رحلة في روح فنانة تشكيلية اسمها أمل العاثم

حجم الخط
0

ترسم وتكتب وتصمم الديكور وتختم بالذهاب إلى التجريد:

الدوحة ـ ‘القدس العربي’: في سياق اختتام فعاليات احتفالات الدوحة عاصمة للثقافة العربية، تقيم وزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية معرضا شخصيا جديدا بمركز الفنون البصرية في الحي الثقافي، للفنانة التشكيلية أمل العاثم بعنوان ‘رحلة امرأة’ يتضمن أعمالها الحديثة التي أنجزتها.

وأمل التي تعد واحدة من أبرز الوجوه التشكيلية والثقافية عموما في الخليج العربي، تتسم أعمالها بشفافية عالية، واحترافية في التعامل مع اللون، كما أن الذات تحضر بهواجسها وقلقها في فضاء اللوحة، فأعمالها المعروضة الآن في الدوحة تشي بالأسرار، حيث تطل كائنات الفنانة الخفية ورموزها التي تعتمل في بطن اللوحة مثلما اعتملت في باطن منشئتها.

فاللوحة عند أمل العاثم محكمة في بنائها، حيث تتخلص من الحواشي والزوائد، إنها متن روحها، الأبيض له سطوة مرئية أحيانا وخجلة أحيانا أخرى، إنه النور الأسنى الذي يبرز من عوالم أمل العاثم. كما أنه يمنح رغبة في التحدي والصراع بين العشق والشر.

على الرغم من الألوان الزاهية التي التجأت إليها.

نحن أمام تعدد وثراء في الأبنية والتراكيب والقطع والسطوح، إنه التعدد في السياق الواحد، واللغة الواحدة التي تتعدد وتتنوع وتحمل رغبتها في الخروج من الأسر والنمط. أغلب اللوحات طولية، كما أن الشخوص المتوارية في بعض اللوحات تتمتع بطول القامة، كأننا أمام سؤال مشروع هل حجم اللوحات ‘وهي هنا كبيرة’ واتجاهها له علاقة بتكوين الفنان الجسدي؟ هل هذا المعرض هو سيرة روح شكلا ولونا؟ إن الفن عموما ما هو إلا ترجمان لأشواقنا وآلامنا.

أمل العاثم في هذه التجربة تخرج إلى فضاء جديد يتواصل مع منجزها السابق. لكنه في هذه المرة مفارق ومجاوز بدرجات كبيرة، فهي فنانة تسعى دوما نحو المجهول، تتسم بالمغامرة غير المحسوبة، مؤمنة أن لا حساب في الفن.

وتقدم أمل العاثم في معرضها أحدث تجاربها التشكيلية، التي اتجهت بها وبشكل أعمق وأكثر جرأة ومغامرة نحو التجريد، وتوظيف تقنيات اللون وتعبيراته وملامسه الحسية على سطح اللوحة.

والفنانة أمل العاثم حاصلة على البكالوريوس في التربية الفنية من جامعة قطر، ودرست فنون الديكور في الكويت، وعرضت أعمالها التشكيلية في الدوحة والبحرين ولبنان والكويت ومسقط وايطاليا والقاهرة والامارات واليابان وأمريكا والصين والمغرب، وحصلت على الجائزة الأولى في معرض الشباب الفني. وهي عضو الجمعية القطرية للفنون التشكيلية، وجمعية البحرية للفن المعاصر. وكان الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري وزير الثقافة والفنون والتراث القطري قد أصدر قرارا أخيرا بتعيين الفنانة أمل العاثم رئيسة لمركز الفنون البصرية.

وأمل العاثم فنانة تشكيلية ومصممة ديكور مسرحي وأزياء ولديها اهتمامات أدبية، كما ترأست خلال هذه السنة لجنة الفنون البصرية ضمن احتفالية الدوحة عاصمة الثقافة العربية 2010. وهذا العام شاركت في معرض الفنانات القطريات القديرات والرائدات في ‘الفيديو آرت’ بعملها الموسوم بـ ‘من الظلام إلى النور’، (وهو عمل فني بأسلوب الـ video rt في مدة استغرقت ست دقائق وثلاثين ثانية ومن دون حوار، تحكي فيه عن قصة امرأة خليجية تخرج من الماء الذي شكل لها الظلمات لتتخطى السور المحكم وتقف بكل قوة وعزم أمام النار فتلقي فيها كل معنى للتخلف والانكسار والعبودية وتتجه إلى النخلة التي تمثل لها الصمود وتستمد منها العزيمة، تسير وتسير باتجاه الشمس وفي خطاها الثابتة أمل متجدد وبصمات لحياة مشرقة. لقد اعتمدت الفنانة أمل العاثم على الضوء والظل كتأثير مهم يوصل للمشاهد إحساسا بالحالة والحدث. وهي التي بدأت رحلتها الإبداعية عبر دراستها في المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت عام 1989، لتحصل على البكالوريوس في التربية الفنية من جامعة قطر سنة 1995. وتنتمي أمل إلى المدرسة الواقعية لتنطلق منها نحو مدارس أخرى مرورا بالتأثيرية وفن الكولاج والفن المركب، وصولا إلى المدرسة التجريدية الحديثة حيث تتخذ من الأخيرة منهج ريشتها الخاصة.

تعددت مشاركات أمل العاثم محليا ودوليا، واستحقت على أعمالها جوائز وشهادات تقدير قيمة من مؤسسات مختلفة أهمها: الجائزة الكبرى في معرض الشباب الأول بقطر سنة 2004، وجائزة تصميم شعار مجلة ‘الدوحة’ الثقافية سنة 2006، إلى جانب شهادات تقدير من بينالي القاهرة 2004، ومهرجان بيشيلية لدول حوض البحر الأبيض المتوسط، إيطاليا 2006، فضلا عن جوائز التقدير والإنجاز من المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث من 2002 إلى 2007، لمشاركاتها المتميزة في فعاليات مهرجان الدوحة الثقافي.

وعن أعمالها الجديدة تقول أمل العاثم: إنها تمثل ترجمة لخبرتي المعنوية والروحية، في مرحلة مهمة من حياتي وفني. وترى أن الإنسان عموما، والفنان خصوصا هو ابن بيئته بما فيها من مفردات وخصائص وعناصر مادية أو ثقافية، تتسلل إلى وعيه عبر الأيام والشهور والسنين حتى تشكل ذاكرته البصرية وتكوّن مخزونه الصوري، وتنمي، بشكل غير مباشر، مخزونه النفسي والروحي، وتشير إلى أن ملامح البيئة تساهم بالضرورة وبشكل مباشر في تشكيل وعي الفنانين، فهي النبع الأول الذي يستمد منه الجميع إبداعاتهم، وهي الذاكرة التي تحتفظ بكل أسرار الإنسان والمكان. وتقول إن بعض مجتمعاتنا في الشرق لاتزال تسيطر عليها الثقافة الذكورية التي لا تكاد تلحظ أن هناك أنثى تمارس فعل الحياة أيضا، فتعاملها على أنها كائن من الدرجة الثانية يجب أن يأتي ويذهب في الظل، من دون أن يلحظ أحد، ، فالمرأة على مر التاريخ ليست فنانة فقط بل كانت، ومازالت، ملهمة لكل المبدعين، فمن يستطيع أن ينسى موناليزا دافنشي ونساء رفائيل أو صورة فينوس وهي تخرج من زبد البحر. وتضيف الفنانة التشكيلية أمل العاثم:- في تجربتي تتعانق الموسيقى والشعر والتشكيل لصياغة مشهدي النفسي والجمالي، ففي قلب المشهد الاجتماعي والثقافي وأسئلة الوجود بين أقواس الألم والأمل ولدت تجربتي، فقد كان من الصعب علي كتم تلك الطاقة الكامنة بداخلي والتي تتحرك فى كل الاتجاهات، في محاولة مني لترويض مارد الفن بداخلي، الذي في أحيان كثيرة يفلت عقاله وأفقد السيطرة عليه، ولعل ذلك يفسر تلك الحركة الدائبة وهذا الزخم الزائد، الذي ظهر في كم ونوع المعارض والفاعليات والأنشطة التي أقمتها أو اشتركت فيها في معظم دول الخليج والعديد من الدول العربية والاوروبية.. مروراً بجائزة مسابقة معرض الشباب الأول بالدوحة، ومشاركتي في بينالي القاهرة. وعن مصادر إلهامها تقول أمل:- في أعمالي أستلهم شخوصا وهويات لنساء في حالة من التيه والفقدان يبحثن عن الخلاص خارج ذواتهن وخارج البيوت التي تظهر دائما بلا ملامح، حيث المكان.. لا مكان، وحيث الزمان.. لا زمان، وهي أيضا تتويج لحالة حوار وبحث دائم مع النفس وعنها، وبحث عن الذات داخل الذات، علها توجد بين أقباس الضوء والعتمات.

وفي محاولتي لايجاد معادل جمالي لهذه المشاعر والأفكار، ومعالجتها بالخطوط والظلال والألوان على مسطح اللوحة، كلما اقتربت من الوصول، اكتشفت أنها مازالت بعيدة… فأبدأ البحث من جديد، ولعل هذا ما أكسبني الجرأة اللازمة لتصبحت ضربات ريشتي أقوى وإيقاعها أسرع وخطوطها أكثر حرية وحيوية، لكنني أدرك أن الحقيقة بعيدة وأن الخلاص ينبع دائما من داخلنا ولا يأتي أبداً من الخارج.

ولكن.. ورغم كل هذه النشاطات والفاعليات التي قمت بها أو اشتركت فيها، فإنني، وكما أقول عن تجربتي، مازلت في أول الطريق وفي مرحلة البحث والتجريب. فأنا أحاول، أن أقدم بحثا فنيا في اللون والفراغ، حيث اللون هو المثير الذي يحفزني والفراغ هو الهاجس الذي أصارعه، في محاولة لسبر أغواره وكشف الستار عن المجهول الكامن خلف الصمت البادي في أرجاء اللوحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية