منذ بداية الوعي لدي، تعلقت بالطيور وعشقتها وتتبعتها بفضولية مرهفة ولاحقَتها عيناي بلا كلل ولا ملل حتى أنني تمنيت لو أنني كنت طيراً أعبر الآفاق وأذهب في المدى الممتد بعيداً خلف زنزانة الجسد.
كنت ولا زلت أغتنم كل فرصةٍ تتاح لي، لكي أطعم هذه الطيور، وأتودد إليها، بل أحاول التسلل إلى أحاسيسها أتوسل أحياناً كثيرة طالباً إعطائي فرصةً للاقتراب قليلاً… ثم… أكثر قليلاً، ثم أطالب بالاندماج الكلي لعلي معها أنعم بصحبتها من دون أن تفزع من ذلك الجسد اللاانسيابي، وربما تشفع لي انسيابية الروح بالحصول على تصريحٍ لحضور جلسةِ من جلساتها الصادحة.
نجحت أخيراً بالتودد لطيور الحمام وقمت برشوتها عندما أخرجت الطعام النادر في يومٍ ماطر وجلست على المقعد الخشبي المتسمر على شاطئ البحر في مدينة نيويورك التي سمرتني بها منذ وطأتها قدماي قبل ثلاثةٍ وعشرين عاماً.
أخرجت رغيف الخبز العربي (البيتا) وبدأت بتفتيته وإلقائه بعيداً عني، وبدأَت هي تقترب وأنا ألقيه… ثم ألقيه في مكانٍ أقرب… ثم تقترب… تتردد أحياناً، لكن الجوع الكافر يدفعها نحو الخبز الشرقي الطازج… ثم تحصل المفاجأة. بينما كانت يدي اليسرى تقبض على الرغيف ويدي اليمنى تنتزع القطع الصغيرة وتقوم بإلقائها وقد أصبحت محاطاً بالحمام من كل الجهات، وإذا بحمامةٍ تكسر حاجز الخوف الفاصل بين الجسدين وتعلو عن الأرض لتحط على ساعدي الأيسر، حيث يوجد الرغيف وتبدأ بالقضم مباشرة من يدي. أحسست بأني صرت طائراً وأحسست بالمقعد الخشبي يتحرر من أسره هو الآخر وتداخلت مشاعري ولم أعد أدري ما إذا كان المقعد الخشبي يعلو بنا محلقاً في قبة السماء أم أن السماء حطت علينا أو بنا.
وتحط حمامة أخرى بجانبها وحمامةُ على كتفي ويهدل الحمام في أذني… والله قد حصل… وخشيت أن ترى الحمام زوجتي فتغار مني أو علي أو من الحمام.
تتزاحم الأفكار في خلدي وأخشى أن تثير الشك وأوصد باب أفكاري أحلق في سماء حمائمي وحدي أنا الإنسان لا أهذي نجحت وغصت في أعماق آفاق الطيور وصرت أجوب هذا الكون مع أني جليس المقعد الخشبي.
تصورني زوجتي وتحبسني مع الحمام في إطارٍ… فطار… لينتهي النهار، وتشدني الأرض الثقيلة بعد أن تحررت روحي من أسر تلك الجاذبية كي أعود معوقاً بلا جناح.
وذات يومٍ بينما شرعت في إعداد وجبة الغداء، أخرجت كعادتي بعض الطعام للطيور التي تتوافد إلى المرآب الخلفي للمبنى الذي أعمل به لأنها تعودت على الزمان والمكان الذي يحين فيهما موعد الغداء. لاحظت أن أحد الطيور السوداء الصغيرة لا يستطيع النهوض ويجاهد من أجل الانتصاب واقفاً ولكنه يخفق في كل مرة يحاول فيها النهوض، وظننت أنه مريض، ولما تقدمت محاولاً إسعافه طار، وتابعته بنظري وهو يحاول أن يحط على غصن الشجرة القريبة بساقٍ واحدة ويستعين بجناحيه لتثبيت نفسه ويعيد المحاولة مرات متعدده قبل أن يتمكن من انتقاء غصنٍ أكثر ثباتاً ليهبط ببدنه عليه من دون أن يتمكن من الانتصاب واقفاً كبقية الطيور.
حزنت كثيراً لهذا الطائر الجريح، وبدأت بمراقبته وتمنيت لو كان بمقدوري ان أخصه بعنايةٍ تتناسب مع حالته المؤلمة، ولكنني لم أملك ما أخصه به إلا تعاطفي وشفقتي.
قبل أسبوع هطلت أمطار غزيرة وكانت الريح عاتية، وكان من عادة طيور المرآب أن تذهب للمبيت عند غروب الشمس في شقٍ يوفره الجزء الأعلى من البوابة الحديدية الخلفية للمبنى وتقوم بالقفز متدرجةً إلى أعلى مستعملةً أغصان شجرةٍ مدادة تمتد فروعها إلى الشق الذي يوفر المأوى لهذه الطيور.
وبينما كنت ذاهباً لإحضار شيءٍ من سيارتي المتوقفة في المرآب الخلفي لاحظت أن هذا الطائر المبتور الساق يجاهد من أجل تسلق أغصان الشجرة المدادة للحاق ببقية الطيور إلى مكان مبيتها في ذلك الشق، ولكنه يخفق في تثبيت جسده بساقٍ واحدة ويضطر إلى التراجع للأسفل بين أغصان الشجرة المدادة وهو يرفرف بجناحيه المرهقين من كثرة المحاولات.
ويستقر الطائر المسكين بين الأغصان التي وفر تشابكها كثافةً مكنته من إسلام جسده لها، ليقرر المبيت في العراء رغم قسوة الرياح والأمطار.
خشيت لو حاولت التدخل أن يؤدي تدخلي لتعقيد الأمور أكثر، وآثرت الدخول إلى المبنى مستسلماً، وتمنيت أن تكون لديه مناعة طبيعية كافية لتجعله يتجاوز أزمة هذا المساء سالماً.
مر يومان ولم أر الطير مع الطيور على الغداء وقلت لزميلي في العمل ان الطير الذي رأيناه بساقٍ واحدة لم يحضر مع الطيور وانني قلقُ عليه لأن حالته كانت صعبةً جداً في آخر مرةٍ رأيته.
قال لي لا تقلق لأن هذه الطيور معتادة على هذه الظروف وتستطيع أن تتدبر أمرها بنفسها. كان ذلك أثناء تناولنا لوجبة الغداء. تمنيت أن يكون ما قاله صحيحاً مع أنني لم أطمئن وكان لدي إحساس مريب يطغى على ما قاله صديقي.
وعندما بدأنا باحتساء كوبٍ من القهوة.. ذهب نظري صدفةً للمكان الذي كنت قد رأيته به آخر مرةٍ على تلك الشجرة المدادة، وإذا بي ألمح جناحاً صغيراً يطل من بين عيدان تلك الشجرة.
صحت… يا أشرف… يا أشرفقال: نعمقلت ما هذا الجناح؟ وأشرت إلى المكانذهب أشرف من دون أن يجيب، وعيناه شاخصتان بالشجرة المدادة ويده تجر السلم الخشبي نحو ذلك المكان، ويتسلق وأنا أنظر إليه وأعلم أنه نفس المكان الذي استسلم فيه.
يا أشرف أهو هو؟… إنه هو قلي بالله عليك.
تمتد يد أشرف إليه وأرى أصابعه تتحسس الجزء الأسفل من جسمه لتَخرج أصابعة بجسد معلق من ساقٍ واحدة.
قال لي أشرف إن رأسه قد علق بين غصنين على شكل رقم سبعة وتعلق الجسد بعد صراع مرير بلا حراك.
حزنت وحزنت ولا زلت حزيناً وكان عزائي الوحيد هو أن قسوة ثلج مدينة نيويورك ودرجات الحرارة التي تهبط دون الصفر كانت ستجعل الموت البطيء المصحوب بآلام البرد أكثر قسوة لو لم يمت هكذا.
ربما… ولكن… لم تأتِ الطيور ولم أرها تذرف الدموع! فقط أنا وأشرف حملنا الجسد الصغير وواريناه الثرى، وبكته ابنتي ملاك قلت لها ما حدث، وأظن الطيور قد بكته وحزنت عليه ولكن بدموع من نوعٍ آخر. زياد علان العينبوسي- نيويورك[email protected]