نصر شمالي من فظائع هذا العصر الربوي الفاسد أنّ أحداً في العالم لا يجرؤ على أن يشير مجرّد إشارة إلى أنّ كوريا بلد مسحوق، شطره الجنوبي تحت الاحتلال وشطره الشمالي تحت الحصار. إنّ الجميع، تقريباً، يسلّمون للأمريكيين بأنّ الوضع طبيعي في كوريا المستعمرة/المحاصرة، مثلما الوضع طبيعي في فلسطين المستعمرة المحاصرة. وهكذا، ما أن أطلق الكوريون المحاصرون بضع قذائف، لا تستحقّ نتائجها الذكر، حتى وصف فعلهم باللاعقلانية والجنون، تماماً مثلما يوصف فعل الفلسطينيين المحاصرين. يقول زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، انّ إطلاق تلك القذائف الكورية فعل فظيع يعادل فعل الحرب، وهو يدلّ على أنّ النظام الكوري الشمالي بلغ درجة الجنون، وبات خارج السيطرة، وأنّ حساباته وأفعاله تعصى على الفهم في ضوء الاعتبارات العقلانية. (صحيفة ‘الفايننشال تايمز’ ـ 23/11/2010). تماماً مثلما يقال عن المقاومة في لبنان وفلسطين، وفي أفغانستان والعراق. غير أنّ بريجنسكي لا يرى في ما فعلته وتفعله القوات الأمريكية والإسرائيلية في أفغانستان والعراق، وفي لبنان وفلسطين وغيرهما، عملاً يعصى على الفهم العقلاني، ويخرج على السيطرة، ويبلغ حدّ الجنون. إنّها حسب قوله ‘مغامرات فاشلة’ أدّت إلى الغرق في مستنقع ‘الشرق الأوسط’، وأتاحت للصين وكوريا الشمالية فرصة استغلال انشغال الأمريكيين. كيف؟ بإطلاق بضع قنابل أدّت إلى مصرع بضعة أشخاص. أي أنّ مغامرات الأمريكيين عاقلة، يعيبها فقط فشلها، وليس تدميرها الشامل للبلدان وإبادتها لملايين السكان. في مواجهة مؤامرة الصمت الأطلسية، والتواطؤ الدولي معها ضدّ الحقائق التاريخية، والاستغراق في الآنيّات، أصبح ضرورياً تكرار التذكير بجذور المأساة العربية، والمأساة الكورية، وغيرهما من مآسي الإنسان المعاصر عموماً. ففي مطلع الخمسينيات الماضية، حيث الولايات المتحدة كانت المستفيد الأكبر من نتائج الحرب العالمية الثانية، تطلعت واشنطن إلى إحكام السيطرة على آسيا بمجملها. وكان مشروع أيزنهاورـ دالاس يطمح إلى وضع نهاية للانشغال العسكري في كــوريا وفيـــتنام، حيث مئات ألوف الجنود في القواعد الأمريكية والفرنســـية، وإلى إنهاء الصراع بين الدول الآسيوية غير الشيوعية، والقضاء على سياسة الحياد، وإنشاء جيـــوش آسيوية تابعة، وبذلك تدخل القــــارة بأسرها في مواثيق عسكرية تحت قيادة واشنطن، وتصبح الجيوش الأمريكية ـ الأطلسية حرّة يمكن استخدامها كاحتياطي استراتيجي متحرّك. لقد كتب سالزبرغر في صحيفة ‘ نيويورك تايمز’ (7/12/1952) يقول انّ آسيا، ابتداءً من تركيا وحتى الهند الصينية، منطقة فراغ تمزّقها النزاعات، وأنّه ما أن تحلّ النزاعات بتوجيه أمريكي حتى يصبح من الممكن ربط جنوب شرق آسيا بالشرق الأوسط، وتحقيق موقف قوة يسمح بإنشاء جيوش آسيوية هائلة تعمل تحت إرشاد الأمريكيين وتحلّ مشكلة جيوشهم. أمّا مجلّة ‘يو إس نيوز آند وورلد ريبورت’ (عدد 20/1/1953) فقد دخلت في التفاصيل، وقدّرت عدد الآسيويين القادرين على حمل السلاح، الذين تتراوح أعمارهم بين 20 ـ 24 عاماً، بسبعين مليوناً، وأنّه إذا أمكن حسم الحرب بإحراز النصر في كوريا والهند الصينية، ونهضت الجيوش الآسيوية التابعة، فإنّ القوات الأمريكية تصبح طليقة، وتستطيع القيام بمهام أكبر. غير أنّ انتصار الثورة الصينية، وثبوت العجز عن احتواء الصين من جديد، رغم إنفاق مليارات الدولارات، بدّد الآمال العريضة لواشنطن التي كانت تسعى كي تكون الصين قاعدتها الضخمة الأهمّ. وكان جون فيربانك، أحد كبار المسؤولين الأمريكيين، قد صرّح في العام 1949، بعد انتصار الثورة الصيـــنية، بما يلي: ‘إنّ حصر ثورة جارفة كتلك التي تجتاح الصين الآن لا يمكن أن يتحـــقّق بمجرّد إقامة خطوط دفاعية عسكرية ثابتة، ولا بشحن الأسلحة من الخارج، بل عن طريق استغلال المنافسة بين الجماعات المتنازعة داخلها، حيث من الممكن الاستفادة جيداً من مصادر القوة الثورية ذاتها، ومن جهة أخرى يجب أن تتركّز جهودنا في آسيا غير الشيوعية.. الخ’. لقد راحت واشنطن تتطلع إلى الهند أو إندونيسيا كقاعدة بديلة للصين (المارقة). وكانت اليابان مستبعدة بسبب موقف الدول الاسيوية منها كدولة استعمارية، بل إنّ واشنطن رأت أنّ الهند أكثر أهمية من إندونيسيا، لأنّها الشريك المنطقي للولايات المتحدة في حالة ما إذا كانت المعونات الاقتصادية هي التي ستهيمن على السياسة الأمريكية في الشرق الأقصى. وفي هذا الصدد صرّح الدبلوماسي الأمريكي وليام هولاند بما يلي: ‘نتيجة انهيار سيطرتنا التاريخية على الصين أصبحنا في حاجة ماسّة إلى العثور على شعب يتمتع بالاستقرار النسبي، ونجد لنا فيه أصدقاء. وباستثناء اليابان، التي ليست الآن عنصراً حرّاً، نرى أنّ الهند هي الدولة الوحيدة التي يوجد فيها تقليد برلماني، وطبقة حديثة من رجال الأعمال، صغيرة لكنها طموحة. غير أنّ وزارة الدفاع الأمريكية حسمت حينئذ تلك المناقشات، باعتماد اليابان كقاعدة.
إنّ الغرض من الإشارة إلى هذه الوقائع القديمة هو تبيان جذور المأساة الكورية التي تكونت في ذلك المناخ الآسيوي ـ الدولي الذي صنعته الولايات المتحدة. ففي أحد تلك الأيام تحدّث الجنرال وليام روبرتس، قائد بعثة التدريب في كوريا، مخاطباً الأمريكيين بما يلي: ‘إنّ بعثة التدريب العسكرية الأمريكية في كوريا شاهد حيّ يبيّن كيف أنّ الاستغلال الواعي، القوي لخمسمائة من الجنود والضباط الأمريكيين قد مكّن من تدريب مئة ألف كوري، يقومون هم بإطلاق النار بدلاً عنكم. إنّ لدافع الضرائب الأمريكي جيشاً كورياً، يقوم بدور كلب الحراسة الرائع لصالح استثماراتنا الموظفة في هذه البلاد. إنّ الجيش الكوري قوة تمثّل أقصى حدّ من النتائج التي تتحقّق بأقلّ التكاليف’. (صحيفة ‘نيويورك هيرالد تريبيون’ ـ 30/5/1950). هكذا بدأت المأساة الراهنة لكوريا، التي ما كادت تتخلّص من الاستعمار الياباني حتى داهمها الاستعمار الأمريكي. ولأنّ الكوريين أرادوا البرهنة على أنهم بشر، وليسوا كلاب حراسة، شنّت واشنطن الحرب ضدّهم، وأصدرت الأوامر لسلاح الجوّ بإطلاق النار على أيّ شيء يتحرّك (كما هو الحال في أفغانستان اليوم) بل أوشكت أن تقصفهم بالقنابل النووية لكسر مقاومتهم وإيقاف اندفاعهم الكاسح من الشمال إلى الجنوب، فكان أن انتهت الحرب بتدمير كوريا تدميراً شاملاً (كما هو حال العراق اليوم) ثمّ باحتلال شطرها الجنوبي وجعله قاعدة عسكرية دائمة يقيم فيها عشرات ألوف الجنود الأمريكيين، ومحاصرة شطرها الشمالي حصاراً محكماً، مستمراً منذ حوالي ستين عاماً، وكفيلاً بخنقه تماماً لولا حدوده الدولية المشتركة مع الصين.’ كاتب سوري