شمس السلطة الخامسة تسطع على الغرب

حجم الخط
0

مالك التريكي

مشهدان من مشاهد انقلاب الأدوار في العصر الجديد. عصر أنوار ويكيليكس. في المشهد الأول: يلعب الروس فيحسنون اللعب. أول الأمر، اكتفى المتحدث باسم بوتين بنعت الوثائق الأمريكية المتعلقة بطبيعة نظام الحكم في روسيا بأنها من ‘الخزعبلات’، متمنيا أن يصبح لدى أمريكا ‘دبلوماسية أكثر مهنية وجدية’. لكن المصادفات سرعان ما أبرزت أستاذية الروس في فن المناكفات. حيث وقف بوتين الخميس في مؤتمر صحافي مع ضيفه رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون ليقول مستنكرا: ‘هل هذه هي الديمقراطية؟ إذا كان هناك من ديمقراطية فعلا فلا بد أن تكون بلا استثناء. لماذا ألقي القبض على [مؤسس ويكيليكس جوليان] أسانج؟ ينبغي على [الغربيين] البدء بالكنس أمام بيوتهم. إنني أرمي الكرة في مرمى زملائنا الأمريكيين’. في اليوم ذاته يعلن متحدث باسم الكرملين كان في رفقة الرئيس مدفيديف في بروكسل أن على ‘المنظمات غير الحكومية البحث في طريقة لمساعدة أسانج’. كيف؟ ‘ربما بترشيحه لجائزة نوبل للسلام’… يا سلام على دقة التصويب في شباك الأمريكان. ويا سلام على دقة التوقيت الدعائي عندما يبلغ مبلغ التنكيت السياسي!

المشهد الثاني: رجل يقول في برنامج تلفزيوني: لأن الصحافة في أمريكا لم تعد تضطلع بمسؤوليتها النقدية وبدورها الرقابي، بل هي أصبحت امتثالية وطيّعة إلى حد التبعية المشينة، فإن الحاجة أصبحت تمسّ الآن أكثر من أي وقت مضى إلى بروز مواقع تسير على نهج ويكليكس. لأن السلطة الرابعة لم تعد موجودة في الولايات المتحدة فقد صار بروز سلطة خامسة ضرورة ديمقراطية ملحّة.

هذا ما أعلنه رجل يفترض أن جنسيته وتاريخه المهني يحملانه على استنكار تسريبات وثائق وزارة الخارجية أو، على أقل تقدير، عدم التحمس لها: ذلك أنه كان من موظفي ‘سي اي ايه’، أي أنه جاسوس أمريكي سابق! لكن العجيب أن التعبير عن موقف الشجب والاستنكار قد كان امتيازا استأثر به ضيف عربي يعمل في مؤسسة للأبحاث. أي أنه رجل يفترض أن قوميته ووظيفته تحملانه على تأييد أي عمل يلقي أضواء كاشفة على ما يجري في كواليس السياسة. إلا أن الباحث العربي قد تجنب الخوض في الموضوع الأساسي المتعلق بأهمية إقدام الإعلام على تحريك بركة الحياة السياسية الراكدة في دولة لم يبق لها من العظمة إلا تعاظم الغرور، وأطنب، بدل ذلك، في محاولة البرهنة على أن أسانج قد انتهك القانون الأمريكي وعلى أن من حق السلطات الأمريكية أن تحاكمه وتنزل به أشد العقاب. الضيف الأمريكي يقول له: اعلم، يا رعاك الله، أن أسانج لم ينتهك أيا من قوانيننا، ولو كان في الأمر انتهاك لما أقدمت نيويورك تايمز على نشر الوثائق. والعربي يرد: بلى، لقد انتهك! الأمريكي يقول إن ‘ميثاق الحقوق’ (الجامع لمختلف التعديلات الدستورية الضامنة للحريات، بما فيها ‘التعديل الأول’ الشهير الحامي لحرية التعبير) يجيز هذا الأمر، بل يشجع عليه، وإنه قانون لا يعلى عليه. والعربي يماحك ويقول: نعم، ولكن الأرجحية في هذه الحالة إنما تعود إلى الأمن القومي… الأمريكي!!! الأمريكي يقول: كلما تزايدت المبادرات الإعلامية من هذا القبيل كلما كان ذلك أسلم للديمقراطية وأنفع، والعربي يكابر ويقول: إن أسانج مهدد، وسوف تضطر بريطانيا لتسليمه لأمريكا لأن اتفاقية كذا… نعلم أن هنالك بين البشر أقواما ‘لا يرحمون ولا يريدون لرحمة الله أن تنزل’. ونفهم أن يكون الحكام الذين تضرروا من تسريبات ويكليكس أشد الناس حنقا، علما أن حنقهم لا ينصبّ إلا على أسانج وموقعه، إذ أنّى لأي منهم أن يجرؤ على مجرد الامتعاض من ‘الدبلوماسية’ الأمريكية ولو سرّا في ما بينه وبين نفسه الأمّارة بالعدل والإحسان والصدق مع الأمريكان. لكن ما لا نفهمه هو هذه الذهنية البوليسية التي تحجب الرؤية عن أي مواطن عربي من المفترض أنه لا ناقة له في أمر المصالح الأمريكية ولا سيارة. ما لا نفهمه هو المثقف الذي يطلب الستر بدل أن يطلب الحقيقة. ما لا نفهمه هو هذا ‘العالم الحر’ الذي تسطع عليه شمس السلطة الخامسة، فماذا يفعل؟ يستجير من الضوء بظلام النفاق الرسمي وتمائم الأمن القومي. يؤثر أن لا يلمح الحقيقة إلا في العتمة، وإلا من ثقب الباب. ثقب باب الجريمة والعقاب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية