بئر النفط ودائرة الدم

حجم الخط
0

في كتابه الهامّ «زيت على النار: النفط والسياسة في العراق تحت الاحتلال» يسعى المحقق الصحافي الأمريكي غريغ ماتيت إلى الإجابة على اثنين من أشقّ أسئلة العراق المعاصر: ما الذي حلّ بنفط البلد، وأين تذهب عوائده الخرافية؟ وما علاقة النفط بتقدّم، وبالتالي عرقلة أو حتى تعطيل، مسير البلد نحو الإصلاح السياسي والديمقراطية؟ الأرجح أنّ ماتيت سوف يضيف، اليوم، أسئلة حارقة أخرى، ذات صلة بالعواصف الهوجاء التي تواصل اجتياح شمال العراق، وتزحف نحو وسطه، وتصبّ المزيد من ذلك الزيت، على تلك النار المستعرة أصلاً.
والحال أنّ أساطير «داعش» بأكملها، أسوة بحقائق ممارساته الفعلية على الأرض، لم تمنع ممثّلي شركات النفط العملاقة من التقاطر إلى العراق، لاغتنام ـ أو بالأحرى: اصطياد، واقتناص، واختلاس… ـ عقود تطوير واستثمار الآبار، قديمها وجديدها. الـ»بزنس» هو الـ»بزنس» كالمعتاد بالنسبة إلى هؤلاء، يحدوهم اليقين بأنّ العراق يمتلك مخزوناً من النفط ينافس مخزون المملكة العربية السعودية، وقد ظلّ بمنأى عن أي استكشاف أو استخراج طيلة 30 سنة من الحرب والحصار؛ خاصة في جنوب شرق العراق، حيث يقدّر الخبراء وجود أضخم تجمّع لآبار النفط في العالم.
بعض هذه الآبار كان، وبعضها الآخر سوف يكون، محلّ مزادات عالمية؛ على غرار حقل «مجنون» مثلاً، الذي يُقدّر احتياطيه بـ 12.58 مليار برميل، ولا ينتج حالياً إلا 45 ألف برميل؛ وفاز بعقد تطويره اتحاد شركة «شيل» العملاقة و»بتروناس» الماليزية، حيث من المتوقع أن يرتفع إنتاج البئر إلى 1.8 مليون برميل يومياً. في المقابل، سوف يحصل الاتحاد هذا على أجر مالي، وليس حصة نفطية، بقيمة 1.39 دولار أمريكي عن كلّ برميل؛ مقابل عرض شركة «توتال» الفرنسية و CNPC الصينية باستخراج 1.405 مليون برميل يومياً، لقاء 1.75 دولار للبرميل.
فإذا سار «داعش» العراق على نهجه في استخراج النفط السوري، وآبار مناطق دير الزور بصفة خاصة، وبيعه إلى الزبائن المعتادين (بمَن فيهم النظام السوري ذاته!)؛ فإنّ قاعدة استمرار الـ»بزنس» هو «البزنس» سوف تسري في العراق كذلك، مع فارق أنّ العائدات هذه المرّة سوف تكون أدسم بما لا يُقارَن مع سوريا، من جهة أولى؛ كما أنها، من جهة ثانية، سوف تستولد المزيد من أسباب الاحتراب السياسي والاقتصادي مع إقليم كردستان، والعسكري مع قوّات «البيشمركة».
لكنّ الحال الراهنة لملفّ النفط العراقي تشير إلى مفارقة أخرى، ذات مغزى سياسي بالغ العمق: في حين أنّ الكرد في منطقة الحكم الذاتي يتمتعون، وبمعدّل متقدّم نسبياً، بخيرات عوائد النفط المستخرَج من آبارهم؛ فإنّ المواطن العراقي، في الداخل عموماً، لا يصيبه من العوائد إلا النزر اليسير، بسبب الفساد وسوء والنهب المنظم وسوء حكومة نوري المالكي. الشطر الثاني من المغزى إياه هو دحر النظرية التي بشّر بها «المحافظون الجدد»، أمثال بول ولفوفيتز وريشارد بيرل، خلال حقبة الغزو، حول فضل الاحتلال الامريكي في تنمية قدرات العراق على تمويل مشروعات الإعمار ذاتياً، واعتماداً على الثروة النفطية، ودون اللجوء إلى مصادر إقراض واستثمار خارجية.
الوقائع ما تزال تكذّب تلك النبوءة الزائفة، بالطبع، بل ثمة معطيات متزايدة تشير إلى مأساوية الحال التي بلغتها طرائق توظيف عائدات النفط العراقية، في خدمة نزر يسير من احتياجات العراقيين الماسة. كلّ هذا في الماضي القــريب، فكيف الآن وقد هبّت عواصف «داعش»، وانهار جيش المالكي في الشمال، وانفتح ملفّ كركوك على السيناريوهات الأشدّ كابوسية، و… انقلب بئر النفط إلى دائرة دم جهنمية؟

صبحي حديدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية