عبدالله المساوي أصبحت الدعاية السياسية هذه الأيام فنا يستهوي رجال السياسة في بعض البلدان الغربية، وتكرسه لنا ماكيـــــناتها الإعلامية التي تجتر مصطلح ‘الإرهاب’ كلــــما أشرقت شمس أو غربت. ولسوء الطالع، هذه الكلمة تديننا نحن العرب أكثر من باقي بلــدان العالم، ولن نبالغ إن قلنا إنها قد صُنعت خصّيصا لنا.
وعندما يتأمل المرء أوضاع بعض الدول العربية تنتابه حيرة لا تكاد تجد لها مثيلا، فإذا سألت المسؤولين عما أعدوه من قوة وحديد لمحاربة ما يسمونه ‘الإرهاب’ لا تجد إلا الخشب في لغتهم. وعندما تسألهم عن ماذا يقصدون بالإرهاب، تتعدد أجوبتهم: ‘أن تعفو عن اللحية وتخاصم الحلاق’.. ألا ‘تكون حذقا أكثر من اللازم’ ولا تفكر ولا تكن ‘كالنعجة العرجاء التي تتيه عن قطيع الأغنام’. دعونا نتخيل حجم المأساة لو اخترعت يوما ما آلة للاطلاع على خبايا ذهن الإنسان العربي المقهور إذاك لعذرناه وآمنا يقينا أنه لا يولد أحد ‘إرهابيا’ من بطن أمه، و’الإرهاب’ مكتسب وليس فطريا.
فما الذي يُنتظر من شخص هلكت عائلته كلها، أو شاب خرج للحياة فصدمته الآفات الاجتماعية والاقتصادية لبلده؟ إن الإرهاب الحقيقي هو إرهاب الدول الغنية للدول المتخلفة، من أجل أن تتبنى سياساتها وتدور في فلكها، ولنا في دولنا العربية أمثلة صارخة تظهر بجلاء أن هذا السيف سيبقى مسلطا عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فحلم وحدة المغرب العربي مثلا لن يتحقق لأن الأسافين المدقـــوقة بين بلدانه كثيرة، وكذلك الأمر في المشرق العربي، فمشاكل التنمية والقضايا القومية التي لا يراد لها أن تحل من طرف الغرب المتمثل في هيئاته (صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية مثالا). طاحونة الإرهاب صنعت بواسطة الخيال الجامح للغرب، وجمعت أجزاؤها في دهاليز اليمين الغربي المتصهين الذي لا هم له إلا المتاجرة في دماء أبناء مجتمعاتنا وأعراضهم. في الآونة الأخيرة قرأت بعض المقالات لجرائد اليمين الاسباني المتطرف، وأصبت كما أصيب أغلبية المغاربة بالذهول والصدمة، وقلت لنفسي: ‘لماذا يكرهوننا إلى هذا الحد؟’ بل إن صحيفة معينة وظفت صورة ‘طفل رضيع من غزة’ كان قد أصيــــب في العـــدوان الإسرائيلي الأخير، لكي تجيش الشارع الاسباني وتقول لقرائها إنه من ‘ضحايا قوات الأمن المغربية’.. ولكن ما لبث أن انفضح الأمر. ولعل القارئ العربي لم يفوت على امتداد شهر تشرين الثاني (نوفمـــبر) أحداثا من قـــــبيل ‘الطرود المفخخة’ التي قيل انها طارت من اليمن في اتجاه بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.. وصارت كانتشار النار في الهشيم.
كل ذلك من أجل قلب الحقائق وخلق الفتن من أجل تحقيق المآرب السياسية القذرة. إن هذا النوع من الإرهاب هو أشد وأخطر على الدول العربية جمعاء.. إرهاب الصورة والسلاح يمشيان في خط متواز. عندما خططوا لتدمير العراق رفعوا راية الإرهاب تحت يافطة ‘أسلحة الدمار الشامل’، وشبهة تنسيق الرئيس الراحل صدام حسين مع القاعدة.. والآن يحشدون قواهم ضد لبنان، بواسطة ‘المحكمة الدولية’ ويريدون تركيع هذا البلد بأي ثمن.. القــــاعدة المتبــــعة لديهــــم ‘إذا لم تمتثل فأنت إرهابي’ واسمك سيوضع على لائحة سوداء. ولعل وثائق ويكيليكس التي نشرت أخيرا ستنزل بردا وسلاما على شرفاء العالم، نظرا للحقائق التي عرت ‘الغسيل الوسخ والقذر’ لأولئك الذين يسعون لخلق عالم جديد يستفردون فيه بالضعفاء في غياهب الغرف الدبلوماسية المعتمة.
الحقيقة إن شماعة الإرهاب ستؤذي الحكومات الغربية أكثر من غيرها، لأن اقتصادياتها تعيش هذه الأيام هزات لا يستهان بها بفعل تمرير الخطابات ذات المنحى ‘الإرهابي’. لقد أصبحنا نحن أمة العرب وقودا لاستمرار بقاء بعض الأحزاب الحاكمة في بلدان ‘العالم المتقدم والمتحضر والديمقراطي’، وعلينا أن نمعن النظر أكثر في بعض الأخبار التي تطلع علينا بها أجهزة الإعلام الغربية، فعندما يتعمق المحلل يجد التوظيف الدعائي الخطير للمفهوم، بحيث يتم استهداف القطـــاعات الاقتصادية الحيوية للــــبلدان المراد استهدافها بطريقة أخرى، الكل يعرف أن إيرادات تركيا مثلا من السياحة عالية، ولكن يكفي أن يقع تفجير ينسب لــ’الإرهاب’ لكي يحول السياح وجهتهــــم إلى دولة أخرى.. ولكي يجدد رئيس وزراء أوروبي ولاية ثانية في الحكم فما عليه إلا أن يظهــــر على التلفاز والى جانبه وزير داخليته ليعــــلنا للشعــب أنهم أحبطوا ‘محاولة إرهابية’ كادت أن تودي بمئات القتلى والجرحى.. لقد أصبح الكثير من حكام الغرب يوظفون الفوبيا الجماعية كي يحصلوا على أصوات ناخبيهم ويرفعوا من أسهمهم.
وهكذا يصبح الإنسان الغربي فريسة عدوى ‘الإرهاب’، عدوى يكون التأثير في المزاج العام للشعوب هدفا أساسيا. لن نستغرب إن رُفِض طلب العرب من الأمم المتحدة لكي تعرف ‘الإرهاب’ فما دام المفهوم يخدم المصالح الغربية فمن الصعب تحديده، بل من الأولى أن يبقى مجردا وغارقا في التجريد كما يرى ذلك المناوئون لأوطاننا العربية ولطموحات شعوبها، وخلاصة القول إن الأكاديميين العرب الشرفاء مدعوون في هذه اللحظة التاريخية العصيبة التي تمر بها الأمة كي يفرضوا على رجال السياسة القناعات الصحيحة الواجب الالتزام بها حتى يتأتى لمجتمعاتنا استرداد المكانة اللائقة بين الأمم الأخرى، فنحن أمة إذا ما جاشت ثقافتها فخرت على كل الثقافات الزواخر.
كاتب مغربي