أ . د . علي الهيل يَحارُ المرءُ إلى هذه اللحظة في دوافع برنامج (بانوراما) من محطة تلفزيون BBC 1 حول (افتراضات) فساد مالي وإداري مُتَّهمٌ بها بعض أعضاء الفيفا، الذي تمت تلفزتُه أسبوعين تقريبا قبل يوم الحسم، وهو الثاني من كانون الاول (ديسمبر). وهو اليوم الذي أعلنت فيه الفيفا اختيار روسيا لاستضافة مونديال 2018 وقطر لمونديال 2022. وطرح الكثيرون تساؤلاتٍ كثيرة حول ما إذا كانت الـBBC تقصد إحراج حكومة ديفيد كاميرون الإئتلافية المحافظة نتيجة للإجراءات الاقتصادية والمالية التقشفية التي تتبعها، والتي كان أحد آخر نتائجها رفع رسوم الجامعات والتعليم بشكل عام، والتي جابهها الطلاب باحتجاجات عارمة، أم أن السبب كان التشويش على اختيار موطنين جديدين لإيواء كأس العالم لكرة القدم خارج الحدود الجيو رياضية والسياسية التقليدية وهو الغرب. أم أنَّ الأمر لا يعدو أن يكون سوى تصفية حسابات بين الـBBC والفيفا نتيجة مثلاً لإيثار الفيفا محطات تلفزيونية غير الـBBC بالأولوية في البث، وبالتالي كانت التهم بالفساد مجرد غطاء. وإن نحن افترضنا أنَّ الـ BBC كانت تريد إظهار حقائق لا يعرفها الكثيرون عن الفيفا فلماذا اختارت توقيتا حرجا أدى كما يبدو إلى التأثير على قرار الفيفا بإخراج وإحراج بريطانيا من مونديال 2018؟ والجواب الفصل قد يسربه يوماً ويكيليكس. والفيفا لم تعبأْ (بتخرصات) الـ BBC كما وصفتها المصادر الإعلامية للفيفا، بل نفت جملة وتفصيلا ما ورد في (بانوراما) وأقرت أنها أقصت اثنين من أعضائها الأربعة والعشرين قبل اتهامات الـ BBC، بعد أن تأكدت من وجود تهم بالفساد موجهة إليهما ومضت بأعضائها الاثنين والعشرين وأحدثت تغييرا نوعيا ومفصليا في تاريخها باختيار روسيا وقطر. ومن خلال هذا القرار أعلنت الفيفا بالأفعال لا بالأقوال أنها مؤسسة مستقلة ولم تَعُد كما كان يُنظر إليها على أنها أداة في يد الغرب أو في يد القوى السياسية والاقتصادية ومجموعات الضغط في الغرب. وكالعادة مع حدث عالمي كهذا تكثر الأقاويل وتنتشر الشائعات وتعمُّ الأراجيف في الغرب بالتحديد عن مليارات دُفعت للفيفا، فقط للتقليل من أهمية ملفي روسيا وقطر. كدأب الغرب في سَوْقِ الصور النمطية أو الإستيريوتايبس عن كل ما هو غير غربي، لإبقاء العالم تحت رحمته ورهن إشارته. ولا شك أن إعلان فوز قطر كان مدويا وصاخبا ومزعجا للكثيرين وإن أبدوا من طرف اللسان حلاوة. بيْدَ أن فخامة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لم تستطع (ديمقراطيته) أن تجعله يكظم غيظه ونعت اختيار قطر لمونديال 2022 بأنه خطأٌ من الفيفا. ولماّ كان المسؤولون القطريون دبلوماسيين ولطفاء مع تصريح أوباما غير أننا باعتبارنا مواطنين عاديين نقول لفخامة الرئيس: إن الخطأ في الانحناء والخضوع لإسرائيل على حساب كل القيم الديمقراطية التي، كما يظهر في العلن، أُنتخب من أجلها الرئيس أوباما، وإن الخطأ بل الجريمة في غزو العراق وأفغانستان واحتلالهما وقصف الأبرياء وقتلهم بدم بارد. وعلى المستوى الأمريكي نقول للرئيس أوباما: إن الخطأ هو في ضخ ثلاثة تريليونات دولار تقريبا في الشركات (المتعثرة) وهي عملية نهب في وضح النهار للأموال العامة لصالح قوى مجموعات الضغط السياسية والاقتصادية في الغرب عموماً. وأما قطر فقد تم انتقاؤها بأسلوب ديمقراطي من قِبل الفيفا. لأن قطر أدارت ملفها بذكاء كوني شديد والحرب خدعة كما يقال. وغني عن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية (طبختها) كما نُشر في الإعلام الغربي نفسه، مع بريطانيا بأن خرجت هي من 2018 وطلبت من بريطانيا البقاء لتتفرغ الولايات المتحدة الأمريكية للعمل على ملفها لمونديال 2022. إذن الولايات المتحدة بذلت جهودا مضنية ومن وراء الكواليس أحيانا و’ويكيليكس’ قد يفضح ذلك قريبا، للحصول على شرف استضافة المونديال. ولماَّ كان أعضاء الفيفا قد تعاهدوا في ما بينهم على الموضوعية وإبعاد السياسة ومكيافيلتها عن ساحة اللعب الديمقراطي، فقد اقتنعوا بالعرض القطري وملفه الذي أداره القطريون بحكمة بالغة، متجاوبين مع كل مواصفات الفيفا والمعايير الخاصة بالقبول. ووجد أعضاء الفيفا أنَّ من الإنصاف بعد تاريخ طويل من تهميش الشرق الأوسط والعالم العربي والعالم الإسلامي رياضيا وكرويا وفيفياً، والاقتصار على استخدامه من قِبل الغرب واستغلاله عسكريا واقتصاديا لعقود مديدة، ونهب خيراته أن يكون المونديال بعد اثنتي عشرة سنة في الدوحة إن شاء الله. لقد كسبت قطر معركة حاسمة وهي الأهم. وأما معاركها المتبقية فقد وعد قادة الملف القطري بكسبها، وتتعلق على سبيل المثال بالمنشآت التي طلبتها الفيفا. ورادت قطر مجالا هو الأول من نوعه ولعله كان أحد ركائز الملف القطري، وهو تكنوتقنية بالغة التعقيد بتخزين الطاقة الشمسية واستعمالها في تبريد الملاعب، في حالة انعقاد المونديال في الصيف. والركيزة الأخرى في الملف القطري التي لا تقل أهمية عن ذلك، والتي شَدَهَت الفيفا هي تمرير هذه التكنولوجيا للدول الحارة في العالم بدلا من احتكارها كما يفعل الغرب، وإهداء أكثر من مئتي ألف كرسي للدول المحتاجة في العالم الثالث لمساعدتها على إقامة ملاعبها. ولا شك أن قطر ممثِّلةً للشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي والبلدان المتحررة من ربقة الذل الغربي، قد انتصرت في حرب لم تُستعمل فيها آلات التدمير والتخريب والقتل للبشر، ولكن استعملت فيها قطر التفكير السليم والعقل الواعي والروح الطموحة والهمة العالية والثقافة الإنسانية بلغاتها وأخلاقها الفطرية التي جبل الله الإنسان عليها. وكما أهدت المقاومة اللبنانية نصر تموز العسكري 2006 إلى كل العرب والمسلمين والأحرار في العالم، فعل أمير قطر الشيء نفسه بأن أهدى النصر الفكري والعلمي والتكنولوجي والأخلاقي والرياضي والحضاري القطري إلى العرب جميعا وإلى المسلمين جميعا وإلى كل أحرار الأرض. بقيَ أن نقول إن تجرؤَ الفيفا على تجاوز الخطوط الحمراء وإعلان استقلالية قرارها باختيار قطر بالتحديد، باعتبارها في الشرق الأوسط ودولة عربية وإسلامية ومناصرة للحركات التحررية مثل حماس وحزب الله، وللتذكير فإن أمير قطر هو الزعيم العربي الوحيد الذي استقبل إسماعيل هنية رئيس وزراء الحكومة المقالة في غزة (الشرعية أصلاً) في مطار الدوحة الدولي، مع أن دولة قطر فيها رئيس للوزراء، قد أغضب دوائرَ مجموعات الضغط السياسية والاقتصادية الأقوى في الغرب، وعلى الفيفا أن تتحسب لما قد يحدث لها مستقبلا. وعلينا في العالم العربي أن نتعلم من قرار الفيفا ونقوم مثلاً بفك عملاتنا بالدولار، لا سيما أن الولايات المتحدة الأمريكية اليوم ضعيفة وتبحث باستماتة غير مسبوقة عن إستراتيجية خروج من أفغانستان والعراق، إضافة إلى أزماتها الاقتصادية والمصرفية والمالية. ودول الاتحاد الأوروبي هي الأخرى باتت مهمشة نتيجة الأزمات المالية المتفاقمة واضطرار منطقة اليورو لدعم اليونان وايرلندا وغيرهما والحبل على الجرار. كل ذلك يتم في ظل بروز قوى اقتصادية في آسيا مثل الصين وسنغافورة وتايوان وماليزيا وتايلاند، وعلى العالم العربي أن يتجه إليها ويعيد النظر في ارتباطه أو انقياده الأعمى للغرب سياسيا واقتصاديا.’كاتب قطري