مهرجان القاهرة للسينما والدعاية والملابس ‘السواريه’:القاهرة ‘القدس العربي’ – من كمال القاضي: في غياب الوعي والفكر والثقافة والمشروع تتحول الاحتفاليات الى تظاهرات صاخبة وفارغة خالية من أي مضمون حقيقي أو مجازي. بيد أن كل ما يحدث لا يعدو كونه سباقا محموما تتراجع فيه المعاني الحقيقية لمفهوم الفن الراقي وتتقدم فيه نجمات الصف الأول والثاني والثالث والكومبارس، ليس من ممثلات السينما فحسب ولكن من مذيعات الفضائيات اللاتي تأثرن بالجو السينمائي العام وانتقلت اليهن عدوى العري فصرن ينافسن نجمات الإغراء بالكشف عن سيقانهن وصدورهن وظهورهن كي يصبحن أكثر جاذبية عساهن أن يجدن الفرصة الى الشاشة الكبيرة ويخطون على السجادة الحمراء في حفل الافتتاح الساخن بوصفهن وجوها شابة تخطو خطواتها نحو المجد كالذين تزدحم بهم ردهات دار الأوبرا المصرية وتملأ أصواتهم فراغ المسرح الكبير .. تلك الأمنيات باتت تراود كل الإعلاميات والإعلاميين بعدما صار نجوم السينما ونجماتها هم النماذج في النجاح والشهرة والتأنق والثراء فقد حضر حفل افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي لا يقل عن عشرين ألف ضيف ما بين ممثلين وممثلات وإعلاميين وصحافيين ورجال أعمال وشخصيات عامة جاؤوا للقاهرة ليشهدوا ويشاركوا في مراسم العرس السينمائي السنوي. أو بالأحرى يأخذوا نصيبهم من الأضواء ويدلوا بأحاديث عن آخر مشروعاتهم الفنية وأحدث صيحات الموضة في فساتين السواريه وقصات الشعر ولا ينسون التنويه عن أهم بيوت الأزياء التي صممت لهن الجديد والفريد من ملابس السهرة، وبالطبع يشمل ذلك عمل دعاية مجانية للمتخصصين في المكياج والمساحيق والمانيكير والباديكير، وفي خضم الإنشغال بمثل هذه الجوانب لا يأتي ذكر للقضايا السينمائية وما يهدد الصناعة ولم يجرؤ واحد فقط من الضيوف أن يشير الى محاولات الاختراق الصهيوني للمهرجان الرسمي للبلاد ومحاولة تحقيق التطبيع الثقافي بالتسلل عبر شركات أمريكية أسست برؤوس أموال يهودية، غير ان أحدا أيضا من المهمومين بالحركة السينمائية لم يكلف نفسه عناء السؤال أو الاستفسار حول .. لماذا الإصرار على أن يكون فيلم الافتتاح أمريكيا كل عام ؟! الجميع مشغولون بحضور النجم الأمريكي العالمي ريتشارد جير الذي خطف الأضواء من عمر الشريف وبقية نجوم العالم، وعلى ذكر فيلم الافتتاح فإنه برغم الضجيج الذي سبق اختياره إنصراف الحضور تماما من قاعة العرض بعد إنتهاء مراسم التكريم ولم يهتم بمشاهدة الفيلم المختار ‘عام آخر’ غير نسبة قليلة تعد على أصابع اليدين وهو ما يعكس عدم الاكتراث بالمشاهدة والتركيز فقط على متابعة تفاصيل الاحتفال الكرنفالي، إنه لجدير بالذكر في هذه المناسبة التنويه الى خطاب سعد الدين وهبة التاريخي في واحدة من دورات المهرجان المهمة، حيث أعلن في حفل الافتتاح أن مهرجان القاهرة السينمائي أصبح مستهدفا من إسرائيل وعلينا أن نعي هذه الحقيقة ونتعامل بموجبها فأول ما يجب أن نفعله والكلام لسعد وهبة أن نقطع الطريق على أي مشاركة صهيونية ونحافظ على هوية المهرجان كحدث سينمائي عربي قومي، هو بالأساس فرصة ثمينة لإلتقاء الثقافات العربية العربية وواجهة حضارية لمصر أمام العالم كله .. وهبة ثاني رئيس لمهرجان القاهرة بعد كمال الملاخ ومنتزع الشرعية الدولية له من الاتحاد العام للمنتجين الدوليين أصبح ذكرى منسية لم يشر اليه لا من قريب أو بعيد سوى في الفيلم التسجيلي القصير جدا الذي يؤرخ للدورات ويحصي منجزاتها وضيوفها، يأتي ذكر سعد وهبة على استحياء وبشكل عابر شأنه شأن حسين فهمي وشريف الشوباشي باعتبارهما رئيسين سابقين، علما بأن الفرصة كانت سانحة تماما لتصوير بانوراما كاملة عنه أو إصدار كتاب تذكاري يحمل اسمه يتضمن سيرته وأعماله والجهد الذي أفناه من أجل رسوخ المهرجان السينمائي الوحيد الذي يتمتع بالصفة الدولية، خاصة أن ذكرى وفاته لم يمضي عليها سوى أسابيع قليلة، مشكلة الرئيس الأسبق لمهرجان القاهرة السينمائي ومحمد سعد الدين وهبة انه كان كاتبا مرموقا ومثقفا كبيرا ورجل دولة فهو ضابط بوليس قديم ووكيل أول لوزارة الثقافة وسياسي مخضرم، كل هذه المزايا جعلته قامة كبيرة يتقزم أمامها أي مسؤول آخر يحاول أن يملأ مكانه الشاغر ويتبوأ مكانته! يضاف لمزايا وهبة إيمانه بالفكر الناصري العروبي القومي وتصرفه في مسؤولياته العديدة من هذا المنطلق، حيث الحديث عن السينما المصرية هو حديث عن الثقافة العربية ككل فمن غير الوارد في قاموسه الثقافي التفرقة بين ما هو مصري وما هو عربي، لذا كان يضع القضية الفلسطينية نصب عينيه ولا يغيبها في أي من الاحتفاليات وحتى إذا ما نظر للثقافة الأمريكية أو الأوروبية تكون مرجعيته هي القضايا القومية الكبرى فمعظم ما وجه اليهم الدعوة لحضور فعاليات المهرجان في حياته كانوا من المناصرين للقضية الفلسطينية بشكل أو بآخر فمن بين ما وجهت اليهم الدعوة كان أنطوني كوين بطل فيلم عمر المختار والمفكر العالمي الكبير روجيه جارودي الذي زار القاهرة في احتفالية خاصة أقيمت له بفندق سميراميس حضرها كبار المثقفين المصريين والعرب وناقشوا خلالها قضية الصراع العربي الصهيوني من شتى جوانبه الفكرية والسياسية والثقافية وكشف جارودي عن وجه إسرائيل القبيح وكيف أنها تخطط بدعم من أمريكا للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وسلب الفلسطينيين كل حقوقهم، وبعيدا عن السياسة إستضاف سعد وهبة من النجوم المحايدين غير المتعصبين للصهيونية النجمة الإيطالية صوفيا لورين والنجم الأمريكي آلان ديلون لعمل نوع من التنشيط السياحي، كما دعا أيضا المخرج الكبير إيليا كازان والنجم الهندي أميتاب باتشان وكان لحضوره صدى ودوي واسع، فهكذا كان يدير الرئيس الأسبق مهرجان الدولة الأم بحرفية سياسية ودراية فنية وثقافية عالية المستوى فحينها لم تكن مؤهلات رئيس المهرجان السينمائي مختزلة في مجرد إجادته للغة الإنكليزية وشذر اللغة الفرنسية وإنما كانت الرئاسة المهرجانية منصبا قياديا يضاهي في تأثيره وأهميته الدولية دور الوزير المفوض، موقعا لا يرقى اليه الا من هو أهل له، فالمهرجان ثقافة وسياسة وفن ودبلوماسية ونظم إعلامية وبروتوكولات .. مفردات غابت بغياب عميد المهرجان وثاني فرسانه وحامي بوابته الشرقية من غزو المتربصين ممن يسعون لتغيير لغته من العربية الى العبرية .. حفظ الله مهرجاننا ورحم الله سعد وهبة.