عراق ما بعد العاشر من حزيران

حجم الخط
4

بغداد- «القدس العربي»: لنتحدث في النتيجة التي كشفت جانبا واضحا منها أحداث الموصل في العاشر من حزيران/يونيو الحالي هي ان رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي لن يعود لحكم البلاد لمرة ثالثة وهي نتيجة حتمية فرضها واقع حال الأحداث الأمنية التي نفذها 12 فصيلا مسلحا أسبغت من قبل الكثير عليها صفة كونها داعشية التوجه وهو غير ذلك. تلك هي القضية التي لم يتمكن المالكي من مواجهتها بقوة جيش يمتلك اكثر من مليون ونصف المليون جندي وبنفس الرقم من الشرطة مع ترسانة عسكرية بلغت صرفياتها منذ 2003 ولحد الان 145 مليار دولار، والنتيجة فان سرعة الإنهيار للجيش العراقي فاجأت العالم بأسره وأذهلته في سرعة تشظيها بعد ان تمكن المسلحون من بسط سيطرتهم على حوالي 60 في المئة من مساحة العراق الإجمالية، وفسرت من قبل الخبراء الاستراتيجيين على انها اسرع ثورة شعبية على الرغم من شبهة مشاركة داعش فيها.
في الاسبوع الحالي هدأت خواطر العراقيين خاصة المكون الشيعي الذي استفزته هجمات المسلحين وإنكسار الجيش أمامهم بعد ان أصبحت مظاهر التسلح والتطوع على أشدها خاصة في العاصمة بغداد عقب فتوى المرجع الشيعي الأعلى السيستاني وعقب نكسة الموصل وصلاح الدين حيث تم تحميل المالكي المسؤولية في ذلك لكونه أفقد الشيعة مركزهم مع السنة الذين عانوا الأمرين من سياسة حكمه الطائفية والاقصائية ..والهدوء الذي أتسم به الشارع هذا الاسبوع أنما فرضته طبيعة الصراع الذي لم يصل للعاصمة بغداد كونه ما يزال ينتقل مثل هشيم النيران في المدن السنية التي تقول معطيات الواقع الحالي بانها المعبرة عن مستوى الاستياء من الظلم الذي لحق بهم طوال سنوات حكم المالكي الثمان.. وفي إستعراض لخريطة الأحداث الأمنية في العراق فان نينوى وصلاح الدين ما عدا سامراء التي سيضيق عليها حصار المسلحين طويلا حتى تضعف قوة الجيش الحكومي ومعنويات جنوده مع الزمن، فان الأنبار كبرى مدن البلاد مساحة وتشكل حوالي 34في المئة من المساحة الكلية هي الأخرى بدأ زحف المسلحين من الجزء الغربي فيها وسقوط معابر جمركية رئيسية مقامة على حدود سوريا والاردن مثل منفذ القائم والوليد وطريبيل عقب إنسحاب الجيش من غالبية مدن الجزء الغربي من الأنبار وأخذ بقية قطعات الجيش التي لم تصمد في التقهقر والتراجع لقاعدة عين الأسد قرب الرطبة التي أصبحت بيد المسلحين في لحظات تاريخية عصيبة ومذهلة على الحكومة وقيادة الجيش تجلت فيها صعوبة التحلي بالإرادة العسكرية والصمود أمام المسلحين الذين لم يعد وصفهم بالدواعش لتبيان حقيقة استياء المكون السني من تعسف حكومة المالكي ضدهم ذلك بإعتراف الامريكيين بانها ثورة سنية ربما أختلطت فيها عناصر من داعش وغيرهم لتشكل قوة فاعلة تزيح المالكي عن حكم البلاد. ان هذه الأحداث المتسارعة دفعت بالمسلحين الى السيطرة على منشآت حيوية مهمة في بنية الإقتصاد العراقي منها مصفى بيجي أكبر مصافي النفط والذي يساهم في سد نصف حاجة البلاد من المشتقات النفطية وكذلك موقع حقل عكاز الذي يجري العمل فيه للإستثمار في الأنبار والمصارف والبنوك في عديد المدن التي خرجت من سلطة الحكومة وأماكن حيوية أخرى، فالحكومة اليوم في ورطة أمنية وسياسية وإقتصادية تجعلها تعيش حالة شلل وتخبط فكري أمام تحديات كبيرة مستقاة من تصريحات قادة المسلحين عبر الإعلام بان زحفهم سيطول حتى يصل العاصمة بغداد حيث مقر الحكومة والبرلمان ومصدر القرار العراقي بغية إسقاط حكومة المالكي التي غالبا ما يصفونها بانها طائفية وموالية لايران. ويتعدى التهديد الى مركز القرار الديني في كربلاء والنجف وهي أماكن مقدسة لدى الشيعة، فاستوجب الأمر التطوع وحمل السلاح، لكن سرعان ما خفت حدة الإندفاع للتطوع وحمل السلاح التي جاءت من وحي فتوى المرجع الشيعي السيستاني بالجهاد الكفائي ضد داعش واخواتها. كل ذلك اضطر الامريكيين لإرسال وزير الخارجية جون كيري الى بغداد يوم 23 حزيران/يونيو والطلب مباشرة من رئيس الحكومة التنحي عن السلطة وإختيار شخصية تحظى بقبول السنة والكرد وحتى الشيعة المعارضين، وعــــندما طلب المالكي من كيري مساعدة بلاده في حربها ضد الإرهاب بموجــــب إتفاقية الإطار الإستراتيجي كانت اجابة الوزير الامريكي لن نفعــــل ذلك في هذه الظروف خشية ان يتهمنا السنة باننا ضدهم وبهــــذا فان واشنطن تخلت كليا عن المالكي الذي لم يحافظ على النهج الديمقراطي الذي تحقق على ايديهم في العراق على حد قولهم وتلك خيبة أمل لرئيس الحكومة العراقية.
ان الشعور بالخوف من الوضع العراقي لما بعد أحداث الموصل في العاشر من حزيران/يونيو دفع حلفاء المالكي في التحالف الشيعي من الصدريين والمجلس الأعلى لممارسة الضغط عليه للرحيل، حيث قدمت شخصيتان هما عادل عبد المهدي واحمد الجلبي لتولي حكم البلاد، والسؤال هل سيحقق رحيل المالكي عن السلطة واستبداله بآخر الإستقرار، هذا هو بيت القصيد من آراء تنقسم فيما بينها، فالبعض يقر بتحقيق الهدوء والتخلص من أي مخاوف للإنهيار بإعتبار ان أصل المشكلة هي سياسة المالكي، وآخر ينفي ذلك على أساس انه لم يعد هنالك جيش في البلد له عقيدة عسكرية بعد ان تبينت الحقيقة، وعليه لن يصمد أمام زحف مسلحين يندفعون لأجل الموت ولديهم رغبة بالإنتقام من المالكي وسلطته الرسمية الأمر الذي دفع ببعض الجهات السياسية العراقية المتنفذة الى الطلب من ايران التدخل في العراق، وبرغم ان أنظار العالم تتجه وتترقب خطورة الوضع العراقي فأن التحركات جارية على قدم وساق في بغداد وأربيل لتشكيل حكومة عراقية، تكون أما من رحم الإنتخابات التي أعلنت نتائجها مؤخرا وينتظر إتفاق الكتل على اختيار الرئاسات الثلاث أو بتشكيل حكومة إنقاذ وطني تحكم البلاد لوقت محدد بحسب رؤية رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي وبمباركة بلدان عربية وإقليمية إخرى عدا ايران .

فاضل البدراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية