د. سيد محمد ولد ابهادي تحظى قناة الجزيرة القطرية بمتابعة واسعة في العالم العربي على العموم، لكنها بموريتانيا تعتبر الشغل الشاغل، لكل فئات الشعب مثقفين وموظفين، وطلبة، وحتى سائقو سيارات الأجرة لم يسلموا من حمى قناة الجزيرة (من خلال اذاعة اف ام) وهو ما شكل نمطا خاصا من الثقافة يمكن أن نطلق عليه ثقافة الجزيرة. ففي المجالس العامة يصعب تمييز المثقف من غيره، خصوصا اذا ما تعلق الأمر بالنقاشات السياسية وقضايا الساعة فالكل مهتم بإبداء رأيه ومقتنع بتحليله قد يحلل السياسة والاقتصاد، واستشراف المستقبل، وينتقد صامويل هنتنغتون في نظرية صراع الحضارات، ويشكك في وثائق محمد حسنين هيكل ويتهمه بالتلفيق، ولن تعدم من يتنبأ بحرب كونية كبرى قادمة لا محالة بين الصين وأمريكا، ناهيك عن الانحباس الحراري، الى غير ذلك مما تتناوله قناة ‘الجزيرة’ فهو مشاع بين كافة الناس وهم في فهمه وتناوله سواء.
غير أن الفترة الأخيرة شهدت تهافتا غير مسبوق من المثقفين الموريتانيين على المشاركة في برامج الجزيرة، خصوصا برنامج (الاتجاه المعاكس)، من غير أن يكون لمشاركتهم مسوغات مقنعة لاختيارهم من ضمن جملة مثقفي العالم العربي للدفاع عن قضايا العرب الكلية، اللهم الا ما يبديه بعض المثقفين الذين يحترمون أنفسهم من عزوف عن الظهور دفاعا عن الحكام العرب وسياساتهم الخرقاء، وبالتالي يضطر مقدم البرنامج الى البحث عن محاور، أي محاور لإكمال المشهدومن الواضح أن القاسم المشترك بين كل هذه المشاركات هو الدفاع عن العرب، حكاما وشعوبا، وهو ما يحيل الى عقدة قديمة متجددة ما زلنا لم نتخلص منها إلى حد الساعة. عقدة الانتماءدعونا نتساءل عن بعض مسببات هذه الظاهرة بكل أبعادها، انطلاقا من ولع الموريتاني البسيط بالجزيرة، وتهافت مثقفيه على منابرها من غير دافع يذكر، وفي هذا الاطار يمكن أن نسرد بعض الملاحظات:
كانت قناة الجزيرة أول رابط حقيقي يربط الموريتانيين بالعالم العربي- في العصر الحديث – وشكل اهتمامها بموريتانيا سياسيا وثقافيا نقلة كبيرة في التعريف بها، وهو ما كان يتطلع اليه الكثير من الموريتانيين، خصوصا العروبيين منهم، وتصادف أن وقعت أحداث جسام في موريتانيا في السنوات الأخيرة، ما شكل مادة دسمة لأي وسيلة إعلامية فكانت تغطيتها متميزة لكل تلك الأحداث.
كان البرنامج الشهير (الاتجاه المعاكس) من أهم البرامج وأكثرها متابعة في موريتانيا، بل وشكلت حلقاته الأولى عن موريتانيا فرصة لكثير من السياسيين والمثقفين الموالين للسلطة القائمة آنذاك لإظهار ولائهم وتشبثهم بالسياسة النيرة لقاطني القصر الرمادي، حتى قيل ان أقصر طريق للحصول على وظيفة مريحة هو أن تظهر في (الاتجاه المعاكس) وتدافع عن توجهات وسياسات الحكومة.
في ‘الاتجاه المعاكس’في الاتجاه المعاكس لمجمل المثقفين العرب اليوم والذين يجمعون على تردي الأوضاع العربية سياسيا وثقافيا، وتراجع مكانتهم على الساحة الدولية، واستشراء الفساد، والاستبداد بين صفوفهم، يبدع الموريتانيون أخيرا في (الاتجاه المعاكس) مستميتين في الدفاع عن الحكام، فتحول المناضلون في الساحة الوطنية الى مطبلين ومزمرين للحكام العرب، وللشعوب العربية، على شاشة الجزيرة، فما هي الوصفة السحرية التي تحول المناضل والأستاذ الجامعي، حماه الله ولد السالم إلى الدفاع عن الحكام العرب وعن الدول العربية؟ والتماسه للأعذار وبحثه في ركام من الإخفاقات والانتكاسات للعرب الى نقاط مضيئة وقرارات صائبة، علها تسعفه في الدفاع عن عالم يعيش في القرون الوسطى، حتى وصل به الأمر الى الاستشهاد بالقائد والزعيم معمر القذافي، اعتقدت لحظتها اني اشاهد قناة ‘الليبية’، وهو نفس القائد والملهم الذي توسلت به الأخت تربة بنت عمار في آخر خرجة من خرجات المثقف الموريتاني، مرورا بالأستاذ محمد محمود ولد محمد أحمد القادم من ورشة موريتانيا الكبرى بقيادة محمد ولد عبد العزيز، ورشة تظهر ملامحها من خلال تشجير مئات الهكتارات على أطراف العاصمة، في عصر يطمح العالم فيه الى تشجير المريخ وزحل وجعلها اماكن قابلة للعيش، من دون أن ينسى صاحبنا التعريج على قائد التشرينين، ونجله المفدى، وكل الحكام العرب الآخرين… وحتى لا يقتصر الأمر على المثقفين من كلا الجنسين جاء دور السياسيين وظهر الأستاذ محمد غلام ولد الحاج ليدافع عن الشعوب العربية، ولئن كان الدفاع عن الشعوب ليس عيبا في حد ذاته الا ان فكرة الدفاع عن العرب في زمن العرب العاثرهذا، فكرة لا تناسب المثقفين، ولا السياسيين المعارضين، ومن كثرة ما دافع الحكام وأزلامهم عن الحالة العربية، لم يعد من المناسب على سياسي وثائر مثل محمد غلام أن يتصدى للدفاع عن الشعوب العربية في زمن استكانتها.
لا بد من البحث عن مبرر ما لهذا الاصطفاف البين دفاعا عن حكام العرب في زمن عز فيه المدافعون عنهم وعن استبدادهم وتخاذلهم، أهي قناعة راسخة بساساتهم؟ وهو احتمال غير وارد اذا ما نظرنا الى تاريخ الإخوة الذين ذهبوا هناك..! ام هي الجزيرة وحب الحج اليها والظهور على شاشتها وبالتالي النفاذ الى كل البيوتات الموريتانية التي تأكل الجزيرة وتشربها ربما، أم هي عقدة الانتماء في تجل جديد من تجلياتها، يخطب فيه القوم ود الأنظمة وينفذون الى عقول وقلوب المشاهد العربي عله يقتنع في يوم من الأيام أن هنالك مجتمعا عربيا ودولة عربية اسمها موريتانيا؟… لست أدري حقا ولكن يتوجب على كل مثقف موريتاني يحترم نفسه ان يبقى وفيا لمبادئه وقيمه وان لا يدفعه حب الظهور على شاشة الجزيرة أن يملأ مقعدا فارغا تقاعس عنه الكل. وان لا ‘اعمر الزر الخاوي’ فقط من أجل أن يطل بوجهه من خلال قناة الجزيرةكاتب من موريتانيا