تهاني فجر’لكل زمن شعره. للشعر كل الأزمنة’ بهذه المقولة للشاعر والمترجم عبد القادر الجنابي نستطيع افتتاح الكلام عن كتابه الجديد الصادر حديثاً عن ‘دار الغاوون’ والذي حمل عنوان ‘الانطولوجيا البيانية’. يبدأ الكتاب في البحث عن ماهية الشعر والشعراء عبر تقديم تعاريف مغايرة للشعر، تعاريف تقود القارئ إلى تعاريف لا حدود لها لهذه المادة السحرية التي ندعوها شعراً. وقد تمّ تقديم ذلك عبر قصائد وشذرات وسرد ونثر لأهم شعراء العالم الذين جاءت غالبيتهم من المعاصرين، كتجربة كافكا وإيدسن وجورج تراكل إضافة إلى الموازنة النثرية بين عبّاس بيضون وأمجد ناصر، وتمّ أيضاً إيضاح التناقض وعدائية ت. س. إليوت لقصيدة النثر وتقديم قصيدته النثرية الوحيدة التي نُشرت من بين خمس قصائد نثرية أنجزها: ‘حينما ضحكت أدركت أني صرت متورّطاً في ضحكتها وجزءا منها، إلى أن صارت أسنانها محض طالع عارض له موهبة المارش العسكري’.يتناول صاحب ‘مرح الغربة الشرقية’ أشكال الشعر الصوتي والدادائي والرّنان، مفرّقاً بين الأفورزم كلونٍ شعري قائم بذاته وبين الشذرة التي تختلف في المضمون. إضافة إلى مراحل العملية الشعرية وهي البذرة النيرة وإكساء تلك البذرة بالصور والتعبير اللفظي. يستطيع قارئ ‘الأنطولوجيا البيانية’ الذي حرّره الكاتب من نمطية القراءة المعتمدة عند القارئ في قراءة مثل هذه الكتب تحديداً… يستطيع أن يلاحظ تقسيمات الكتاب من خلال العناوين الفرعية التي أعطاها لكل قسم، عناوين صغيرة متلازمة الدلالة لما يليها رغم ما تنطوي عليه من عنف وقسوة واستفزازية في بعض الأحيان، بدءاً من الاستهلال الذي بدأ به الجنابي الكتاب ‘واقية الصواعق’ ومروراً بكل ما يليه كـ’قتل الشاعر أنموذجه’ و’شعر الإستنارة الدنيوية’ و’شعرية آكلة للحم البشر: تحويل التابو إلى طوطم’…يرتكز هذا الكتاب الضخم الذي يقع في 300 صفحة تقريباً على خلق نظام شعري معيّن خارج عن صرامة المنهجي والتعليمي، نظام منفتح على الآخر المتعدّد في الأنا الواحدة، ومنغلق على شعرية موحّدة رغم تنوّع النماذج المطروحة في الأنطولوجيا واختلاف الشعراء الذين تضمّنتهم. فالقارئ سيلمس دون جهد تناغم أصوات أولئك الشعراء إلى حد اعتبارهم صوتا شعريا واحدا، وذلك لعدم وجود ترتيب زمني معين أو فهرسة بذاتها للتجارب المطروحة، ولا على انتماء جغرافي أيّاً كان، بل الإستناد الأول والأخير في الأنطولوجيا على الهوية الشعريّة الخاصة بكل شاعر.لذلك نجح عبد القادر الجنابي بخلق بيان شعري حقيقي عبر المقاربة الجادّة لأهم المذاهب الشعرية وطبّق ما قاله روبرتو خواروث بشكل صائب جدّاً ‘إنه ذلك الجمع العجيب الصائب بين متناقضات أو ما تبدو متناقضات’ وهذا بالضّبط ما عمل عليه الجنابي في بيانه الشّعري الذي استعرض فيها أهم النّصوص التي أسّست ورسّخت الحداثة الشعرية كتجارب شويترز الكونكريتية:’يجب أن تؤدي بإيقاع منتظم، بوقت 4/4. كل سطر متتال يجب أن ينطق بربع نبرة أوطأ من الأخير، لذا يجب أن تبدأ القطعة على نحو متناسبأوووووووووووووووووووووو (واطئ)/ بي بي بي بيأوووووووووووووووووووووو/ زي زي زي زي زي…..أوووووووووووووووووووووو/ زنزيكيت…. بي…..بي……أوووووووووووووووووووووو…………………………………………..آاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا (عالٍ)واستعرض كذلك قصائد شتاين التكعيبية وتجربة تسيلان وأبحر في مياه جويس منصور الإيروتيكية:’ادعُني لتمضية الليل في فمك/ حدّثني عن شباب الأنهار/ ضع لساني على عينيك الزجاجتين واضغط/ اعطني فخذك وكأنّني مرضعة/ ولننم يا أخ أخي/ فقبلاتنا تموت أسرع من اللّيل!’ الأنطولوجيا البيانية هي درس نقدي مُتقن و’عبثي’ منظّم يشبه إلى حد بعيد الشعر الذي يبحث عن ماهيته في الكتاب، ويستخلص في نهاية الأمر صعوبة أدلجة الشعر في إطار معيّن وإطلاق تعريف بذاته يمكن اعتماده ليكون تعريفا عاما ومثبتاً للشعر.باختصار، أنطولوجيا الجنابي كتاب ينحاز الى الشعر فيفوز به كجائزة رفيعة المستوى.شاعرة من الكويتqd