرى.
ونقلت صحيفة «الغارديان» عن فين قوله «بشكل عام كانت الوكالة مترددة في نشر مواد عن برنامجها حول الحرب الثقافية الباردة أو برنامجها لنشر الكتب (المعادية للشيوعية) ولكن في هذه الحالة أعتقد أنهم لم يجدوا ما يضر «سي آي إيه».
فقط المخابرات البريطانية «أم اي-6» لا تزال مترددة فقد اتصل الكاتبان بها وسألا حول الطريقة التي حصلت بها على نسخة من الرواية. وكان الجواب «قررت عدم فتح أرشيفها بعد صدور التاريخ الرسمي لها في عام 2010». وبدون هذا سيظل لغز رواية باسترناك قائما.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية