مبدعون عالميون يلتقون في شغفهم بالبتراء.. فيولد كتاب ‘بترا الوردة المحجوبة’ بست لغات وعشرات اللوحات والمنحوتات والصور والموسيقى..

حجم الخط
0

عمان ‘القدس العربي’ من سميرة عوض أصغى ثلة من المبدعين العالميين والعرب، لهمس البتراء، فأعادوا تخليدها شعرا، ولونا، وضوءا، وموسيقى، وكتاب ضخم على شكل ألبوم يضم ما أنتجته قلوبهم المشغوفة بالبتراء، عنوانه ‘بترا الوردة المحجوبة’، كتب نصه الشعري الزميل الشاعر أمجد ناصر، والكتاب/الألبوم الذي يصدر قريبا في العاصمة الأردنية، عن رواق البلقاء بإشراف مؤسسه الفنان خلدون داؤد، وهو مترجم لعدة لغات: الانكليزية، الفرنسية، الاسبانية، الايطالية، والألمانية.

شاركت في الأعمال الفنية نخبة من المبدعين العرب والعالميين، فمن سورية النحات فؤأد أبو العساف والفنانة عتاب حريب، ومن أيطاليا النحاتة نيكول دوراند، وفي فن الفوتغراف شارك الأردني عبد الرحيم عرجان، وإبراهيم القواسمة، ومن المانيا رالف، ومن ايطاليا فيليفو، كما شارك الخزاف الأردني حازم الزعبي، كما شارك التشكيليون سروان باران ومثنى عبيدي/العراق، من مصر: الفنان جورج بهجوري ومحمد عبلا، ومن لبنان وجيه نحلة وغادة خوري، من النمسا جورج براندر، من فرنسا الفنانة كورين، من ألمانيا الفنانه كارولا والفنانة كاترين، ومن الأردن: عصام طنطاوي، خلدون، سهيل بقاعين، فادي الداؤد وغيرهم، فضلا عن إدارة سهى داؤد للمشروع، فيما صمم الكتاب الفنان الأردني يوسف صرايرة. وفي الجانب الموسيقي ألف الموسيقى السوري كنان أبو عفش مقطوعة خاصة بمشروع البتراء. كما كتب الشاعر الأردني جريس سماوي أغنية عنوانها ‘كالبنت تصحو المدينة’، لحنها وغناها الفنان العالمي بشار زرقان ومنها: ‘كالبنت تصحو المدينة/ترتدي فجرا قميص الورد/فوق غلالة الزمن/وأنت الورد يا بترا/وأنت الوعد يا بترا/وأنت أميرة المدن..’. شهادات بطعم ولون البتراء.. حاول المبدعون تسجيل لحظات عاشوها في البتراء، مسحورين باللون، وعبقرية المكان وسحره، فالبتراء ليس من السهل تقمصها، واكتشافها دفعة واحدة، فهي لا تمنح أسرارها بسهولة.

رالف: توثيق مشاعري تجاه البتراءالفنان الألماني الفوتغرافي رالف يقول عن مشاركته في مشروع الكتاب: ‘تولد إحساسي وقت مشاهدتي للبتراء، من خلال العمل مع رواق البلقاء، على مشروع الكتاب وزياراتي المتكررة للبتراء، وعشقي لها وللمشروع الذي حاولت أن يوثق ليس للبتراء فحسب، بل مشاعري تجاه عظمتها وخصوصيتها، حتى أعطي الإحساس الخاص بها، من خلال الصور التي التقطها للبتراء بحب ومتعة.

الزعبي: حرف وخزف البتراءويؤمن الفنان الأردني الخزاف حازم الزعبي أن للخزف، وللحرف أيضا أي الحروف الابجدية- علاقة وثيقة بالبتراء، كون البتراء النبطية مهمة في تاريخ المنطقة، وكونها في هذه الفترة النبطية من تاريخها، عنيت بالدلالات والكتابة النبطية، لهذا جاء تركيزي عليهما، وهي الكتابة التي تتفرع كجزء من الكتابة الآرامية، وحاولت توظيفها في الأعمال الفنية الخاصة بهذه المدينة، فالأنباط صنعوا حضارة مميزة، وشكلوا حلقة تواصل بين شعوب وأمم المنطقة، هم رمز كبير ومهم في مجال التجارة، كما هم رمز مهم في نحتهم للبتراء، إذ عبروا عن رمزية إنسانية فن النحت فكانت الرمزية مهمة جدا في تلك الفترة. لكنني حاولت استلهام أجزاء غير تقليدية في البتراء، بعض الناس يظن أن البتراء هي الخزنة فقط- لهذا اعتنيت بإرث الأنباط الإنساني، والذي يكشف عن الطاقة البناءة والايجابية لديهم، طاقة الانسان النبطي، الطاقة البناءة لانجاز منجز حضاري مهم. في حين أن فترة الرومان -لم يكن لهم علاقة بروح البترا- بل كانوا يبحثون عن مصالحهم- لهذا بحثت عن الداخل وليس الخارج، داخل البتراء وليس خارجها.

العراقي سروان: البتراء أحببتها جداوعبر الفنان العراقي سروان عن سعادته بالمشروع، الذي جاءت فكرته من خلدون، لكنني أحببتها جدا، لأنها توثق لمدينة عمرها آلاف السنين، وكل منا تعامل معها بطريقته الخاصة. فأنا ركزت على إنشاء البتراء وعلى إحساسي بمشروع فني ناجح وممتاز واصلا فكرة إقامة معرض إضافة للكتاب – مشجعة.

كورين: مغامرة رائعة ومثيرة للاهتمامومن فرنسا كورين ستوبينل… ‘استمتعت حقا للانضمام إلى هذا المشروع الكبير بقيادة رواق البلقاء، فيما يتعلق بمكانة مدينة البتراء الشهيرة، وخلق هذا الكتاب الذي يضم الفن والتاريخ، وجدت الفكرة رائعة لإقامة المعرض، الذي يقدم التاريخ من خلال عيون مختلفة من العالم عبر لوحات ومنحوتات مختلفة، وعندما حاولت رسم المناظر الطبيعية للبتراء، كنت أمارس السماح لروحي للتورط في البتراء والأشكال والألوان الساخنة فيها، والتاريخ والآثار الضخمة للتأكد من أن هذه الأحاسيس ستخرج من خطوط القلم الرصاص، ومن بلدي أيضا. كنت أرغب في الحفاظ على رؤية مهيبة، أن نحصل على كل شيء عندما ننظر إلى الجمال الحقيقي للمدينة الوردية.

كل جزء من موقع البرية يبدو كنزا، ويتكشف عن الكثير من التفاصيل، ويؤلف المعاني الثقافية التي ستكون الثابتة ما يصل على قماش. كانت بالنسبة لي مغامرة رائعة جدا ومثيرة للاهتمام.

نيكول: محفورة في الخلودومن إيطاليا عبرت الفنانة نيكول عن الشكر لصحيفة ‘القدس العربي’ التي تأخذ برأيها، وعن الشكر لخلدون، الذي أتاح لها المشاركة في مشروع كتاب البترا، والتعرف على جماليات معالم وخطوط البتراء، وعلى جمالية النص الذي أبدعه الشاعر أمجد ناصر.

وتضيف نيكول: ‘عندما جئت إلى البتراء، لأول مرة، رأيت الرمال في السماء… ونحن على رمل زائل والبتراء هي هذا الوجود الساحر، محفورة في الخلود. في قوتها المضيئة يرفع أي إنسان يديه إلى السماء، يلهج بالدعاء، يرى نهج النور الإلهي، وعن نفسي حاولت بتواضع تلقي هذه القيمة الروحية الخالدة في البتراء البرونزية والوردية… وإنني أتطلع لرؤية الكتاب، وأتمنى أن أرى مرة أخرى’. الصرايرة: كتاب غير مسبوقويعلي يوسف الصرايرة الذي تولى التصميم الغرافيكي للكتاب من قيمة الكتاب الذي يضم صور لوحات، إضافة للقيمة العالية التي منحها نص الشاعر أمجد ناصر للكتاب، الذي استغرق انجازه وقتا طويلا حرصا من القائمين عليه ممثلا بالفنان خلدون الداؤد، كونه الأول من نوعه في الأردن، كما يقدم الأشعار مترجمة لعدد من اللغات، ويضم مجموعة كبيرة من أعمال الفنانين العرب والأجانب سواء كانت تشكيلية او فوتوغرافية والذين قاموا بدورهم بتجسيد المدينة الوردية بأسلوب مختلف يتماهى مع المزاج الفني للمبدع، حيث أقيمت لهم ورش فنية في ذات المكان، مبينا أن الطباعة ملونة بالكامل، ومطبوعة على ورق الغلاسيه الفاخر ويحتوي الكتاب على 336 صفحة من القطع الكبير.

عن ‘بترا الوردة المحجوبة’ وهكذا يلتقي في عشق البتراء المدنية الأسطورية كل من يزورها من أردنيين وعرب وأجانب. إذ تصبح البتراء القاسم المشترك الأعظم بين عشاقها. ومن هنا نقرأ سيرة مشروع ‘كتاب البتراء المحجوبة’ الذي اشتغل عليه رسما مؤسس رواق البلقاء الفنان خلدون الداود. أحاوره كي يعود إلى البتراءأتراه مشروع إبداعي يتحاور فيه الداوود مع الشاعر ناصر! أم هما معا يتحاوران مع المدينة الوردية؟

يتساءل خلدون الداوود: لماذا يهتم الناس بالحدث الآني!! وكأننا انتهينا من واجبنا إزاء البتراء بعد أن أصبحت من عجائب الدنيا السبع في العام 2007! هل قصر الأنباط معنا بهذه الهدية! ولماذا قصرنا نحن؟

أجدادنا كان لديهم هذا الجمال وهذا الحس العالي ولماذا تتجاهل البشرية أننا نحن/ هم الأنباط الذين أبدعوها، هم يتباهون بمتاحفهم وبتطورهم ويقيمون طقوسا واحتفالات وكرنفالات للوحة رسمت أو لبرج أقيم.. ونحن نسكن فيها وهي تسكن فينا، وبتواضع الجد الكبير نشم هواء البتراء.. ولكن بحب شديد ندعو العالم أيضا ليعرفوا من أبدع البتراء الجديدة.. ويضيف الداوود: هذا القول أوجهه للشاعر أمجد ناصر في مدينة الضباب أحاوره كي يعود إلى البتراء. أمجد ناصر الذي عشت معه لحظات قصيرة لكنها مكثفة واكتشفت الفروسية لديه، فهو الفارس الإنسان، وفارس في الكتابة.

وأذكر أثناء حفل توقيع ديوان ‘وردة الدانتيل السوداء’ للصديق امجد ناصر في رواق البلقاء مع فوزي الدليمي بحضور أدونيس.. استهل ناصر كلامه بقوله ‘عيون خلدون كالنسر تذهب إلى هدفها مباشرة’.. وأنا الآن بدوري أكتشف أن روح امجد ناصر كلها تعيش في زوايا صخور الأردن، وعشقه للأردن – حتى لو كان بعيدا – هو عشق مخلوط بالطفولة.. كما اكتشفت أثناء محادثاتي المطولة معه أن الشجن الذي يحمله لتراب الأردن جعلني ألح في الطلب منه وبصورة فيها الكثير من المشاكسة التي أتقنتها من خلال تعاملي مع المفكرين والأدباء المحليين والعرب والعالميين. لكن مشاكستي مع امجد هذه المرة هي بداية معركة من نوع ما، عله فيما بعد يدرك محبتي وسعي الدائب بعدم القراءة كثيرا، لأنني لا أود أن تتشابك فيّ كل مستويات الإبداع.

هكذا ولدت الفكرة… تماما كما حدث مع الفنان المصري عبد الحفيظ فرغلي في كتاب ‘أسطورية البتراء’، إذ أخذته يومها من المطار في أول مرة يأتي لزيارة الأردن، وأحس فرغللي وقتها أن بيتي بعيد جدا عن المطار، إلى أن وصلنا في الصباح الباكر إلى سيق البتراء، وحين رأى الضوء يأتي من السيق دمعت عين فرغللي، ومع نيكول لم اكتف بأنها لا تستطيع أن ترى البتراء أو أن تتحرك لبعض أمتار فيها.. لغتها كانت الصمت وفي عينيها كانت الصلاة.. وسألت من أبدع هذه المدينة؟

الفنانة نيكول رسمت 35 ‘أسكتش’ للبتراء ستحولها إلى منحوتات من البرونز.

كما ستنشر فوتغرافيات إبراهيم قواسمه في الكتاب بالأبيض والأسود، ذلك أن ألوان البتراء أصعب من الوان أي فنان- يقول الداوود- وحتى نمسك مملكة الضوء عند الفنان ونقدر على فرز اللون، وحتى لا يحدث صدمة لونية من جديد أو يخلق لونا خاصا بالبتراء، ستكون اللوحات بالأبيض والأسود. وسر الأبيض والأسود عند خلدون الداوود الذي اختار إبراهيم القواسمه – رغم أن لديه معرضا واحدا فقط – ذلك أن البتراء لا تحتاج لفوتغرافي محترف بقدر ما تحتاج لشخص حساس أحب الفكرة وسيعطي المجال للقارئ وللمشاهد أن يلون الصورة بالطريقة التي يريدها. فأنا أتخيل البتراء هدية من الله للأردن.

البتراء تمنح زائريها أسرارهايقول داؤد إنني وعلى مدار 20 عاما ازور البتراء مع الفنانين اكتشفت أن كلا منهم يكتشف سرا في البتراء، إلا أن وعيي الثقافي ازداد مع الأيام فاكتشفت أن البتراء تمنح زائريها أسرارها، فلم تعد تنطوي عليّ فلسفتهم أو عبقريتهم، ومرة قال لي بهجوري: ‘إن الخطوط في الصخر هي التي تشكل موناليزا البتراء’، وتوالت زيارات الفنانين للبتراء، وتوالت أسرارهم، وتوالى نضجي واكتشافي للاثنين معا الفنان والبتراء. ولهذا لم استغرب من نيكول أنها صممت ورسمت وابتعدت راجعة إلى ذاتها وألوانها وأزاميلها… وبهذه المناسبة الذي حرضني على فهم الضوء في البتراء هو صديقي اللدود عصام طنطاوي الذي في دروسه الأولى قال لي: ‘إن أجمل أوقات تصوير البتراء إما في الصباح الباكر أو بعد الغروب’، هذا هو السر، ولكن السر الذي اكتشفته أن أجمل تصاوير البتراء عندما أعود واحلم بها، فيكون الضوء بالحلم أجمل بكثير من الصور التي التقطتها، لهذا اكتفيت أن تظل الصور في حلمي علني يوما ما انشر كتابا عن حلمي بالبتراء… من أبدع البتراء؟!

من جهتها بينت سهى الداوود مديرة رواق البلقاء ومديرة مشروع كتاب البتراء أن مراحل المشروع تنجز بالتزامن في الدول الأربع: الأردن، بريطانيا، فرنسا، وايطاليا، مبينة أن الكتاب سيشتمل على تفاصيل حميمة لمبدعين ومؤرخين أردنيين.. وسيرى النور قبل نهاية العام الحالي.. وتشير سهى الى أن غاية رواق البلقاء في هذا المشروع هي ‘فتح أفق جديد لمفكرين عرب وعالميين ليس لتصوير البتراء فقط أو رسمها أو نحتها أو زيارتها، لأنها كما هي تزداد جمالا وتزداد ألفة ولها رائحة كحبات الندى التي تحل عليها أعشاب القصيوم’، لهذا الكتاب دعوة للتفاعل الجديد مع أجدادنا وفي سري أعيد طرح السؤال الذي يطرحه الشاعر أمجد ناصر، كما يطرحه مؤسس الرواق خلدون، ونود أن يصل العالم أجمع: من أبدع البتراء؟!

تلبية لنداء بترا… وترى الفنانة أن ‘البتراء تحفة معمارية أبدية تظل على قيد الحياة ليضيء صديق الروح آخر لحظة لقاءات، فروح البتراء مثل السحر، حبها يعادل حب الذات، وعندما نذهب تلبية لنداء بترا، نجد بأنفسنا ونحن على درب الحياة نأتي من كل مكان إلى البتراء انها إلهية الجمال، تجذب الناس على مدى قرون من جميع أنحاء العالم، وأجيال من المسافرين، ورغم اختلافهم، إلا أن البتراء توحدهم، دون أي تفرقة بين الأديان، أو السن أو العرق أو الخلفية السياسية’. نسكن البتراء وهي تسكن فين.

ويعيد خلدون السؤال: من أبدع البتراء ومجددا وقديما ومستقبلا.. سيتكرر نفس السؤال.. أليسوا هم أجدادنا.. لماذا كان لديهم هذا الجمال وهذا الحس العالي ولماذا تتجاهل البشرية أننا نحن/ هم الأنباط الذين أبدعوها.. وإذا كان الآخرون يتباهون بمتاحفهم وبتطورهم ويقيمون طقوسا واحتفالات وكرنفالات للوحة رسمت أو لبرج أقيم.. فنحن نسكن في البتراء وهي تسكن فينا، وبتواضع الجد الكبير نشم هواءها ولكن بحب شديد ندعو العالم أيضا ليعرفوا من أبدع البتراء الجديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية