أي علمانية نريد؟

حجم الخط
0

سمير حمدي يثير مصطلح العلمانية من الإشكالات أكثر مما يحيل إلى دلالة واضحة محددة ونهائية، وان كان الكثير من المهتمين بالشأن الفكري والسياسي يميلون إلى الاعتقاد بأن مصطلحا بهذه الأهمية لابد أن يكون واضح المعنى قطعي الدلالة محدد الأبعاد والمعالم، وهو أمر تنفيه الوقائع ويخالف كل دراسة موضوعية لتاريخ المصطلح ومعناه. فما الذي نقصد إليه بالعلمانية؟ وهل هي نفي للمقدس أم تحديد لمجاله؟ وما الذي تفضي إليه وهل تتماهى ضرورة مع مفاهيم أخرى كالديمقراطية والعقلانية؟

بداية يمكن القول ان أي تعريف نقدمه للعلمانية إنما هو في النهاية ينطلق من خلفية ايديولوجية معينة، غير انه من الممكن اعتماد التعريف الأكثر شيوعا لهذا المفهوم وهو فصل الدين عن الدولة، بمعنى نزع الصبغة المقدسة عن الممارسة السياسية، والفصل بين السلطتين الروحية والزمنية التي كان يتمتع بهما الملوك والأباطرة في الماضي. غير انه ينبغي الإقرار بأن هذا الفصل بين الديني والسياسي قائم من حيث الواقع في كل المجتـــمعات الإنسانية، وان بدرجات متفاوتة، لأن تعــــقد الاجتماع الإنساني يمنع حالة التماهي التام بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية، وإنما هناك شكل من أشكال التمايز الناجم عن التطور الطبيعي للمجتمعات، فعناصر العلمنة كامنة في أي مجتمع إنساني مهما كان وهي تنتقل من طــــور الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل بتوفر العــــوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المناسبة، وهــــو ما يعني أن العلمانية ليست مجرد قرار يتخذه فاعل سياسي، وتتم من خلال مخطط اجتماعي ـ سياسي وثقافي يتم تبنيه أو رفضه بصورة واعـــية، وهو ما يدعــــو (حسب وجهة النظر هذه) إلى الحرص عليـــها والدعاية لها أو جمع الجموع للدفاع عنها، وهذا التصور هو الصـــــورة المعكوسة لأولئك الذين يعتقدون أن العلمانيـــة نتاج وافد وتمثل تهديدا لهوية الأمة ودينها، فمثل هذه الرؤى تظل ساذجة وتفتقر إلى العمق في فهم طبيعة تشكل الظواهر الاجتماعية ومنها العلمانية. لأن هذه الأخيرة إنما هي نتاج عمليات كثيرة متداخلة متصلة ببنية المجتمع، وعلى هذا الأساس لا يمكن اختزالها في إصدار تشريعات معينة أو الإعلان عن تبنيها بصورة واضحة في مواثيق أو دساتير (على الرغم من أهميتها) وإنما ينبغي فهم الدينامية التي تحكم العلمانية بوصفها نتاجا للحراك الطبيعي الذي يحكم المجتمعات من جهة، ومن جهة أخرى فإن العلمانية وان كانت تجنح إلى انسنة الفعل الإنساني وفصله عن المقدس فإنها لا تعني بالضرورة الحرب على الدين، والتجربة الإنسانية تكشف أن كل محاولات العلمنة القسرية أو إبعاد ما هو ديني عن الحياة لم تحقق النجاح المأمول، بل أدت في كثير من الأحايين إلى نقيض الغاية منها، أي عودة المقــــدس وبصوره الأشد أصولية وتمامية (تركيا الكمالية مثلا أو الجمهوريات السوفييتية السابقة) وذلك لأن المعتقدات الدينـــــية لا يمكن أن تزول أو تخـــــتفي بقدرة قادر، وستظل دائما ذات حضور في المجتمع وستفرز دوما تعبيراتها الثقافية وتخلق امتداداتها الســـــياسية بشكل من الأشكال. وعلى هذا الأساس فإن المطلوب هو توفير البيئة الثقافية والمجتمعية المناسبة (عبر نشـــر التعليم والثقافة العــــقلانية وبسط الحريات) لتفرز المجتمعات آليات الضــــبط الداخلية التي تحكم حركة هذه المعتقدات وتدمجها ضمن الإطار العام المتوافق عليه، أما محاولة نفيها فلن تخلق إلا ردات الفعل العنيفة والعصابية المتشنجة. ومن هنا فإن العلمانية المنشودة ينبغي ألا تتحول هي ذاتها إلى عقيدة تحل محل الدين’لأنها وان كانت شرطا لا غنى عنه للديمقراطية والإقرار بالتنوع والتعدد، فإنها إذا خرجت عن طورها الإجرائي (اعني بوصفها آلية لضبط العلاقات بين التصورات الفكرية والعقدية المختلفة التي تشق المجتمع) وتحولت إلى ايديولوجيا مغلقة تبلغ مرتبة المطلقات التي يتم تبنيها رسميا ومؤسسيا فقد تفضي بدورها إلى اشد أشكال الديكتاتورية عنفا وولوغا في الدم، ولنتذكر أن ماهية العلمانية وان بدت في ظاهرها واحدة من حيث هي فصل للمقدس عن السياسي فان تطبيقاتها متعددة ومتباعدة بقدر تباعد النموذج الكمالي التركي مثلا عن النموذج البريطاني أو حتى الكوري الشمالي، وبناء عليه فان العلمانية التي قد تتناسب مع المجتمعات العربية والإسلامية لا ينبغي أن تكون معادية للدين، ولا تكون بديلا عنه، وإنما هي الآلية التي لا غنى عنها في ادارة الشأن العام. والملاحظ أن المجتمعات الغربية ذاتها، التي تحمل إرثا فلسفيا عريقا وبناء مؤسساتيا محكما وخاضت التجربة العلمانية سياسيا منذ قرون قد احتفظت بحضور واضح لجملة من المطلقات الدينية والأخلاقية والإنسانية في ضمائر الناس ووجدانهم وعقولهم، وسواء أكانت هذه المطلقات تستند إلى منظومة إيمانية أو إنسانية فإنها ظلت مرتبطة بمرجعية متجاوزة تشكل خلفية لكل المنظومات المعرفية والأخلاقية.

وأخيرا يمكن التأكيد على أن المجتمعات العربية الحالية علمانية في أكثرها ويساعد على هذا أن الإسلام ذاته، وبـــعيدا عن الفهم الأصولي، لا يقوم على الكهنوت لأن عملية تفسير النص الديني هي عملية اجتـــــهادية وباب الاجتهاد مفتوح أمام الجميع ولا عصمة لبشر (ربما باستثناء الطرح الشيعي وفكرة عصمة الإمام) وما من عائق أمام تطوير خطاب ديني عصراني متوافق مع مجتمع ديمقراطي عقلاني، اللهم إلا ما كان من توظيف سياسي مقصود للدين من قبل أنظمة الاستبداد أو جماعات سياسية معينة، بحيث يمكن القول ان الديمقراطية وفتح الباب أمام حرية التعبير والتفكير والتنظم ستكون الضامن لبناء نظام سياسي واجتماعي حداثي ما أحوجنا إليه في مستهل الألفية الثالثة.’ كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية