وصفتهم ووصفتنا لتحقيق المتعة والسعادة

حجم الخط
0

من كاتبة مغمورة الى مؤلفة مشهورة تحولت إليزابيث غيلبرت بعد نشر مذكراتها عام 2006 بعنوان (كل.. صل..أحب ( التي حافظت لزمن قياسي مدته 187 أسبوعا على صدارة لائحة ‘نيويورك تايمز’ للكتب الأكثر مبيعا، وتلقفتها شركة كولومبيا للانتاج وأنتجتها فيلما هذا العام، وقد لاقى الفيلم نفس الإعجاب والإقبال، واختيرت لتمثيل دور البطولة الممثلة جوليا روبرتس، وهي أكثر نساء العالم جاذبية بحسب التصنيفات العالمية، وهو ذكاء من الشركة المنتجة في أن توصل رسالتها بأجمل قالب ممكن. وقد أصبحت المذكرات مصدر إلهام للكثيرين حول العالم، كما تظهر آراء المعلقين على المنتديات التفاعلية، خاصة كل من يعاني من مشاكل حياتية، وأصبحت بمثابة العلاج النفسي والحل لكل من يعانون من فقدان السيطرة على أمورهم. وقصة الكتاب تحقيق لقراءة كف الكاتبة التي قام بها عراف اندونيسي من جزيرة بالي، التي تصفها الكاتبة بجنة الله على الأرض، وأخبرها فيها بأنها ستفقد كل نقودها ثم تستعيدها، وأنها ستتزوج مرتين، زيجة قصيرة والأخرى طويلة، وأنها ستسافر سفرة طويلة ثم تعود لرؤيته، وبعد العودة من الرحلة تبدأ بالشعور بعدم السعادة في زواجها الأول وتطلب الطلاق من زوجها، وكأنها لاشعوريا تبدأ بتطبيق تنبوءات العراف، وقد يستغرب القراء كيف يمكن لهذه المرأة المثقفة التي تعيش في دولة الحضارة والعلم أن تبني حياتها على خزعبلات مثل قراءة كفها؟ وكيف يقبل جمهور القراء قراءة مثل الأفكار، بل والإعجاب بها الى درجة التهافت على قراءة الكتاب أو حضور الفيلم! ومن ثم تنغمس الكاتبة غيلبرت في علاقة مع شاب يصغرها بأعوام وتنتهي كذلك بالفشل، ثم تقرر السفر في رحلة بحث عن ذاتها تبدأها بإيطاليا ومن ثم الهند وتختمها في بالي. في إيطاليا يبدأ القسم الأول من علاجها بالأكل الذي يحمل العنوان الأول لكتابها (كل) والأكل هنا كما تصفه الكاتبة ليس أكلا لذاته، وإنما حب للحياة واستغراق في متعها واستعادة للشغف، وعدم الشعور بالذنب أو المبالاة بآراء الآخرين، وتغادر إيطاليا الى الهند للبحث عن علاج الروح (الصلاة)، ويصور الفيلم علاقتها بالرب بشكل مضحك، فهي تقول في أول صلاة لها: مرحبا ربي، أعلم اني لم أكن أتواصل معك كثيرا، ولكني آمل أن تساعدني وترشدني الى الطريق! وفي الهند تمارس الطقوس الهندوسية بالصلاة الى امرأة، تعرف بالملهمة، وتمارس التأمل والخلوة. وهذا تصوير واقعي لعادات وتحولات دينية أصبحت منتشرة في الغرب، إذ لم يعد يوفر لهم دينهم والنظم العلمانية الصفاء الروحي الذي يحتاجه الناس فيتحولون لغيره، مع أن ممارسات هذا الدين الجديد تكون متناقضة تماما مع ما تعوده الغربيون من العقلانية! فماذا تعني لهم الصلاة لبشر أو تمثال برأس فيل او إنسان مجنح بمائة يد ورجل؟ إنها الروح عندما تجوع قد تبحث كما الجسد ولو في مكب النفايات. وفي بالي تستكمل علاجها بالوقوع في (الحب) مع رجل برازيلي معالجة به آخر ما تبقى من ندوب الحب والطلاق الأول. وهذه المذكرات لا تزيد على أنها تطرح من جديد الأسئلة التي شغلت الإنسانية منذ القدم في بحثها عن الخلود والصحة والسعادة والقوة، حتى أن الأساطير الإغريقية تروي قصة لشبه إله demigod، وهو نتاج زواج إله بآدمية أو العكس، طلب من الآلهة أن يمنحوه الخلود ثم ندم على ذلك لانه نسي أن يطلب الصحة فغطت التجاعيد وجهه وجسمه حتى وصلت الأرض، ومعلومة أيضا قصص الكيميائيين أو الخيميائيين، الذين حالوا منذ الأزل اكتشاف وتصنيع إكسير الحياة والسعادة من دون جدوى! وقد يبدو الاطلاع على مثل هذه المذكرات والتجارب التي دوت في الغرب مهما في ظل العولمة التي يرى مؤيدوها أنها تصلح للبشر جميعا، وأن البشر كلهم سواسية ولا يفصل بينهم دين ولا حد ولا ثقافة ولا قيم! فهل حقا يستوي تعريف السعادة في كل الحضارات وبين جميع الأمم؟ ماذا عن نسبية السعادة وكونها شعورا ذاتيا في القلب؟ ماذا عن صحة ما كنا نسمعه من أجدادنا عن جمال جلسة الحصيرة ولذة طعم الخبز والزيت؟ ولنفترض جدلا أننا نريد اتباع هذه الوصفة لبلوغ السعادة واكتشاف الذات لأن الأوروبيين هم سادة العلم والتنظير في هذا المجال، فلماذا إذن يكثر الانتحار بينهم والطلاق والخيانات الزوجية وأمراض الصحة كالبدانة المفرطة أو النحافة المفرطة؟ و ما دام كل شيء يخضع لدقات القلب والإعجاب، والباب مفتوح للوقوع في الحب وممارسة الجنس مرات ومرات من دون قيد ديني أو أخلاقي أو قانوني، فلماذا يزال البحث جاريا عن هذا الذي يسمى الحب؟ إن قراءة مثل هذه الكتب ومشاهدة ما ينبثق عنها من أفلام تجعل المرء يلهج بحمد الله على نعمة الاسلام ويوقن أنها أعظم النعم. فالاسلام يكفل التوازن بين الروح والجسد والقلب والعقل، من دون أن يطغى أحد على الآخر، بل ويعلي من قيمة الروح والنفس ويحارب التعلق بالأمور المادية، فقد قال أحد الصالحين ‘يا غلام لا يكن همك ما تأكل وما تشرب وما تلبس وما تنكح وما تسكن وما تجمع، كل هذا هم النفس والطبع، فأين هم القلب؟’، ومع ذلك لم يتجاهل حاجات الجسد فجاء في الحديث الشريف ‘ إن لربك عليك حقا، وإن لجسدك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فاعط كل ذي حق حقه’. والاسلام يعلم أتباعه أن الحياة لا تصفو لأحد، وأنها تتغير بين حلاوة ومرارة حتى يبقى القلب معلقا بحياة أخروية لا نصب فيها ولا صخب وفيها أكثر مما تشتهيه الحواس، مما لا يخطر على القلب أو يسعه الإدراك. بالإسلام يعرف المرء قيمة الحياة وأن الله يجعل أجرا في السعادة بدوام الشكر وإحسان العمل، ويجعل أجورا في الصبر على البلاء، وأن قرب الله مطلوب في الحالتين للدعاء بدوام الهناء أو الاستعانة بالفرج. مع الإسلام يدرك المرء أن الحياة محطة لها ما بعدها، وأن الراحة الحقيقية لا تتحقق الا عند أول قدم يضعها الانسان في الجنة، كما قال الإمام ابن حنبل، وبأن الانسان هو المسؤول الوحيد عن حصاد ما غرسته يداه في الدنيا مع الأمل الدائم والثقة برحمة الله وعفوه. بالاسلام لا يكون المرء مهوسا بعد العمر، فليس المهم أن يطول العمر بقدر ما المهم أن يحسن العمل، وفي ميدان التنافس في حسن العمل قد يبلغ الشاب العشريني ما لا يبلغه العجوز التسعيني. في الإسلام أنت لست فردا تلهث وراء شهواتك ومتعك الشخصية ومن ورائك الطوفان! بل أنت جزء من أسرة ومجتمع ودولة وأمة وكلها لها حقوق عليك، وما عرفت أمتنا النهضة الا عندما كان إيثار الغير على النفس هو الحالة العامة والصفة الغالبة في المجتمع. بالاسلام تعلم أن الحب نور يقذفه الله في قلوب العباد، ولولاه لكانت قلوبهم أقسى من الحجر، وأن الحفاظ على الحب لا يمكن أن يكون بالزنى حتى وان تواطأ العالم كله لتغيير اسمه الى الوقوع في الحب وتجميل ممارسة العلاقات المحرمة! كما أن الحب ليس طائرا محلقا حيثما دارت الريح والأهواء، بل هو عش يبنى بالمسؤولية والالتزام والصبر تجعل الزوجين يتحملان ويتآلفان ولو من أجل الأولاد فقط ، وكما قال المثل ‘كرمال عين تكرم مرج عيون’. كما أن الإسلام يطلب التوازن حتى في الحب فقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ‘أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما’، وهذا أفضل العلاج حتى إذا ما حصل الانفصال كان الجرح والنزف أقل وأسرع للمداواة ولا يحتاج لرحلة حول العالم كما فعلت كاتبة المذكرات، بل ليس أكثر مما نصح به ابن حنبل حين سئل: كم بيننا وبين عرش الرحمن؟ فقال ‘دعوة صادقة من قلب صادق’.د. ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية