«استباحة دم الإنسان في عصر الصورة»: بدر عبد الملك يحلل الدم من منظورات دراسية مختلفة

حجم الخط
1

تتجاذب هذا الكتاب (٭) ميول أدبية وأسطورية وأنثروبولوجية، دون أن يكون له اختصاص محدد، حتى إذا كانت المقاربة الظاهراتية (الفينومينولوجية) هي المهيمنة على فصوله. لكنّ الجديد الذي يضيفه الناقد البحريني بدر عبد الملك هو إقامة رابطة، أو سلسلة روابط، بين ظواهر عديدة متباينة تخصّ فكرة الدم، في مستوى أوّل؛ واستنتاج مفاعيل موازية لها في وسائل الاتصال المختلفة، حيث عصر الصورة، في مستوى ثانٍ. هذه، أيضاً، هي أهمية مباحث الكتاب: اجتهاد في تجميع شتات من المقولات والمفاهيم والقِيَم والرموز حول فكرة الدم.
ومن الطبيعي، بصدد موضوع عامّ واسع ومتعدد الجوانب مثل الدم، والدم الإنساني بخاصة، أن تختلط في الكتاب موضوعات من كلّ حدب وصوب: الدم البدائي، الدم بين المقدس والمدنس، دم الكراهية، الدم بين الواقع والرمزية… فضلاً عن الموضوعة المركزية الأخرى في الكتاب، أي الدم في عصر الصورة.
يقول عبد الملك إنّ مفردة الدم «فرضت نفسها على الثقافة العالمية، سواء تلك المكتوبة أو الشفاهية، في إرثها الديني والطقوسي والسحري القديم أو في ثقافتها المعاصرة، فكانت مشاهد ولقطات وقيم ومفردة الدم، حاضرة بقوة في النص الروائي والشعري والمسرحي، وفي كل أشكال الفنون والأدب. وقد عكست مفردة الدم نفسها دلالياً وفنياً (…) وقد تحول الدم من مادة سائلة في الجسد لها وظائفها البيولوجية المرتبطة بموتنا وبقائنا، إلى مقولة وفكرة في الفكر الأسطوري، وإلى ظاهرة مقدسة جديرة بالتطهر والاغتسال والمنع والتحريم والإراقة والثأر، ورباط الدم والقرابة والعار والشرف والتضحية والفداء. فهل بإمكاننا تجريد وعينا عن الدم التاريخي والخطيئة والقتل، والتي تلازمنا في ثقافتنا اليومية؟».
والمؤلف مولع بتصدير فصول كتابه بأقوال واقتباسات حول الدم، لأدباء ومفكرين وفنانين، حتى ليبدو وكأنّ صفحات الكتاب بمثابة «كشكول» يجمع كلّ ما أمكن للمؤلف جمعه حول الدم! ففي فصل بعنوان «دماء الحرب الأهلية»، يقتبس المؤلف عبارة من مظفر النواب، ثمّ من الفرنسي أدولف تيير، وبعدها ينتقل إلى الموضوع، فيأتي على ذكر عالم الآثار أي رويستن بايك، وكارل ماركس، وبلانكي، وتيير مجدداً، ثمّ همنغواي، وكارلوس فوينتيس، وإنغلز، وبونابرت، وخوان رولفو… وهكذا دواليك، على امتداد جميع فصول الكتاب. من جانب آخر، تنهض منهجية الكتاب المركزية على خطّ متماثل: سوق حكاية، أو أمثولة، أو أسطورة أو نصّ أدبي أو فلسفي… يخدم، على نحو أو آخر، عنوان الفصل. والخيط الجامع للفصول، وهو القاسم المشترك بينها أيضاً، هو مفهوم الدم؛ ومن هنا فإنّ معالجة المفهــــوم الواحد قــــد تستـــغرق صفــحة ونصف، لا أكــــثر؛ وقد تمتدّ على عشر صفحات.
وفي الفصل الأخير الخاصّ بعصر الصورة، مثلاً، تندرج تفاصيل مثل الدم من السينما إلى التلفاز، ودماء عصر الفضائيات، والدم في الثقافة العالمية ودم الموت، ودماء الصحافيين (صحافيون بلا حدود)، ودم الأبرياء/ الدم المجاني، وما قبل الخنجر وما بعد الرصاص، ونزيف الدم الإنساني، وإخوة الدم، ودم الآلهة الجدد… ومن الطبيعي، والحال هذه، أن يكون الإسهاب والإطناب والإطالة في رأس سلبيات هذه المنهجية، حتى إذا كانت تلبّي غرض المؤلف، أو بالأحرى توفّر عليه مغبة اعتماد منهجية علمية متماسكة. يقول عبد الملك: «ما أضاف للعنف الدموي سطوته وعدوانيته ورهبته هو أننا أصبحنا نعيش في تاريخ حداثي يوصف بعصر الصورة، في زمن الفضائيات، وتحول الحدث إلى مشهد في الشاشة الملونة التي تعكس لون الدم بخلاف زمن الفيلم الأبيض والأسود».
وليس غريباً، بذلك، أن تكون لغة عبد الملك أدبية غالباً، تميل إلى المجاز والبلاغة؛ وأن تكتظ الجملة بمعان متشابكة متدافعة، ويعتمد المصطلح على تداعيات أدبية أو فلسفية أو أسطورية أو أنثروبولوجية، أكثر ممّا يتحرى الدقة والضبط العلمي. يلفت الانتباه، أيضاً، أنّ مراجع المؤلف هي باللغة العربية فقط، تعكس مباحث الكتاب في الواقع: دراسات تاريخية وأسطورية وأنثروبولوجية، وموسوعات مصطلح، وقواميس، ونصوص أدبية لأشعار وروايات عربية وعالمية. وهي مراجع حسنة التوظيف، من حيث اتكاء المؤلف عليها لإثبات تفصيل هنا، أو لإيضاح نقطة جديدة هناك. إلا أنّ العمل على المراجع ليس له صفة علمية، وهو أكثر ميلاً إلى الاستئناس بالنصّ أو المقولة أو الحكاية.
بيد أنّ العمل دراسة جديدة في هذا المضمار المحدد، وحده تقريباً: إعادة التشديد على مفردة الدم، بما يتيح النظر إليها خارج قيمتها البيولوجية، وضمن ما تتعرّض له من أنساق استباحة وسفك وهدر. الاقتباسات أمينة غالباً، حين تكون نصّية؛ وإلا فإنها إشارات وإحالات. وهو جهد يستحق الإطراء، من زاوية أولى هي انكباب المؤلف على نبش عشرات النصوص، فضلاً عن العادات والطقوس والأساطير، التي تتناول فكرة الدم، ممّا حوّل كتابه إلى مرجع أدبي/ أسطوري حول هذه الفكرة. معضلة الكتاب، من جانب آخر، هي أنّ استجماع كلّ ما يمت إلى الدم بصلة، دون توظيفه على نحو منهجي صارم ومنضبط ورشيد، سوف ينتهي إلى ما يشبه «التقميشات» المتفرقة المبعثرة، التي تشتت الموضوعة المركزية بدل أن تفلح في تنسيقها وتوحيدها. وهكذا فإنّ غواية حشد ما أمكن حشده من حكايات وأقوال وأساطير ومفاهيم حول الدم، أضعفت صيغة الكتاب.
ويبقى أنّ المشروع هو الأول للكاتب، من حيث محاولة البحث في مفردة الدم من منظورات دراسية مختلفة، وخاصة المنظور الأنثروبولوجي. وسوى هذا الكتاب، فإنّ المؤلف ناقد أدبي غالباً، يشتغل على القصة القصيرة، وله في هذا المضمار دراسات عديدة؛ بينها «أبوظبي ذاكرة مدينة: 1971 ـ 1968»، و»الظواهر الاجتماعية في القصة الإماراتية»، و»القصة القصيرة والصوت النسائي في دولة الإمارات، وسواها؛ كما صدر له مؤخراً عمل بعنوان «ترويكا المهن النبيلة في مملكة البحرين ـ سفر في ذاكرة الطفولة»، تناول فيه مهن الخبّاز والبنّاء والخيّاط.
(٭) بدر عبد الملك:
«استباحة دم الإنسان في عصر الصورة: دراسة في الدم والقتل والوحشية». المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ عمّان، وزارة الثقافة ـ مملكة البحرين، 2012. 500 ص

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية