المكر والنفاق ظاهرتان بشريتان ارتبطتا على مدى التاريخ بقاعدة اجتماعية تقول، إذا كنت ضعيفا ولا تستطيع التضحية من أجل موقف معين فما عليك إلا أن تتبني ظاهريا موقف القوي، وتعمل في الخفاء بوسائل غير أخلاقية لتغيير الوضع لصالحك.. بطريقة أخرى عليك أن تنتقل من الإنسان إلى الحيوان في غابة دولية مليئة بالفخاخ، يجب على المرء فيها أن يكون ثعلبا وأسدا في آن واحد، ويكون رجل سياسة يتبنى سلوك الثعلب في المكر والخداع وسلوك الأسد في البطش والقوة.
فقراءة لأخبار وقصاصات موقع ويكيليكس يظهر بجلاء أسرار الدبلوماسية في هذا الزمن الرديء، أسرار تظهر بأن عالمنا فيه من المنافقين والماكرين ما يجعل المرء يصاب بالإغماء. فمراعاة الضمير الإنساني غير موجودة البتة، إذ العهود والمواثيق مكتوبة بمداد الاحتيال والهيمنة، وبعض الحكام لا حول ولا قوة لهم في إدارة شؤون بلدانهم، وما يحاك في السر يضاهي ما يقال في العلن.
قد يقول قائل إنها لعبة السياسة في العلاقات الدولية، وهذا صحيح، لكن الأصح هو أن نحدد نحن أمة العرب موقعنا من بين هذه الدول أو نصمت فذلك فيه خير لنا وحيرة لأعدائنا. في كتابه ‘تسهيل النظر وتعجيل الظفر” ينصح الماوردي رجال السياسة، قائلا: ‘ولزوم الصمت إلا من ضرورة لا يجد فيها من الكلام بدا، ليسلم من هذر الاسترسال، ويأمن من معرة الطيش، فإن الملك مرموق الألحاظ، محفوظ الألفاظ، تشيع زلاته، وتنتشر هفواته، وبحسب ذلك تكون محاسنه أنشر وفضائله أشهر، فهو بالسكوت ممدوح، ومن الكلام على خطر’. فن السياسة يتطلب من الحاكم والمحكوم الحذر من الأعداء وعدم الانجرار وراء نصائحهم المهلكة، التي تأتي على كل شيء.
إذا كان رواد موقع ويكيليكس صادقين وأتوا برهانهم على طريقتهم للعالم أجمع، إذ قالوا في بعض حكامنا ما قالوا فإن هذا يدفع المرء للتساؤل: ماذا فعلت الشعوب العربية حتى تخذل بهذه الطريقة ويسلط عليها من يتآمر، ويغمز، ويهمز، ويلمز؟
فهذا وزير دفاع لبنان السابق يخبر الأمريكيين عن كيفية احتلال بلده.. وهذا رئيس عربي يترك براميل يورانيوم تحت حراسة حارس في أحد مطارات بلده احتجاجا على ما قيل عدم اللياقة التي استقبل بها في أمريكا.. صحيح قد يصاب الإنسان العربي بخيبة الأمل وهو يسمع عن بعض حكامه ما يسمع، فهذه الأحداث أصبحنا نحن العرب متعودين عليها لكثرة ما يحكى عنهم، ولكن ما يهمنا نحن العرب هو لماذا بالضبط ظهرت هذه القصاصات في هذا الظرف بالذات؟ ولماذا لم تستقل السيدة كلينتون من منصبها؟ الحقيقة إن في لعبة السياسة شد وجذب بين الكبار ولا تعدو هذه القصاصات إلا أن تكون ‘نفايات قديمة’ أو ضربا تحت الحزام من أجل أولا تشجيع الدول التي طبعت في السر إلى الانتقال إلى العلن، وثانيا تأجيج الوضع المحتقن أصلا بين الدول العربية والإسلامية، فعندما نلقي نظرة على خريطة التجاذبات بين دول الخليج وإيران نرى أن هناك من يعمل على إيقاظ الفتنة التي دفنت بين الشيعة والسنة.
وهنا مكمن الخطر فإيران الجارة لا يمكن بحال من الأحوال تجاهل دورها الإقليمي فقد أصبحت لاعبا إقليميا بعدما كانت إسرائيل الآمر الناهي، وهذا بطبيعة الحال يرجع للأخطاء التي ارتكبت في حق النظام العراقي السابق، الذي كان سدا منيعا لدول الخليج العربي. ولعلي أجازف إن قلت إن هذا الخطأ الاستراتيجي ستكون له تبعات تاريخية وعسكرية على دول المنطقة العربية في الأشهر المقبلة، وسيعرف ‘عرب البترول’ ثمن فاتورة إسقاط هذا النظام.
إن الإيرانيين يمارسون السياسة من خلال الرؤية ‘الماوردية’ (نسبة الى الماوردي) أما الغرب فيمارس السياسة من خلال الرؤية ‘الميكافلية’ (نسبة إلى ميكافيل). وهنا تكمن أخطاء الدبلوماسية العربية لدى بلدان الخليج العربي، بلدان قامر بعض حكامها على أعداء لا يؤمن شرهم ووضعوا ثقتهم العمياء فيهم. سؤال مؤرق يطرح نفسه ما مصلحة الويكيليكس في نشر كل هذا؟ هل الويكيليكس أداة ابتزاز للدول والأنظمة، بمعنى آخر من يدفع أكثر لا نخرج غسيله ‘القذر’ إلى العلن، ومن لم يدفع أكثر ننتظر أن يعي ويحين دوره؟
عندما سُئِل جوليان أسانح في برنامج ‘بلا حدود’ بعض الأسئلة بقيت معلقة بلا أجوبة بدا الرجل الأربعيني أنه يملك أسرارا كثيرة ‘سرقها’ من الشيطان الأكبر.. وأنه سيطلع جمهوره أولا بأول عن أشياء ستغير بعض الحقائق.
لعل الدرس المهم الذي يجب على بعض دبلوماسيينا استيعابه هو أن في العلاقات بين الدول لا توجد صداقات وغزل دائمان بل مصالح ظرفية، على حكامنا امتطاء صهوة ‘الميكافلية’ وهذا من حقهم لأن لعبة السياسة تستوجب في بعض الأحيان ذلك لكن لا على حساب ثوابت الأخوة القومية ففي ذلك بلاء لا يمكن رده، لكن لنا في ‘الماوردية’ قواعد ونصائح أصيلة لا يمكن الاستغناء عنها.
لقد علمتنا كتب التاريخ أن البقاء للأصلح ولمن يحسن لعب الشطرنج السياسي والأمريكان يعرفون أن بعض حكامنا أغبياء فهم يتعاملون معهم على قدر عقولهم وأهوائهم ونزواتهم.
حسان صيفي[email protected]