العدد العاشر من ‘أمكنة’

حجم الخط
0

عناية جابر

الثناء الكبير، المتأخر بعض الشيء، والمنهال أخيراً على مجلة ‘أمكنة’ المعنية بثقافة المكان، ويُشرف عليها الشاعر المصري علاء خالد مع سلوى رشاد وبمشاركة من مهاب نصر تستحقه وأكثر، ونتوقف قليلاً هنا مع اصدارها العاشر الذي دار حول ‘حياة الجامعة’، تلك الحياة المختصرة في عدد سنينها، والممتّدة في تأثيرها وردود أفعالها وفي شبكة ذكرياتها لتشغل في النهاية ـ بحسب علاء خالد في افتتاحية عدده العاشر ـ فضاء خاصاً بها في تاريخ أيّ ثقافة، وربما هي التي تمنح أيّ ثقافة هذا الزخم من الحكايات والتحولات، وهذا الإرتباط المُلهم والحسّاس بين شباب العمر وشباب الفكر، والذي لا يتكرّر مرّة أخرى في شريط الحياة لأيّ فرد أو جماعة.

قرأت متأنية في العدد العاشر لـ’أمكنة’، مساهمات مهمّة في مدلولاتها لعدد من الكتّاب والكاتبات، دارت كلّها حول تيمة العدد أو عنوانه، وانضوت بغالبيتها في جمالية السرد السيكولوجي الذي صبّ لصالح السرد الروحي أو متعدد الأبعاد الثقافية.

مساهمات مهمّة في سرد حرّ الى درجة قصوى يتتبّع ما يمكن للذاكرة وحدها اكتشافه، وأغلبه بالغ الشخصية أو الخصوصية من دون أن يحدّ ذلك من غاية الكتابة أو يختزل إمكانياتها المعرفية.

حدس أغلب اصحاب المشاركات في عدد أمكنة العاشر، من دون ذكر أسماء لأنها كثيرة، أن لفكرة هذا الإصدار تحديداً ‘حياة الجامعة’ قوة غير عادية، موحية ومؤثرة، وقادرة بالتالي على أن تكون الكتابة فيها، طالت او قصرت، جذراً أو تأسيساً لبناء رواية كاملة، إن عمل صاحبها على الوضوح المعماري اللازم للبناء عليه، واشتغل على هوامش أخرى تساند سرده ليأتي مندمجاً، وفي وحدة حقيقية غير مفتعلة، ومتعددة الأبعاد.

مشاركات على سبيل المثال من محمود الورداني وإيمان مرسال ويوسف رخا وجاسمين كليبر وكريس باليس ومي خالد وأمينة النجار وخالد البري ومجاهد الطيّب وآخرين لا يتسع المجال لذكرهم. نصوص مكتوبة بألسنة مؤلفيها، وجاءت تعبيرية من دون إفساد النسبية التي لابدّ منها للفضاء السرديّ. الملاحظ أن كل الأعمال المنشورة في العدد العاشر اشتغلت على فكرة غياب ما، واحتوت على شيء لم يتحقق، وهي بدت مؤّثرة ليس في إنجازها، ولكن أيضاً في ما هدفت له ولم تستطع إنجازه.

يستحق العدد العاشر خصوصاً من مجلة ‘أمكنة’ قراءة أوسع وأشمل لو توّفر التوزيع الجيّد والدعم، ليرى القارىء وفي اغلب المساهمات، الى فن جديد من التعرية (تعرية الماضي) والتجريد الجذريين، كما تتضمن تدميراً لطيفاً للشكل السردي/ الروائي الكلاسيكي، حين تقوم المرويات على نوع الحداثة المطلوبة، لمّا أن السارد لايتقنّع، بل يترك لسجيته الإنسانية ولشخصيته أن تُكتشف من خلال الكتابة فيكون كمن يتعّرف عليها هو والقارىء في آن واحد.

في ‘أيام المنصورة’ مساهمة إيمان مرسال في عدد ‘أمكنة’ العاشر، تقول الشاعرة بطراوة لافتة في الكاتب محمد المخزنجي إبان تعرّفها عليه في الجامعة:’منذ أول لقاء بيننا عرفت أنني أحبّ أن أكون معه وأنه يقدّم لي هدايا لم يقدمها لي أحد من قبل: متعة الإرتباك أمام أسئلة وليس إجابات. متعة الحكي وليس التوجيه. متعة الضحك وليس الإتفاق في الرأي والهدف’. محمود الورداني يقول في سرده عن سنوات الجامعة: ‘سنوات المعهد بالنسبة لي كانت خارج المعهد. كان المعهد كئيباً على نحو من الأنحاء، فأغلب طلابه موظفون، ومن بينهم عدد من كبار السن حتى لو كان قليلاً. لا أكاد أتذكرّ من بين زملائي في المعهد إلأ اثنين، الاول هو منصور الذي انقطعت صلتي به تماماً منذ تخرجنا على الرغم من أننا كنّا متلازمين طوال السنوات الأربع. أما الثاني فهو الشاعر محمود الشاذلي، وتعرّفت عليه في عامي الثاني حين كان هو على وشك التخرّج’. في كل المرويات، ثمة طزاجة تبين سرداً حديثاً، في مواصلة الكتّاب البحث عن أنفسهم من خلال ماضيهم، خصوصاً سنوات الجامعة التي تشكّل مفصلاً زمنياً فعلياً لتاريخ جديد تظهّرهُ هنا كتابة متطورة، شخصية على وجه الخصوص. نقرأ في النصوص السهولة والبساطة، تشوبان الروي، والتكتيك في الحذف، وتكنيك التكثيف بما تسمح به حدود ذاكرة كلّ منهم. عدد عاشر ثمين فعلاً، جاء متناغماً مع احتفال ‘أمكنة’ بمناسبة عشر سنوات على إطلاقها، متحرّرة من سيطرة التابوهات الفنية ومن الإهتمام بالإحتمالات، وخائضة أيضاً في حساسية الإنسجام مع ‘التيمة’ التي يحددّها علاء خالد لكل عدد على حدة، ثم متسلحة بالحلم الذي هو نموذج لنوع الخيال الذي يعدّه ‘بروح’ الإكتشاف الأكبر للفن الحديث. هجرة شرعية جمالية للنصوص في ‘أمكنة’ كسرب سنونوات في السماء، مع تلك الحرية الكاملة، ليست أمراً عادياً. وإذا كانت الحياة برمتها عبارة عن ظل فقط، فإن تحت هذا الظل تكمن سنوات كاملة، أحلاها يقع في فترة الإرتباك العمري اللذيذ، فترة الشباب وفترة الجامعة، وعليها قام عدد ‘أمكنة’ العاشر، الذي يستحق قراءة يندمج فيها الواقع بالخيال كتعبير سحري لكل مساهم في العدد، عن عالمه المؤلف من ذكريات ‘حلوة’ تستعيدها الكتابة، وإن كانت في الواقع، ضاعت بلا رحمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية