العراقيون والمخاوف من المستقبل المجهول

بغداد «القدس العربي»: يمر العراق ومنذ العاشر من حزيران/يونيو الحالي وبعد سيطرة التنظيمات المسلحة على مساحات واسعة من المناطق الشمالية والغربية بمخاض عسير ومفترق طرق قد تترتب عليه تغيرات جذرية تترك آثارها العميقة في أوضاع البلاد والمنطقة .
ولعل أبرز المخاوف لدى العراقيين في هذه الفترة هو الإنزلاق نحو هاوية التقسيم والحرب الأهلية بعد التطورات الأخيرة التي فرضت واقعا لا يمكن إغفاله من حيث سيطرة القوى في العراق كل على منطقته.
وهو ما عبر عنه رئيس كتلة الوطنية ورئيس الوزراء العراقي الأسبق، إياد علاوي، في مقابلة مع محطة «سي ان ان»  الأمريكية، عندما أعرب عن مخاوفه من «أن العراق ماض على  طريق التقسيم، وان اللاعبين الأساسيين  اليوم هما كل من  إيران وتركيا، بعد ان  فقدت أمريكا  قدرتها على التأثير في العراق  منذ  أن  غادرته   عام 2011» . وأضاف «من الممكن ان نرى عراقا جديدا لا نعرفه  مستقبلا وذلك يعتمد على الطريقة التي سيتم التعامل بها  مع الموقف»، مستدركا بالقول «أعتقد اننا ماضون إلى النمط السوري في الصراع» .
كما حذر زعيم القائمة العراقية أياد علاوي من عودة «الإقتتال الطائفي» على خلفية عمليات التهجير بحق سكان عدد من القرى في محافظة ديالى وأطراف من بغداد ومناطق أخرى.
وقال «عودة التيار المتطرف وعمليات العنف والتهجير المتواصلة ضد الأبرياء من الأهالي وتركهم لمنازلهم ستؤدي الى عودة الإقتتال الطائفي وتمزيق النسيج الإجتماعي للبلد وتضيف مزيدا من التوتر للأوضاع السائدة والخطيرة جدا».
وأكد  وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري هذه الحقيقة عندما أشار الى انه «ليس من مصلحة أحد تقسيم العراق، إلا أننا نتساءل  هل من الممكن ان يدار العراق كالسابق؟» وأضاف ان «البلد يتجه نحو تحقيق نظام فيدرالي حقيقي ولا يكون ذلك في اقليم كردستان فقط وإنما في مناطق أخرى من البلاد وهذا ما سيواجهه العراق مستقبلا».
ولعل ما يثير الإستغراب هو مبادرة إئتلاف دولة القانون الذي يرأسه رئيس الوزراء نوري المالكي الى الإعلان عن عدم ممانعته إقامة الاقليم السني وفقا لنصوص الدستور العراقي. حيث صرح النائب عن كتلة القانون صادق اللبان «ان ائتلافه لا يمانع من إقامة اقليم سني ولكن وفق الدستور وليس بقوة السلاح واذا كانت هناك حاجة ورغبة لدى أهالي المنطقة أو المحافظة». علما بأن المالكي رفض مرارا فكرة حق إقامة الاقليم للمحافظات السنية .
وقد أصبحت فكرة الإقليم السني مقبولة لدى جمهور السنة كسبيل للتخلص من سوء المعاملة والإهمال والتجاوزات التي تقوم بها القوات الأمنية بحق أهالي تلك المحافظات حيث قال رئيس مجلس محافظة نينوى بشار الكيكي أن «مجلس محافظة نينوى يسعى لإنشاء اقليم اداري قادر على النهوض بالواقع الخدمي المتدهور»  لافتا الى أن  «الأعضاء الكرد في الحكومة المحلية سيكونون اول الداعمين للمشروع بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان». وأضاف «نسعى الى إقامة إقليم في نينوى مشابه لإقليم كردستان الذي أصبح نموذجا في تقديم الخدمات».
وضمن مبادرات ومحاولات ايجاد حل سياسي للأزمة المستعصية في العراق وجه مقتدى الصدر رئيس التيار الصدري رسالة متلفزة الى الشعب العراقي حدد فيها رؤيته لحل أزمة البلد من خلال مجموعة نقاط منها مطالبة الحكومة بوقف القتال واستهداف المدنيين فورا واللجوء الى الحوار وتشكيل حكومة وطنية بوجوه جديدة تمثل كل الأطياف وعدم زج المليشيات التي وصفها بـ» الوقحة» في النزاع لأن لها باعا طويلا في إثارة الفتنة وإعطاء أبناء السنة حقوقهم ودعوة الدول الى رفع يدها وعدم التدخل في شؤون العراق. وأشار الصدر في رسالته الى أن العراق أصبح بين فك الظالم الذي يهتم بمصالحه الشخصية، محذرا بأن رسالته قد تكون المحاولة الأخيرة لتجنب إنهيار الأوضاع في البلاد .
وإزاء إصرار حكومة نوري المالكي على اتباع الحل العسكري للأزمات بعيدا عن الحل السياسي وخاصة في مناطق السنة فقد أرتفعت الأصوات المطالبة بتغيير الحكومة لنهجها ومن ذلك ما جاء في تقرير نيكولاي ملادينوف مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى العراق الى مجلس الأمن عندما أكد أن «وجود قيادة منقسمة في العراق وقضايا دستورية دون حل بين الطوائف وتزايد خطر المتشددين القادمين من سوريا خلق وضعا هشا ومتفجرا». وأضاف إن الطريق الوحيد أمام العراقيين لوقف العنف هو من خلال عملية سياسية تتجاوز الخلافات وتعزز التنمية وتجعل الحكومة أكثر شمولا. واشار الى أنه «لا يمكن حل مشكلة عنف الإرهاب ببساطة عن طريق الإجراءات الأمنية… يحتاج المرء للنظر في مشاركة الطوائف في صنع القرار والنظر في التنمية الاقتصادية وحماية حقوق الإنسان وسيادة القانون».
ومن المخاوف الأخرى التي تؤرق العراقيين الآن تزايد حجم التدخل الخارجي في الشأن العراقي من القوى الإقليمية والدولية وخاصة ايران وسوريا وتركيا والسعودية إضافة الى أمريكا . لكــــن يبقى العامل الايراني هو الأكثر تأثيرا لأسباب كثيرة منها العلاقة الاستراتيجية بين ايران والقوى الشيعية العراقية المتحكمة في السلطة.
وقد وفرت التغييرات الأخيرة بعد سيطرة تنظيم داعش على مناطق عديدة في العراق وفق سيناريو مثير لبحر من الشكوك والتساؤلات أجواء مناسبة لايران لنقل تدخلها في العراق من السر الى العلن عبر ارسال مستشارين ومقاتلين ومعــــدات بحجـــة مساعدة الحكومة في الدفاع عن المقدسات الشيعية من داعش المتطرفة وهو ما تناولته الصحافة العالمية وتصريحات بعض المسؤولين في البلدين . وقد أضاف العامل السوري ومشاركة طيرانه بالقصف على أهداف في الأراضي العراقية تأكيدا على توسع مساحة الحلف الثلاثي الايراني العراقي السوري .
وأكثر ما يخيف العراقيين أيضا هو تنامي مظاهر عسكرة المجتمع والآثار المتوقع أن تترتب عليه سواء عبر تطوع مئات الآلاف لمقاتلة الارهاب الداعشي استجابة لدعوة المرجعية أو عبر ظهور المزيد من التشكيلات العسكرية التي يتساءل العراقيون عن المغزى من وجودها والمهام المطلوبة منها في ضوء تزايد أعداد الشباب المنضم لها وإتساع حجم التسليح والتمويل والدعم الحكومي الواسع لها وهي تساؤلات تستذكر الفتنة الطائفية التي لعبت المليشيات فيها دورا رئيسيا خلال أعوام الحرب الطائفية من 2006 – 2007 . علما بأن الجيش والشرطة يقترب عدد أفرادهم من المليون ونصف المليون عسكري وستضاف أعداد اضافية من المتطوعين الجدد بما يشكله ذلك من نفقات كبيرة على الميزانية في الوقت الذي تدور فيه معارك كر وفر بين القوات الحكومية والتنظيمات المسلحة .
وفي خضم الفوضى العارمة التي تسود في العراق وانشغال الحكومة بمواجهة الجماعات المسلحة اغتنم القادة الأكراد الفرصة التاريخية لتحقيق كل أحلامهم دفعة واحدة، فقد قامت قوات البيشمركة الكردية بالسيطرة على جميع المناطق التي كانت تسمى «المتنازع عليها» المحيطة بإقليم كردستان وأولها بالطبع كركوك الغنية بالنفط . بل أن القوات الكردية سيطرت على عدة مناطق خارج الإقليم ومنها تلعفر والقوش وربيعة وذلك دون الرجوع أو التشاور مع حكومة بغداد. وهو ما سيترتب عليه اشكالات عديدة مستقبلا. كما عمدت سلطات الإقليم الى تصدير النفط بمعزل عن المركز عبر أنبوب جديد خاص بالكرد وربطته بأنابيب تصدير نفط كركوك المتعطلة حاليا وقامت بتصدير النفط عبره الى تركيا .
وقد أكد رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني، الذي زار مدينة كركوك ، انه مستعد لحمل السلاح ضمن قوات البيشمركة، دفاعاً عن إقليم كردستان، مشيرا في الوقت نفسه الى ارسال المزيد من قوات البيشمركة الى كركوك والمناطق الكردية خارج الاقليم.
كما أعلن مسؤول البيشمركة جبار ياور أن القوات الكردية ستبقى في المناطق التي سيطرت عليها بعد أحداث الموصل، قائلا «ان محاولات حكومة الإقليم لحماية مناطق جنوبي كردستان من مخاطر وتهديدات المسلحين  تجري بشكل منظم»، مبينا انه «تم إنشاء خط دفاعي لحماية المناطق الكردستانية خارج إدارة الإقليم يبلغ طوله 1050 كلم». وبذلك فرض الكرد سياسة الأمر الواقع على العراق حكومة وشعبا وكان الفائز الأول من تطورات الأحداث بعد الموصل . 
وعن أوضاع النازحين من مناطق المعارك أعلنت المنظمات الوطنية والدولية أن النازحين من المناطق الشمالية والغربية من العراق بسبب المعارك والتهجير وصل عددهم الى المليون تقريبا وسط أوضاع مأساوية كبيرة وحاجة لدعم وطني ودولي لمساعدتهم على تجاوز ظروفهم ومعاناتهم.
وتبقى كل الإحتمالات واردة لمستقبل العراق وتطورات الوضع الأمني والسياسي فيه في ضوء نتائج المواجهات العسكرية والتحركات السياسية دون اغفال دور العامل الأجنبي في المعادلة العراقية التي ستتوضح قريبا .

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية